01 فبراير 2016

قصة قصيرة بالعامية العُمانية: أمّ موسى

سالم آل تويّه


ولا واحد في حارتنا صدَّق السالفة، لكنَّا بعدين صدقنا واحنا خايفين من اللي صار، ولمَّا وصلنا بيت ميمونة العاقر تشاهدنا على وجوهنا. سبحان الله؛ كان كل شي بينتهي، وكلنا كنا بنموت وما يبقى أحد ولا يبقى شي: لا في حارتنا ولا في البلاد كلّها. سبحان الله.
كنت مع أبوي ماشيين السوق، ويوم اشترينا سمك قالِّي أبوي: يا ولد روح جيب كرتون وشلّ الصيد خلِّيه في دبّة السيارة. ورحت واشتريت كرتون بميتين بيسة من ولد أصغر مني كان جالس تحت سمرة حيت دكاكين بياعين الخضار، وما صدقت يوم سمعت واحد يقول: أحسن لكم تروحوا، تراها الدنيا بتحتشر. قلت في نفسي: أكيد هذا واحد مخرّف، ودفعت فلوس الولد، وشليت الكرتون وسحبت عمري، ولما وصلت عند أبوي شفته واقف وفي يدينه سمكتين وكيسة قاشع. خلّيت الكرتون على الأرض، وخلّى أبوي السمكتين والكيس داخل الكرتون، وقالِّي: خلِّي الكرتون في دبة السيارة. وبعد ما وصّلت الكرتون وسكّرت عليه الدبَّة سمعت أبو مرهون راعي دكّان البن يخرّف سليّم بو يبيع القت وعندهم حمود الشّحّامة راعي سمك المالح وناس ثانيين ما أعرفهم أظنّي جايين يطحنوا بن، انزين سمعت أبو مرهون يقول: الله بحسن الخاتمة. وقال واحد شايب: لا تعاقبنا يا رب. والحلاق الهندي كان يكلّم باكستانيين وكلّهم خايفين بس الحلاق قال انه اليوم بيحلق بلاش حال كل حدّ، وانه ما يبغى شي في الدنيا إلا انّه يرجع الهند ويشوف ولاده وحرمته مرة ثانية.
وبعد هذا حتى أنا خفت، ومشيت بسرعة، ودورت أبوي، ويوم حصّلته قلتلّه:  يقولوا انه علامات الساعة قامت وانه الدنيا بتحتشر!  قال لي أبوي وهوّه يدحّر عيونه فيّ: وهيش نابه بعد؟ تو بعدك عمرك خمسة عشر سنة ومنسبّ كرتون فيه سمكتين بتحتشر الدنيا؟ الخطرة بشلّ الصيد وحدي. أنا أحب أبوي بس هوّه شويّه قاسي ويهايني أمزح ولَّا ما عاجبنّي أجي معه السوق.  قلتلّه: يا أبوي تراه كل النّاس في السوق يقولوا انه الدّنيا بتحتشر.
غلا أبو حجاجينه وضيق عيونه مستهزي: "يا الله خلا" صرخ في، وتبعته، وركبنا السيارة، وفي الطريق بان عليه أكنّه ناسي شي ولا انّه تذكّره؛ قال:  حميد! أظني كلامك فيه شي من الصدق! وشاف على السّما وقال: عسى ما يقسّوا علينا، ولا أقولّك أحسن يقسّوا علينا فهالسّوالف ولا يكون كلامهم صحّ. ورن تلفونه رنَّة رسايل، وعطاني تلفونه وقالِّي أقرا بومكتوب في الرسالة، وقريت: إعصار مدمّر في طريقه إلى عمان. وبديت أفهم خوف الناس في السوق، وكلامهم عن الدنيا اللِّي بتحتشر.
ولمّا وصلنا البيت ما واحينا نخلّي بوشتريناه إلا والخبر منتشر في الحارة كلّها، وبعد يومين قالوا لنا لازم نخلي المنطقة لأن حارتنا ما بعيد عن البحر، وقاموا الناس يلمّوا أغراضهم ويودّروا بيوتهم وكل حدّ يروح مكان، بو راح المدارس يتخبّا وبو روح البلادين، واحنا رحنا البلاد، لأنهم قالوا انه الإعصار يجي حال المناطق القريبة من البحر بس.
كان الجو خلاص بادي يتقلّب؛ مرة أسود، مرّة رمادي، والسحاب يزيد أكنّه تو بيطيح السيل، ودرجة الحرارة نزلت، وزادت سرعة الرّيح وصار صوت أوراق الأشجار ينسمع من بعيد مثل موج البحر.

2

يومين في البلاد كنا نتابع التلفزيون. الحمد لله كنا بعيد عن الخطر لكن بوشفناه في التلفزيون كان أكنّه فيلم. أبوي وامّي وخوتي الكبار قالوا انّه بوستوى ما استوى. 
رجعنا مسقط وشفنا البيوت مدمرة والشوارع منقلعة والوديان مسويّه بحر ثاني. ورحنا نطّمّن على أقاربنا وجيرانا ومعارفنا، وشفنا العجب، والأعجب انّه قصّة النبي موسى استوت مرّة ثانية في حارتنا! وقالوا رعاة الحارة انّه ميمونه العاقر حرمة عبدالرحمن الإنسان الطَّيب اللِّي يصليبنا في مسجد الحارة، قالوا انّه الله مدّها بالكرامات من خشعتها وقوة إيمانها.
كانت ميمونة ورجلها من الناس اللّي ما ودّروا بيوتهم وقالوا ان الحياة وحدة بو يموت اليوم ولا بويموت باكر تراها حياة وحدة، وأظني قالوا كذاك لانهم ما عرفوا هين يروحوا وأقاربهم بعيد وما حد يسأل عنهم.
ويوم اشتدّت العاصفة وزاد المطر وعرفوا الناس انه فيه إعصار اسمه جونو جاي سلّموا أمرهم إلى الله. كانت ميمونة وزوجها عبدالرحمن جالسين يحرصوا المجهول ورا جدار المطبخ، وقامت أصوات الريح تكبر وتعسف بكل شي، لا بقى خشب ولا حديد ولا شجرة. "شفنا نخل يطير"، قالت ميمونة، "ربع ساعة ولا نصّ ساعة وخلاف حلّت ظلمة سبعه وعشرين". "وما خزنا من مكانّا"، قال عبد الرحمن. ومن التعب وعدم التصديق والخوف ناموا في مكانهم، ويوم حلّ الصّبح شافت ميمونة منزّ في وسط حوش بيتهم، يسبح فوق الماي مثل القارب، وخاضت الماي اللي وصل إلى خاصرتها، وخافت في البداية، لكنها يوم شافت طفل راقد في المنزّ تشاهدت على وجهها.
وراحت أيّام وجات أيّام، وما حدّ سأل عن الطفل، وكلّهم قالوا انّه أهله كلّهم قتلهم الإعصار، وان الله أرسله إلى ميمونة وزوجها حتّى يكون آية وعبرة وعظة لأهل الحارة. وإلى يومنا هذا وبعدنا أكنّا تو قايمين من النوم واكنّه شي خطف قدّامنا شروى شيفة الحلم. 
ولا واحد في حارتنا صدَّق السالفة، لكنَّا بعدين صدقنا واحنا خايفين من اللي صار، ولمَّا وصلنا بيت ميمونة العاقر تشاهدنا على وجوهنا. سبحان الله؛ كان كل شي بينتهي، وكلنا كنا بنموت وما يبقى أحد ولا يبقى شي: لا في حارتنا ولا في البلاد كلّها. سبحان الله.
مارس 2008

10 ديسمبر 2015

سالم آل تويه في رواية «أيوب شاهين»… اللامنتمي والهجرة إلى الموت

يوسف حطيني


يطلّ العُمانيّ سالم آل تويّه على القارئ العربي برواية عنوانها «أيوب شاهين»؛ ليقدّم نموذجاً جيداً لرواية الشخصية، لا كما يشير عنوانها فقط، بل كما تشير أحداثها وعلاقاتها التي تتمحور حول أيوب، ولا تتيح للحكايات الصغيرة فرصةَ الظهور إلا بمقدار ارتباطها به.
أيوب اللامنتمي بالقوّة: البحث عن الجذور:
على مدى صفحات الرواية، حتى تلك التي تمتد عميقة في الماضي، يجتهد أيوب في الانتماء إلى بيئته عبر أقنومين إنسانيين خالدين هما الحب والإيثار، غير أنه لا يجني في أكثر الأحيان إلا الخيبة، يعمل حارساً للعيادة، كما يعمل خيّاطاً ليجني رزقاً يدّخره للآخرين، ويصوم عن الآخرين رغبة في تطهير النفس، وفي السمو بها إلى مصافّ الوجد الإنساني.
وحين يخوض أيوب تجربة الحب مع حميدة، يكتشف أنه يخوض معركة، هو فيها الطرف الأضعف، في مواجهة أهلها، فأصله من (مكران)، علماً أنه لم يرها في حياته، بينما ينتمي أهلها إلى سلالة شريفة (!!) يكشف السرد لاحقاً أنّها ليست كذلك.
ولعل طوفان النسيان الذي عاناه أيوب بالتزامن مع مرضه، مترافقاً مع ضعف الإدراك، أتاح لأيوب أن يعلن عن موقفه تجاه قضية الانتماء التي واجهته بقسوة قبل سنوات عديدة، لتقضي على مستقبل علاقته بحميدة، فقد «رفض يحيى بن صقر رفضاً قاطعاً مهيناً خطبته لابنته حميدة. كان على أيوب الإصغاء لتذكير يحيى بن صقر بأنه من مكران، وأنه ليس عربياً، ويجب أن يلتزم حدوده، ويعرف أن مقامه أضأل من أن يقترن بواحدة من هذه القبيلة النقية العرق».
وفي مواجهة هذا الاقتلاع من الجذور، وتحديداً في ذلك اليوم الذي تعرّض فيه أيوب ووالده لاحتقار يحيى بن صقر؛ إذ عيرهما بأنّ أصلهما من مكران، تولدت في نفسه رغبة في حرق العلم، وعلى الرغم من أن لا يعرف لنفسه وطناً آخر سوى الذي ولد فيه ونشأ.
مثل هذا العجز في بيئة طاردة، ولّد لديه لاحقاً (بعد أن أخذ المرض مداه في جسمه وروحه) حنيناً نحو جذور لم يكن يشعر بها، جذور تتسرب إلى (لا وعيه)، وتبرز في أوقات التجلّي، حيث تدفع التهيؤات ما استتر من المشاعر والدوافع في الباطن إلى ساحة الظاهر.
وفي مثل تلك الأوقات نرى أيوب، اللامنتمي بالقوة، يفزع إلى مكران، حيث يمكن أن يكتسب الانتماء بالفعل، وحيث يمكن أن يتزوج حميدة، في خياله فقط، ذلك أنه عجز عن القبول بعرضها حين اقترحت عليه الهرب الذي بقي يداعب لا وعيه، بوصفه فكرة حالمة للاجتماع بمن يحبّ.
المنتمي بالفعل: شبكة العلاقات الصغرى
إذا كانت قضية الانتماء قد وجدت في الحنين إلى مكران بديلاً روحياً في نفس أيوب، فإنّ شبكة العلاقات الصغرى شكّلت بديلاً مادياً، لم يبدُ في نطاق مواجهته مع ظرفه القسري الذي حرمه من حبيبته، ولكنه بدا متأخراً بعد مرض أيوب، إذ استطاع هذا الشاب من خلال طيب أفعاله أن يجمع حوله كثيراً من المحبين والأقارب الذين ازدحم بهم المستشفى، ليكون ذلك «جائزة ترضية» له قبل الوفاة. وإذا كانت اللطمة التي تلقاها الطبيب موهن من قبل دوست (زوج الخالة سكينة)، جزاء إهماله في علاج أيوب، أمراً لا تقرّه الأعراف الاجتماعية، فقد جاءت تعبيراً صارخاً عن مدى الحب الذي يحمله دوست في قلبه تجاه أيوب، وعن مدى الغضب الذي يحمله دوست، ومن معه، تجاه الإهمال والفساد اللذين أخّرا علاج أيوب، وأدّيا من ثم إلى وفاته.
لقد كان أيوب على علاقة طيبة مع الجميع، مع المعلّمة زمان، ومع الدكتور حسن الذي كان يتعاطف معه ويعالجه، ومع الخالة سكينة، ومع الأصدقاء، وقبل ذلك مع حبيبته حميدة، ومع أبيه وعمّه، ومع أمه التي لم يكن حضورها بارزاً، لا في سرده، ولا في حياته.
لم يبخل الأب بحضوره طيفاً، بعد غيابه واقعاً عن حياة أيوب، إذ ما زالت عينا أيوب «ترنوان إليه منذ أن لم يستيقظ لصلاة الفجر، ووجده ميتاً على فراشه في دعن الحوش»، وكذلك يحضر معه كل من الأم والأخ، في أكثر اللحظات صفاء وقدسية. ويطرح الروائي من خلال شخصية لقمان مراد عم أيوب نموذجاً ينتمي إلى شبكة العلاقات الصغرى في حياته، هو نموذج «الثائر المتمرد» الذي يعدّ أحد نماذج الشخصيات الجاذبة في السرد، ومن الطبيعي أن يجتذب لقمان ابن أخيه إلى أفعاله وأفكاره، فهو ينتمي إلى جبهة ثورية، وهو مثقف يتحدّث بلغات متعددة، وحريص على نقل تجربته وأفكاره إلى الآخرين؛ لذلك يتحدث أمام أيوب الصغير بالعربية الفصيحة التي يتقنها إلى جانب الإنكليزية والفارسية والأوردية؛ ولأنّ الروائي يدرك أبعاد هذه الشخصية الجاذبة، وأثرها في أيوب، فقد جعل مصيرها غامضاً، يليق بمحافظتها على ذلك الجذب، من خلال صوغ ثلاثة أخبار متناقضة حول نهايته، الأول يشير إلى أنه سجن خمسة عشر عاماً، ثم تم إعدامه بالرصاص، والثاني أنه أخلي سبيله بعد هذه المدة، والثالث أن تم إعدامه بالرصاص بعد أن تم اعتقاله بثلاثة أيام.
أما حميدة التي تنتمي إلى تلك الشبكة الصغرى من علاقاته، فقد بقيت على الرغم من زواجها الأقرب إلى التأثير في قلب أيوب وفي روحه، لأنها كانت أكثر منه جرأة، على مدى علاقتهما، وثمة إشارات سردية متعددة إلى جرأة حميدة، مقابل انكفاء أيوب، فهي تعطيه صورتها حين يأتي إلى بيتها حاملاً دشداشتي أرشد ومحمود، وهي تعرض عليه في آخر لقاء بينهما، بعد الرفض المهين لخطبته من قبل أبيها، أن يهربا معاً إلى صحار أو البريمي أو حتى مكران، وهي تنتقم من زوجها لاحقاً بإقامة علاقات جنسية متعددة، لأنه أخذها من حبيبها، وليس فقط لأنها صُدمت حين اكتشفت أنه شاذ جنسياً، وقد بقي حبّ أيوب يحفر عميقاً في قلبها، فهي حين تراه من دون أن يراها، وهو مريض، بينما كانت ترافق ابنة عمها نسرين التي خافت من هذا المجنون ذي الرأسين.
في إطار البيئة الروائية: الزمن والفضاء ووظيفة الهامش:
لقد قدّمت رواية «أيوب شاهين» أحداثها، بشكل عام، بطريقة تعاقبية، بدءاً من ظهور أعراض المرض على أيوب، وحتى وفاته، مع رصد تطور حالته، وانتقاله من عيادة البلدة إلى مستشفى إبرا، ثم إلى ديار الحق، يكتشف الطبيب الورم، ويشك به، فيحوّل أيوب إلى المستشفى، ولا يصل أيوب إلى المستشفى إلا بعد مئة صفحة (ص126 بالتحديد)، وإذا كان الروائي قد نجح في ملء تلك الصفحات عبر أحداث واستذكارات وإضاءات لها أهميتها ومسوّغاتها الفنية، فإنه بعد ذلك، خاصة بعد الزيارة الثانية للمشفى، يصبح السرد بطيئاً جداً، ويصبح كل استرجاع، على أهميته، معوّقاً لحكاية ينتظر القارئ إتمامها، ويصبح كل تفصيل من تفاصيل الفساد الإداري والروتين، على الرغم من ضرورة كشفه، عالة على السرد، ومبعثاً للسأم لدى القارئ.
على أن ما يحسب للروائي هو إفادته الذكية من نسيان أيوب وهذياته وتداعياته وتداخلاته، ليجعل من كل ذلك متّكأ فنياً ودلالياً لكثير من استذكاراته، إضافة إلى بعض الاستذكارات التي ألفنا أشباهها في السرد.
أما ما يتعلّق بالفضاء الجغرافي، فيلفت النظر أنّ الروائي كان مهتماً بتأثيث البيئة الصغرى المحيطة بأيوب، أكثر من اهتمامه بالبيئات الكبرى التي تحيط به، وهذا أمر طبيعي في رواية الشخصية، فنحن نقرأ تأثيث الغرفة التي يعيش فيها، حيث يهتم الروائي بوصف المذياع والمائدة والدراجة وغير ذلك.
وعلى صعيد الفضاء الطباعي استخدم الكاتب لغات متعددة في نصّه الروائي تعطي، بعيداً عن دلالتها، فضاء بصرياً مختلفاً عمّا ألفه القارئ العربي، كما استثمر الهامش استثماراً فعّالاً، وأناط به وظائف تفسيرية وسردية. وقد قدّم ذلك السرد عبر لغة تفيد من البعد الاجتماعي فيستخدم لغة عربية مكسّرة، نسمع بها، أو حتى نستخدمها في بعض الأحيان، من مثل الحوار الذي يجري بين أيوب والطبيب الهندي، ويستثمر الكلمات الشعبية في صياغة لغة وجدانية تلامس المجتمع المحلي، وينقل التقاليد المعروفة في مجتمع الرواية.

*كاتب فلسطيني

20 أكتوبر 2015

تحت سماء باريس

زوينة آل تويه




"تحت سماء باريس" أغنية فرنسية قديمة اشتهرت في خمسينيات القرن العشرين، وما زالت تُطرب عُشاق مدينة النور. ظهر أول تسجيل للأغنية في فيلم يحمل الاسم نفسه في عام ١٩٥١، وغناها أول مرة جون بغوتونييغ Jean Bretonnière ، ثم زادت شهرتها عندما غنتها إديث پياف Édith Piaf في ١٩٥٤. هناك مغنون آخرون أدّوا هذه الأغنية، والنسخة المرفقة هنا من غناء إيڤ مونتو Yves Montand. ترجمت الأغنية عن الفرنسية ضمن جهودي ومحاولاتي لتعلّم اللغة، وهذه الترجمة بمنزلة تمرين على فهم المفردات وكتابتها ونطقها، وهي ترجمة شخص مبتدئ في الفرنسية قد يعتريها لبس وقصور.


تحت سماء باريس
تحلّق أغنية
وُلدت توًّا
في قلب فتى
***
تحت سماء باريس
يمشي عشاق
يغشاهم فرح
يولد من لحن
مكتوب لهم 
****
تحت جسر بيرسي
يجلس فيلسوف
وموسيقيان وبعض المتفرجين
ثم يلتمّ الناس ألوفًا
****
وتحت سماء باريس
يغنّون حتى المساء
أغنية الشعب العاشق
مدينتَه العتيقة
****
يحدث أحيانًا
أن تكفهّر السماء
فوق نوتردام
بلى، ولكن في باريس
كل شيء يمكن ترتيبه
قليلٌ من أشعة
 سماء صيفية
وأكورديون  
يعزفه بحار
ليزهر الأمل
في سماء باريس
****
تحت سماء باريس
ينساب نهرٌ مرِح
يهدهد المتشردين والمتسولين
حتى يخلدوا للنوم
****
تحت سماء باريس
تأتي طيور الرب
من العالم كله
وتتسامر فيما بينها
****
ولسماء باريس
 سرّها الخاص
عشرون قرنًا وهي متيّمة
بجزيرة سان لويس
الجزيرة التي عندما تبتسم
تتزيّا السماء بمعطف أزرق
****
 وتمطر في باريس
 لأنها حزينة
وعندما تغار من العشاق الملايين
تبرق وترعد
****
لكن سماء باريس
لا تقسو عليهم طويلا
ولكي تغفر لهم
تسكب عليهم ألوان قوس قزح

30 أبريل 2014

هنا لندن

زوينة آل تويه

في الوقت الذي كان فيه معظم أفراد القرية غارقين في وهم القبيلة ومفرداتها البائدة من عبد وخادم وبيسر، كان أبي يستهلّ أصباحه بالاستماع إلى إذاعة لندن، ويقرأ العالم بعين واسعة تذهب بعيدًا جدًّا عن القرية الصغيرة، وكنّا نحن الأبناء نلوذ بقراءة مجلة ماجد وألفية ابن مالك ولسان العرب والمتنبي والجاحظ والمنفلوطي ودوستويفسكي وهيجو وهمنغواي، بينما لا يفقه أغلب أقراننا في القرية أكثر من تهجئة اسم القبيلة والتبرّك به ليل نهار.
كل صباح، يستيقظ البيت والبيوت المجاورة على صوت المذياع الصادح: "هنا لندن: هيئة الإذاعة البريطانية"، تتبعه الموسيقى الشهيرة، ثم لا يلبث أن يرافقه صياح الديكة في الجوار. أما أبي، فيجلس بصمت حكيم أمام عتبة باب الدهريز الطويل ويغرق في إذاعة لندن، ويظل ساكنًا هناك قرب المذياع، سارحًا مع الأثير، وكأنه بوذا قاعدٌ يصلّي أو متصوّفٌ نشوانٌ يناجي ربّه.. ولا يخرجه من تنسُّكِه ذاك سوى إعلان المذيع نهاية فترة الأخبار الصباحية من هيئة الإذاعة البريطانية بلندن، ولحظتها فقط يدرك أبي أنه ما زال في قريته.. بعيدًا جدًّا عن لندن، لندن التي لم نكن نعرف عنها أكثر من اسمها وأنها تبثّ لنا أخبار العالم هنا في هذه القرية النائية التي لا اسم لها ولا مكان في خارطة العالم المتشابكة.
وحتى بعد ظهور قناة الجزيرة، وبرغم افتتان أبي بها، ظل مخلصًا لطقسه الصباحي، لصوت إذاعة لندن. استطاعت البي بي سي أن تجعل أبي مهمومًا بقضايا العالم وعلى الأخص القضية الفلسطينية، استطاعت أن تجعله خارجًا عن طوره كلّما نقلت له هزائم العرب ومواقفهم المتراخية وكيف أمعنوا في خذلان فلسطين وبيعها برخص التراب.
لقد كان أبي متعاليًا بطريقته على ترّهات القرية، جعلته ثقافته واهتماماته المختلفة عن اهتمامات أقرانه من الشيّاب يعرف كيف يناور فكرة العنصرية القبلية ويهزأ منها بطريقته الخاصة، محافظًا على كبريائه وعزّة نفسه. أبي الذي عاصر الحربين العالميتين الأولى والثانية والذي لم يعرف القراءة والكتابة، كان حافظًا لبعض أمثال العرب وأحاجيهم وأشعار المجنون وامرئ القيس وعنترة وحتى بعض معاني المعلقات المعجمية، ومتابعًا دقيقًا لأخبار العالم السياسية محلّلا ومتفاعلا.. متعاطفًا تارةً وغاضبًا نزِقًا تارةً أخرى. أما “الجزيرة” فقد أتاحت له التنفيس عن غضبه أكثر، فلا يعود ذاك الصامت المتنسّك أمام محراب إذاعة لندن، يتحوّل أمامها كائنًا آخر، ربما لأنها كانت ماثلة أمامه صوتًا وصورة. كان حين يُغضبه خبر يذرع الدهريز الطويل بعصبية جيئة وذهابًا غير آبهٍ بتنبيهاتنا المتكررة بأن يرحم قلبه الضعيف. والجزيرة أمامه لا تنفكّ تشعل غضبه وتثير أعصابه بأخبار العرب البائسة وضعفهم أمام القوى العظمى.
أين أنت الآن يا أبي بعد كل هذا الزمان الذي مضى لترى ما نرى!.. لساءك حتمًا ما وصل إليه الحال، لكن رحمة الله بك أوسع.
في عام 1975 كان أبي عائدًا من تجارته في شرق أفريقيا ونزل بمصر. هناك قُيِّض له أن يشهد حدثًا تاريخيًّا لم تنقله له إذاعة لندن هذه المرة، بل رآه رأي العين. شهد أبي يومها جنازة من أكبر الجنازات في العالم، وأخبرنا بدهشة الرائي أنّ مصر خرجت عن بكرة أبيها لتشيّع جثمان فقيدتها العظيمة أم كلثوم في ذلك اليوم. أبي كان يقدّر أن يكون هناك فنّان مثل كوكب الشرق يستحقّ كل هذا الاحتفاء، هو الذي لم يعرف من الفن آنذاك أكثر من الأهازيج الشعبية.
مضت ثلاثة عشر عامًا ولم نعُد نسمع صوت هنا لندن يوقظنا في الأصباح الباكرة، لكن الراديو الذي كان يخرج منه الصوت ما زال باقيًا، شاهدًا على ذكريات لا تُنسى.
من فرط الحنين أكاد أجزم أنني لو أدرت أحد أزرار ذاك المذياع يومًا لجاءني الصوت صافيًا رخيمًا وعابقًا بنسائم الصباح البعيدة: هنا لندن.
سلامٌ عليك يا أبي وطيّب الله ثراك وأسكنك جنانه الفسيحة.

01 نوفمبر 2012

الطفولة القلقة والصِّبا المضطرب

يستنطق القاص والناقد العماني المسكوت عنه في واحدة من المجموعات القصصية العمانية الجديدة، بطريقة تعي أهمية القراءة التحليلية الكاشفة عن مستويات المعنى المختلفة والمتراكبة في النص وهي تدير حوارها مع الواقع. وتسبر أغوار القلق والخوف الثاويان فيه منذ أن زرعا مبكرا في مرحلة الطفولة. ...



الطفولة القلقة والصِّبا المضطرب
في مجموعة «الطيور الزجاجية» للقاص يحيى سلام المنذري
 
سالم آل تويّه
 
«ليس هناك من عمل للتحرر الفردي أروع من جلوسي وراء آلة كاتبة لابتداع العالم»
غابرييل غارسيا ماركيز
       
منذ أصدر القاص العُماني يحيى سلام المنذري مجموعته القصصية الأولى "نافذتان لذلك البحر" عام 1993 والطفولة والصبا هما محور أغلب قصصه. الطفولة والصبا هنا مرحلتان عمريتان أثيرتان تنالان نصيبًا أوفر من السرد، وتطرحان أسئلة شتى تتعدَّى الحكاية التي يوليها يحيى اهتمامًا يُميِّزه عن كتاب القصة الآخرين في عُمان لتبني عالمًا قوامه واقع الشخصيات وأحلامها وأفكارُها الكامنةُ في الأعماق، الأفكار الظاهرةُ أمام القارئ عبر سلوك تُبرزِه تجارب الفقد والحرمان النفسي والمادي حتى بالنسبة إلى الشخصيات الأكبر سنًّا في قصصه، الشخصيات التي بلغت مرحلة الشباب أو تجاوزتها، وهي شخصيات محبطة مكسورة نتيجة أوضاعها الحياتية والاقتصادية، من فرط حزنها تنفجر أحيانًا حزنًا أو فرحًا على نحو غريبٍ يبعثه استغراقها في الألم.
تقسيم المجموعة القصصية إلى أجزاء وعناوين تحوي عناوين أخرى طريقة درج عليها يحيى سلام المنذري في مجموعاته القصصية الأربع. لعل هذا التقسيم نابع من فكرة الزمن نفسها ومراحل حياة الإنسان الثلاث (تُقسَّم إلى خمس مراحل أيضًا) دون إخضاعها للترتيب والعدد الصارمين كما هما في الواقع، وكأن الزمن في هذه القصص ينتظم في السلك الغامض نفسه مستلهمًا خفاياه ذات العلاقة الأوثق بالوأد والانقطاع والألم والمصير اليائس أكثر من خضوعه للتراتبية المعهودة المتصاعدة من الميلاد حتى الموت. في "الطيور الزجاجية" يأتي التقسيم على النحو الآتي: الجزء الأول: خمس قصص عالمها الطفولة والصبا. الجزء الثاني والثالث: قصص عالمها الرجولة والشهوة والشباب، وتختلط المراحل العمرية في بعض قصص هذين الجزءين –وإن بقيت الشخصيات المحورية تنأى عن عالم الطفولة وتقترب منه- لتشترك معًا في أرق نفسي يصبح خصيصة تميز عوالم قصص يحيى سلام المنذري ومنطلَقًا ومنتهى.
طفولة خائفة في قصص «الطيور الزجاجية»، طفولة هلِعة، والخوف مقبل من عالم الكبار، من المدرسة والمعلم والمجتمع وأسباب الحياة وأقدارها المحزنة. يدوم الخوف بل إنه يتأبَّد، لأن القصة تنتهي هناك في تلك اللحظات المزمنة المجلودة بوعي المعلم وصراخه وحزامه، اللحظات التي –في أغلب الأحيان، برغم انتهائها- تبدو بلا نهاية، كما هو الحال في قصة "خوف العصافير الصغيرة". إن الراوي نفسه في هذه القصة متلبَّس بخوف التلاميذ الصغار، بأرواحهم المرعوبة؛ إنه –هو الآخر- طفل حتى في لغة سرده المتلعثمة أحيانًا بسبب غطرسة المعلم! العنوان "خوف العصافير الصغيرة" يتناص وعنوان المجموعة "الطيور الزجاجية"، لكننا هنا سنشير إلى التشبيه البليغ الذي يجعل الأطفال عصافير دون واسطة لغوية، فالعنوان يوحي بأن محور أحداث القصة هو (العصافير)، ولا يتبين أن المقصود هم الأطفال إلا بعد الشروع في قراءة المتن. المعلم كريه، مبغوض، لأنه مصدر الألم والرعب، وحتى بعد أن يغادر التلاميذ الصف الدراسي يستمر أثر أذى المعلم في نفوسهم: «تصبح أمنيتهم الوحيدة هي أن لا يأتي الغد. وبعدها تطير العصافير إلى أعشاشها منفطرة القلوب»(ص 33).
وجه الشبه البليغ بين الأطفال والعصافير واضح: البراءة، ويُوصله الراوي حدَّ التطابق بحذفه أداة التشبيه. العصافير تُذعَر وتُصادَر حُرِّيتها بحبسها داخل قفص، وجدران الفصل الدراسي تصير معادلًا موضوعيًّا للقفص. السكين مبعث خوف العصافير، وصراخ المعلم يصبح سكينًا أيضًا تذبح ضحك الأطفال وتقمع مرحهم. العصافير تمارس مرحها المعتاد بالطيران والزقزقة دون وعي أي عوامل تقتضي منها العكس، فهذه طبيعتها، وهذه لغتها أصلًا، لكن الحبس والسكين يمنعانها من عيش عالمها الحر، وطبيعة الأطفال شبيهة بطبيعة الطيور. هذا ما يبنيه سرد القصة ويُرسِّخه في وعي القارئ. المعلم يقوم بدور شرير عبر سلوك يهدم ويخرب ويرعب ويعمل ضد الطبيعة، وما دام الأطفال يشبهون الطيور في رقتهم وصخبهم وبراءتهم –حسبما يراهم السارد- فإن المعلم يشبه الأسد في شراسته وبعثه الرعب في القلوب. المعلم في هذه القصة عامل نفسي مستبد. وظيفة التعليم تخرج من إطارها المعتاد لتحتل وعي التلاميذ الأطفال بالعنف والتخويف ومقت الدراسة: «وبعد أن يعلن لهم بكل صراخه بأن الغد هو مخصص لتسميع جدول الضرب تصبح أمنيتهم الوحيدة هي أن لا يأتي الغد»(ص 33).
حسب السياق يتبين أن تشبيه السارد الأطفال بالطيور والمعلم بالأسد نابع من المعلم أساسًا الذي يفتك بطمأنينتهم صارخًا: «يا بهائم.. حفظتم جدول الضرب؟.. كما قلت.. الذي لم يحفظ سيأكله هذا الحزام»(ص 34). "بهائم" المنطوقة من قبل المعلم تجعل أفكار التلاميذ والسارد تتوارد باللغة نفسها، أي لتصفه بمرادِف لصيق بلغته أو شديد القرب منها. وإذا أمعنا في القراءة سنلاحظ تأثير لغة المعلم المستبدة العنيفة الشاتمة الشامتة في متن السرد بإخافته السارد وإرباك شخصيته. يمكن الإشارة هنا إلى مستويين: فني فاعل في إدارة السرد وبنائه، وآخر يوهن لغة السارد ويصيبها بالإعياء. إن محاولة كسر نمط الرعب والحيلولة دون امتداده لا يلبث أن يواجهها المعلم بتأكيد غطرسته. المحاولة تلقائية يقوم بها أحد الأطفال/ العصافير إثر تهديد المعلم الآنف ذكره، فكلهم يصمتون خائفين «عدا عصفور واحد كان يجلس في آخر الصف فاجأ الجميع بضحكة غريبة. اندهش لها الأسد وصوب له نظرات حادة كالسكين حتى قطعت ضحكته البريئة»(ص 34). لا يتوقف الأمر هنا. بل إن الضحكة المذبوحة بسكين نظرات المعلم تجعله يُغادِر إنسانيته في عيون الأطفال –وفي عيني السارد الطفل أيضًا- ويصير حيوانًا: «بدأت العصافير المرتعشة تتابع يدي الأسد ذواتي المخالب والعروق النافرة، يدان تتحركان وتمسكان المعدن الذهبي للحزام الأسود»(ص 34).
يشدد السارد على النتيجة النهائية وهي تنهب قلوب الأطفال: الخوف: «ازداد خوفهم مع كل دقيقة تزيد في أعمارهم»(ص 34). الخوف يقض مضجع العصافير، يفصلها عن واقعها ليصنع لها واقعًا آخر أثره بالغ وممتد سرعان ما يؤكده السارد «انتهت لعبة المرح وازداد خوفهم. ازداد وما زال يزداد حتى هذا اليوم»(ص 34)، أي أن الخوف لم ينته، رافق الأطفال حتى "اليوم". "اليوم" هنا زمن مستمر لصيق بكل أزمنة الأطفال اللاحقة حتى الممات. إن السارد لا يكتفي بذكر الخوف أو الإشارة إليه فقط، وإنما يؤكد أثره المهيمن والمتصاعد أيضًا: "ما زال يزداد". عندما يكبر الأطفال يكبرون خائفين. الطفولة مرحلة تنوء بأثقال ينوء بها كاهلها وكاهل العمر الآتي كله، فهي أثقال لا تتبدَّد، بل تتسم بالتمدد وثقل الوطأة.
سارد قصة "خوف العصافير الصغيرة" يسرد من زمن بعيد عن الطفولة، من المستقبل يعود، من الكبر إلى الطفولة متقهقرًا بروح يُلوِّعها استمرار الأثر. البراءة والمعرفة وجهان للحكاية نفسها، حكاية الماضي المستمر، الماضي الأبدي، حكاية المعلم المستبد والأطفال الذين كبروا لكنهم ما زالوا هناك لا يغادرون الزمن المر المحفور في الروح: «كانوا بحاجة إلى التنفس لكنهم لم يستطيعوا.. كانوا بحاجة إلى شيء لينسوا ولو للحظة هذا الخوف المنتشر هنا الذي لا يعرفون متى سيبتعد عنهم ويجعلهم يهنؤون براحة المعرفة»(ص 35). لا نعرف هوية السارد، لكننا نشعر بالقدر غير القليل من عدم الارتياح الذي يكنه للمعلم؛ «وكأن المعلم طلب منهم الاستعداد للحرب»(ص 33)؛ هكذا يبدأ السارد القصة. مبالغة السارد تُنير ظلمة المتن الحكائي وتجعله نتيجة منطقية لشخصية المعلم؛ كان الأطفال «بحاجة إلى التنفس لكنهم لم يستطيعوا»(ص 35)، فتهديد المعلم وشخصيته المرعبة يكتمان أنفاس طلبته، إنه، بمعنى آخر، نقيض الحياة، بل مُنتزِعُها، حابسُ الهواء، زارعُ الخوف في الأعماق الدفينة. كل هذا يخلق طفولة خائفة بدورها تؤسس شخصيات قلقة مريضة خائفة يستولي عليها التَّبلُّد، أحيانًا، والاضطراب، ويرافقها الترقب ونوبات الأرق والتفكير الممض على نحو متصاعد متواتر لا يستغرق الزمن الحاضر وحده فقط بل حتى الآتي.
قصة "طائرة تبدد لون السماء" شخصيتاها المحوريتان الولد حمود وأمه. أكثر من قصة في هذه القصة. يعنينا هنا الولد حمود والانتظار. الانتظار انتظاران، انتظار مؤقت وانتظار دائم. انتظار حقيقي وانتظار زائف. الانتظار المؤقت الحقيقي الذي يستغرق زمن القصة الفعلي هو انتظار "الموكب"، أما الانتظار الدائم الزائف فهو انتظار الأب المسافر إلى الهند. ولعل وصف انتظار الأب بـ"الدائم" و"الزائف" و"المتوهَّم" يستقر في وعي القارئ الذي يعلم –بواسطة السارد والأم- بما لا يعلمه الولد حمود، ويتعزَّز –الوصف- انطلاقًا من كون الاتصال بين الطرفين (الابن والأم من جهة والأب من جهة أخرى) مقطوعًا، فما سيحدث مرهون بالمستقبل الغامض، أي أن الأب قد يعود وقد لا يعود، لكنه في جميع الأحوال سيعود بالنسبة إلى الابن حمود، فالتخوف من عدم عودته يشغل الأم وحدها، «وقد أوهمت حمود بأن أباه سافر إلى الهند في رحلة عمل وسيعود، وحمود ما يزال ينتظر عودة أبيه من البلاد البعيدة التي لا يعرف عنها شيئًا سوى الحلويات ذات نكهة النارجيل التي تذوقها حينما رجع خاله راشد ذات يوم من الهند»(ص 10) مصدر اضطراب الطفولة هنا هو غياب الأب، لكن لنقف قليلًا عند عنوان القصة. لون السماء أزرق صافٍ تُبدِّده الطائرة؛ هذا ما يخبرنا به العنوان. إن اضطراب أعماق الشخصيات في قصص مجموعة "الطيور الزجاجية" ينشأ من عوامل مباشرة وأخرى غير مباشرة، وكل منها قد يؤدي إلى الأخرى. وكما هو واضح في عنوان هذه القصة "طائرة تبدد لون السماء" يحدث انزياحٌ من السبب المباشر إلى الصورة البليغة المُوجِزة. إن شخصية السارد حاضرة بقوة في جميع القصص، سارد يتوارى ويظهر بأسلوبه الخاص الذي يحاول استخلاص روح المضمون وبواعثه، أي الطفولة أو الصبا أو مسؤوليات الحياة المعقدة والاضطراب والقلق والترقب. من هنا فإن أغلب عناوين القصص – بما في ذلك عنوان المجموعة نفسه - يتسم بالقلق أيضًا ويحمل روح الطفولة، فـ"الطيور الزجاجية" عنوان يوحي أول ما يوحي بلعبة –مثلًا- كما قد يوحي بتعمد إقصاء البراءة ومحوها، وهو تأويل تتيحه مصائر شخصيات قصص المجموعة إذا ما نظرنا إلى مؤدَّى الأحوال ومراميها البعيدة. في الوقت نفسه فإن عنوانًا مثل "طائرة تُبدِّد لون السماء" يبدو للوهلة الأولى خارج السياق تمامًا في قصة تتعلق أحداثها بشخصيتيها المحوريتين: الطفل حمود وأمه، فالطائرة صورة عارضة لا يستغرق ظهورها وقتًا طويلًا. يحدث هذا في معمعة "الموكب" التي لم يفهم حمود شيئًا خلالها. "الموكب" أحد عوامل التعكير والتكدير والقلق المضاف إلى القلق الأصل –إن صح القول- الناشئ عن غياب الأب. الطائرة دخيلٌ غير محبوب بالنسبة إلى حمود. قلنا إن الأمر يستغرق وقتًا قصيرًا لكنه من وجهة نظر السارد أبعد غورًا من تلك اللحظات القليلة. الأمر الموصوف بالعارض والمصادفة يصير أساسًا. يبدو أن أثر ظهور الطائرة بالرغم من سرعته يبقى حبيس وعي الطفل حمود الباطن لينزع إلى سدِّ الأفق الأزرق الصافي ويستثير مكامن إحساسه بالغربة والقلق وفقدان الأب.
لنلق نظرة على ما حدث لـحمود: «حاول أن يقف ويمشي مرة أخرى باتجاه الشارع، لكنه تعثر بحجر وسقط، فشاهد السماء زرقاء صافية، وقبل أن يستمتع بالمشهد ظهرت طائرة مروحية اخترقت صفاءها، فتبدَّد لونها واستحال إلى رماد.»(ص 13). التعثر والسقوط يرفعان رأس حمود نحو السماء ليرى الطائرة. لحظات لا تنتهي بانتهاء حدوثها، ويمكننا القول إنها تُخلِّف أثرًا سيِّئًا في نفس حمود، ولهذا أصبحت عنوان القصة. على نحو من الأنحاء يدرك حمود القلق الذي تبعثه فيه رؤية الطائرة: «نهض حمود من سقطته ليسمع صوت أمه تنادي عليه، شاهدها واقفة بجانب الترمس وأدوات العصير، كانت مثل حمامة تدعوه لتحمله على جناحيها وتطير به إلى البيت.»(ص 13)؛ لنلاحظ المقابلة التلقائية اللاواعية التي يصنعها شعور الطفل ويصوغها الراوي: الطائرة والأم، الطائرة والحمامة، العام والخاص، الخارج والداخل، الرسمي والحميمي، البهرج والجوهري، الخوف والأمان. حمود طفل ليس كبقية الأطفال. طفل يميل إلى العزلة، الأم والبيت وانتظار الأب عوامل سعادته بينما الخارج والناس والطائرة التي بقَّعت زرقة السماء بلونها الرمادي عوامل قلقه. وهكذا لا نتفاجأ حين نستشعر ارتياحًا خفيًّا يكبر داخله حالما يشرع في الابتعاد عن الموكب: «لم يلتفت خلفه ليُشاهد ماذا سيحدث بعد مرور الموكب وما إذا كان الناس سيظلون هناك في انتظار شيء آخر أم سيعودون إلى بيوتهم سعداء، كل الذي يعرفه الآن بأنه موجود مع أمه بأمان»(ص 13).
إذا كانت العصافير رمزًا للأمان والبراءة في قصة "خوف العصافير الصغيرة" فإنها، في قصة "الطيور الزجاجية" –التي حملت المجموعة عنوانها- سبب للقلق والغضب والاستياء. مازن الصبي المراهق الآخذ في اكتشاف جسده وغرائب ما يقع له وحوله في المرحلة الوسيطة بين مفارقته الطفولة وولوجه مرحلة الصبا يُصاب بالضيق ويغرق في كابوس أسود. عبر ستة عناوين داخلية يسرد الراوي مفارقات عديدة يخوضها "مازن" توضح مظاهر الحياة الغريبة التي تُشارك في صنع شخصيته. وإن بدا أن هذه الشخصية تتسم بقدر من الحيلة والتماسك إلا أنها لا تنجو بصاحبها في نهاية المطاف من افتراس الأفكار وأسباب القلق باجتماعها عليه دفعة واحدة. مكمن قلق الشخصيات في مجموعة "الطيور الزجاجية" دائمًا نفسي يخضع لسلوك خارجي يزعزع الثقة ويحبط ويؤلب الأفكار والهواجس على التلاعب بالأعماق الهشة والنيل منها على نحو متصاعد يصير عاديًّا أحيانًا، بمعنى أن وتيرته معتادة بالنسبة إلى الشخصية على الرغم من كونها أذى نفسيًّا.
أحيانًا يكون حدث القصة غريبًا، كما في "الطيور الزجاجية"، وأحيانًا يكون بسيطًا، كما في قصة "إنقاذ"، حيث، أيضًا، يتداخل حدثٌ وحدثٌ يسبب أحدهما اختلال اتزان الشخصية ومحو فرحها في لحظة وكأنه لم يكن. الحدث هنا يكتفي بتقديم نفسه بتواضع دون اعتناء باللغة إلا بقدر ما تسرد وتقدم المعلومات، لغة بسيطة، قنوع إلى أبعد مدى، تفتقد ألق السارد المعتاد في قصص يحيى سلام المنذري. القلق النفسي، العامل المشترك في قصص المجموعة وأغلب قصص المنذري، يحتل مساحات زمنية طاغية مقارنة بأوقات سكينة الشخصيات وسلوكها المطمئن. لا يُقدِّم السارد أعمارًا محددة للشخصيات –كما أسلفنا- لكن الطفولة والصبا تكادان تمثلان ظاهرة في قصص يحيى سلام المنذري. وإذا أمعنا النظر فإن زمن السرد ومناخه يتقهقران نحو سنوات تكاد تندثر ويحل مكانها زمن ومناخ جديدان ينتصران لقيم أحدث تزيد وطأتها على الشخصيات وتفاقم قلقها.
غياب الآباء على ذلك النحو الحزين، ملابس الأم التقليدية، الحواري والدروب الترابية القديمة... كل هذا وإن بقي موجودًا إلا أن نظرة مدققة تثبت أنه يعود إلى سنوات خلت. ليس القصد هنا أن زمن القصة يؤثر سلبًا في وهجها أو قراءتها، إنما –ولا بد من الالتفات إلى هذا- يعني أن الكاتب نفسه يُفارق مرحلته العمرية الحالية آناء الكتابة ليعود إلى فترة طفولته هو وصباه هو على وجه التحديد!. ويجب الانتباه هنا ووعي أن الشخصيات ليست كاتبها على الإطلاق على الرغم من كل ما قد يُحمِّلها الكاتب إياه، واعيًا أو غير واعٍ، من شخصيته. ليس هذا انتقاصًا من قيمة قصص يحيى سلام المنذري –خصوصًا أن هذه الملاحظة تثير شجونًا نقدية وعاطفية في الآن نفسه- بل محاولة للاقتراب من أفضية هذه القصص. إن قراءة سِيَر كتَّاب العالم تثبت أن الأمر حتمي لا يدعو إلى الاستهجان أو الانتقاص.
لعل أحد التأويلات الممكنة هو التشبث بالحياة بمقاومة تقدم الزمن ورفض الانصياع له عبر الشغف بمراحل بعينها من مراحله مهما كان وقعها، فهي تمثل ألقًا خفيًّا يترسب في الأعماق ويزدهر بالتذكار، أو بالأحرى بالاستعادة التي تقوم بها الكتابة لتنتشلها من الأعماق السحيقة وتجعلها، بمعنًى من المعاني، واقعًا معاشًا في المتن السردي، ففي هذه الأثناء ينفصل الكاتب عن الحاضر القائم ويُحِلُّ مكانه الماضي، ليُلغي الحاضر ويُنشئ مكانه واقعًا ما عاد ماضيًا وإنما هو وحده المضارع المستمر، وهكذا فإن القارئ المتفاعل والنص بالضرورة يدخل زمن القصة، زمن الطفولة والصبا، ويعيشه الآن.
إن الإمكانية الأمهر في السرد هي قدرته على بناء عالم تتبدَّى فيه الحقائق والأوهام على نحو خالق مبدع يتطلَّب بشدة كاتبًا يسبر أعماق شخصياته بدراية تجعلها حقيقية فاعلة تخاطب حواسَّ القارئ بإلحاح محبوب وشادٍّ وضليع حدَّ انتفاء الفرق بين الواقع والخيال. السارد لا يتلبس أرواح شخصياته فحسب، بل يكونها كما هي، يكون هو الطفل والشاب والعجوز والنجار والبائع والحلاق والذكر والأنثى والبريء والمجرم... إلخ، لأن ذلك العالم لن يجدر باكتساب هذه الصفة إلا بمشقة يخبرها الكاتب المتوحد بعالمه ذاك. لذلك عندما نقول إن يحيى سلام المنذري الكاتب المبدع ينفصل عن زمنه الراهن ليعود سنوات إلى الوراء ويصير (وهذا فعل تحوُّل من حال إلى حال) هو نفسه ذاك الطفل أو الصبي فإن الأمر ينطوي على معنى أبعد غورًا من أي تأويل سطحي يتبادر إلى الذهن ولا يرى فيه إلا إلصاق يحيى بتلك الشخصية أو هذه ممن يعتورها الاضطراب النفسي ويرسم القلق والخوف ملامحها. إن هذا الأمر يحتاج إلى كتابة أبعد مدى من هذه العجالة.
قد تكون هذه مناسبة للتذكير بالكاتب البيروفي ماريو فارغاس يوسا الفائز بجائزة نوبل في الأدب عام 2010م، فقد عرف عنه ولعه بالكتابة عن فترة الصبا وأيام المدرسة. ويمكننا هنا ذكر اثنين من أعماله المهمة في هذا السياق هما مجموعته القصصية الوحيدة "الرؤساء" (1958) وروايته "الجراء" (1966)، وفيهما تحتشد شخصيات الصبيان وطلاب المدرسة بما يرافق هذه المرحلة من اكتشاف الذات نفسيًّا وجسديًّا وبداية سلوك المسالك التي تحدد المصائر لاحقًا. ولا شك أن أكثر من إشارة لأعمال يوسا، وكذلك بعض أحاديثه، يؤكدان نشوء كتابته من ذكرياته الشخصية وبعض القصص الحقيقية الواقعة في بلاده. هذا ما يقوم به أساتذة السرد الكبار، وبالتالي لن يكون الأمر استثناء بالنسبة لسائر الكتاب الآخرين.
كثيرًا ما يكون الآخر في قصص يحيى سلام المنذري مصدر قلق وخوف وعُقدة نفسيَّة. في قصة "ليلة الخنجر" يذهب الصبي ناصر وأمه لحضور عرس أحد أقاربهما. عندما تسأل الأم ابنها عن استعداده للذهاب يجيبها بسؤال: «نعم أمي .. أنا مستعد. لكن من الذي سيحضر هناك؟»(ص 29)؛ سؤال ينم عن قلق لا يزال متواريًا، أي أنه يبدو استفهاميًّا بحتًا أول وهلة، لكن، حين الاستمرار في قراءة القصة، يكشف وَهَنَ طمأنينة "ناصر" واستئناسه بالآخرين. إنه –مثل أغلب شخصيات يحيى سلام المنذري- متقوقع، مستوحد، يرى نفسه محميًّا داخل البيت، فاقدًا الراحة خارجه، برغم أن الأمر يرتبط بمناسبة اجتماعية تستغرق ساعات محدودة، لذلك بعدما تجيبه أمه بأن كثيرين سيحضرون أغلبهم من أقاربه «شعر ناصر بحزن يسري في قلبه ولا يعرف السبب» (ص 29). لماذا شعر ناصر بالحزن؟ وإن لم يعرف السبب إلا أنه، أكيد، سيكون خارج البيت، بعيدًا عن أمه، أي خارج نطاق الحماية المعهود، وسط آخرين لا تبعث رؤيتهم السعادة فيه، ليس بسببهم هم بالذات فكونهم "آخرين" سبب كاف جدًّا للشعور بالحزن. الحزن رفيق مزمن لأغلب شخصيات يحيى سلام المنذري، حتى الصغار لا يسلمون منه، كما نرى الآن بالنسبة إلى ناصر.
في قصة "طائرة تبدد لون السماء" يخبرنا الراوي بسبب غياب والد حمود، لكن في قصة "ليلة الخنجر" لا يُعلِّل الراوي غياب والد ناصر، إلا أن المعلومات الظاهرة والمنطوية في مسار السرد والأحداث تؤكد أن الوالد متوفى منذ أوانٍ بعيد، وبالأصح منذ فترة كافية لأن ينساه ناصر. لعل الدليل الدامغ على ترجيح صحة هذا التأويل هو ما يحدث لناصر حال وصوله ووالدته بيت العرس: «شاهد على أحد الجدران لوحة بها خنجر وأخرى بداخلها سيف فضي فشعر بخوف.»(ص 29). بالنسبة إلى طفل عُماني يمكن استساغة هذا الخوف، هنا، كون الولد ناصر يعيش وأمه فقط، فالأب غائب غيابًا تامًّا، حتى إن الراوي لا يأتي على ذكره أبدًا، فهو غير موجود أساسًا، ولأنه مات منذ سنوات طويلة (بالتأكيد سنوات تعادل سنوات عمرناصر غير المحددة في نص القصة) فلا شيء يستدعي تذكره. وبناءً على هذا الافتراض نستطيع فهم خوف ناصر من رؤية الخنجر والسيف.
وربما للسبب نفسه يصبح ناصر شخصية كثيرة الشرود والتوحد والهواجس الداخلية. كل شيء يبعث القلق فيه؛ إنه شخصية مشتتة منكفئة على نفسها تسهل دواعي اضطرابها وسيطرة الأفكار السالبة عليها، فهو وحيد أمه، عالمه الآمن الأم والبيت وعداهما يصير خطرًا محدقًا به. في العرس «التقى هناك ببعض أقربائه الذين كانوا من عمره، وتذكر بأن حاجزًا كبيرًا زرع بينهم رغم مشاركته اللعب والضحك والجري معهم(ص 29). هل هناك نوع من الفصام في شخصية ناصر؟. ماذا يعني السارد بـ«تذكر أن هناك حاجزًا كبيرًا زرع بينهم»؟. "تذكر" تعني استحضر ما كان موجودًا سابقًا فما الذي تذكره تحديدًا؟ متى انبنى هذا الحاجز بينه وبين الآخرين؟. يقدم النص ما يتجاوز جملته المباشرة ويعني أكثر وأبعد، ولذلك أشرنا قبل قليل إلى أن شخصية الصبي ناصر كثيرة الشرود، على الرغم من أن الراوي لم يخبرنا بذلك مباشرة. التأويل هنا ليس مقحمًا، فمهمتنا، كوننا قراء فاعلين، وعي ما تحت السطح وبين السطور، فكل كتابة إبداعية متميزة تتضمن قدرًا غير قليل من المحو، كل كتابة مبدعة تهزأ من القراءة الخاملة.
ما زلنا هناك، في قصة "ليلة الخنجر". أهي الخنجر سبب "تذكر" ناصر الحاجز الكبير بينه وبين الآخرين الحاضرين في العرس؟ يُوهِم الراوي قارئه بأن الفكرة المركزية في هذه القصة هي دشداشة ناصر القصيرة، ثم يبين السرد أن الصبي ينسى قلقه في البيت ليقوم على أنقاضه قلق آخر تسببه رؤية لوحة السيف والخنجر في واجهة بيت العرس، ثم البخور وخنجر العريس.
لا يُوضِّح الراوي سبب شعور ناصر بالغربة ("لماذا أنا غريب وسط أقربائي؟" ص 30)، لكن السياق يظهر استعداد الصبي التلقائي للتقوقع والانجرار خلف الأوهام والأخيلة، فما يراه في العرس (خنجر، دخان بخور، ازدحام..) يصبح روابط للتمادي في استدعاء صور مخيفة (تصاعد دخان البخور –مثلًا- يرسم صورة مارد).
أشرنا آنفًا إلى أن قلق ناصر من رؤية الآخرين قد يكون نابعًا من أنه يعيش مع أمه فقط، إذ لا وجود لأبيه في القصة. ما زلنا نرجح أن يكون أبوه متوفًى، ونضيف: إن استغرابه عند رؤية الخنجر والأسئلة التي عصفت به بشأنها تعود إلى السبب نفسه أيضًا. ومن هنا نستدل على عدم رؤية ناصر الخنجر سابقًا أو عدم اقترابه منها على النحو الذي حدث في بيت العرس. يحدث هذا على الرغم، أيضًا، من أن الصبي تذكر أنه التقى بـ"العريس" "في مجلس بيت جده"، الأمر الذي يجبرنا على التساؤل عن سر خوفه من الخنجر في بيئة تُعَدُّ فيها مظهرًا تقليديًّا معتادًا في مناسبات الرجال. أيعقل عدم معرفة ناصر الخنجر من قبل؟. لا يقدم الراوي أي معلومات استرجاعية، مثلًا، توضح ارتباط مشكلة ناصر بحادثة سابقة، وهذا أمر يجبرنا ثانية على الاعتقاد بأن المشكلة نشأت في العرس فقط. هل للأمر علاقة بالمدينة والغياب التام للأب؟ فما دمنا نقرأ ما بين السطور وما تلمح إليه الأحداث ويمكن فهمه عبر المناخ العام، على هذا الأساس يمكننا ربط سلوك شخصية ناصر بطبيعة الحياة في المدينة والعزلة التي تفرضها على من يعيشون فيها، إذ تكاد العلاقات الاجتماعية تكون معدومة إلا لمن يتعارفون من قبل. قد يكون هذا أحد أسباب استغراق ناصر في القلق والخوف والنفور المرضي من الآخرين وتصاعده حتى بلوغه انعدام تقدير الذات والشعور بالنبذ. يؤكد سلوكه أنه صبي منعزل لا يعرف أكثر من البيت والأم، وحين يفارقه الخوف من الخنجر ويستبد به الفضول يرتكب أفعالًا نزقة تُفاقِم اضطرابه وحزنه. إن فعله يتجاوز نزق الصبا المعتاد، فالصبية الآخرون لا تصدر منهم أفعال كأفعاله، ويندفع نتيجة عدم اعتياده الحياة الاجتماعية السوية إلى الطيش وإثارة حفيظة الآخرين بتهوره: «وشعر ناصرحينها برغبة في أن يعرف ماذا يوجد في ذلك الخنجر فقرر أن ينتهز الفرصة ويستله من مكانه، وفعلًا وبدون أن يعمل حسابًا لشيء وبنزق طفولي حاول أن يسحب رأس الخنجر لكنه وجد مقاومة من العريس إذ أمسك بيديه وعصرهما بقوة صارخًا في وجهه أن يتأدب ويبتعد عنه.»(ص 31). هذه خلاصة قلق ناصر طيلة حفلة العرس: محاولة للسيطرة على الخوف بجرأة الفضول يسكتها تأنيب "العريس"، ثم تأنيب آخر من امرأتين. القلق والاضطراب يكبران داخله، حتى إن مصادر خوفه تتراجع وتنسحق وتصير هي الأخرى مصادر للتأنيب والسخرية والحزن وزعزعة الثقة في النفس: «بينما شاهد المارد يخرج من الغرفة ضاحكًا ومكركرًا(ص 31). يحتشد الخارج للنيل منه. كل من حوله يصبح عامل تحطيم نفسي لأن سلوكه اللاواعي عرَّضه لسلسلة تأنيب وتهشيم وإحباط متتابعة أفقدته الاتزان والمقاومة وأخمدت جذوة الفرح التي لم يكد يقترب منها في ليلة العرس تلك حتى استحالت أشد ضراوة من قبل: «بينما إحدى المرأتين أمرت جميع الأولاد بالخروج ولكن قبل ذلك تناولت زجاجة عطر وأخذت ترش في ملابس الجميع ولكنها لم تقترب من ناصر ولم تعطره كالبقية، حينها شعر بأنه كائن منبوذ وأنه يكره الخناجر والسيوف، كما يكره الدخان الذي يتحول إلى مارد ضاحك وغريب الأطوار»(ص 31).
شخصيات يحيى سلام المنذري –حسبما رأينا بعضها- محبطة، مكسورة، هلِعة، حزينة، تعاني أوضاعًا مادية مزرية، يؤسس القلق والاضطراب طفولتها وصباها لينموا في دمها وتكبر بهما. بين تارة وأخرى، في قصص عديدة، تسلك الشخصيات مسالكها بناء على "شر البلية ما يضحك"، إذ يصيب سوء الحظ صاحبه بخفة –وربما استخفاف- تُعلي نبرة سخرية يضمرها السرد ولا يلبث أن يسم بها أغلب القصص، محوِّلًا إياها، أحيانًا، واقعًا معتادًا تجري الأحداث في إطاره.
الحزن ميزة أغلب الشخصيات إذن، ليس هذا فحسب، بل إنه يصبح ميزة الفضاء الذي يحتويها أيضًا. في قصة "البيوت الحزينة" نقرأ كابوسًا واقعيًّا ونراه رأي العين وهو يحصد الأرواح ويُفرِغ البيوت من ساكنيها. في هذه القصة يحضر الموت بصيغ عديدة يستدعيها السارد بحس المفارقة والتكرار العبثي الذي يسفر عن الموت في حوادث السيارات، موت يفضي إلى هزيمة كل الأسلحة ويوجج الغموض والارتباك والغضب ولا يصل سوى إلى نتيجة واحدة: الحزن والفجيعة العصيين على الفهم الواضح. البيوت تحزن على من غادرها ومات ولن يعود إلى أحضانها ثانية. ينبش الموت الذكريات البعيدة ليتذكرها من بقي على قيد الحياة، لكن، كأنما الأمر ينطوي على تحدٍّ لاإنسانيٍّ سافر، لا تكف حوادث السيارات عن حصد المزيد من الأرواح. هناك طفولة وصبا يمزقهما الحزن دون تفسير، وهنا من يشب عن الطوق ويصعد سلم العمر دون أن يتمكن من السيطرة على أي وعي أو فهم لدرجة السلم الأعلى المثلمة فجأة، أو يستطيع التشبث بطمأنينة أو راحة. الحياة كلها سلسلة مراحل يحقن الآخرون والأحداث أوردتها بمحلول الحزن والقلق والاضطراب والأرق.
الطفولة والصبا مرحلتان تتداخلان كثيرًا في مسار شخصيات قصص يحيى سلام المنذري. يروي الكبار القصة أحيانًا لكنهم لا يستطيعون الابتعاد كثيرًا عن إحدى المرحلتين، أو كلتيهما في أثناء تداخلهما وصعوبة فصل إحداهما عن الأخرى. لنتذكر قصتي "زكريا" و"حبات البرتقال المنتقاة بدقة" من أولى مجموعات المنذري "نافذتان لذلك البحر" –على سبيل المثال-، ففي الأولى حزن شفيف منقوع بالفقر وشر البلية المضحك، وفي الثانية أب وأطفال ينتظرونه ورصيف حارق ما زال يشعل القلق والهواجس حتى هذه اللحظة.
إلى أين ستذهب الشخصيات عن طفولتها وصباها؟
في قصة "يوم واحد يتلألأ في عينيّ" تسقط الشخصية المحورية في القصة سقطة مدوية على الأرض تكاد تكون سببًا لموتها. ولأنها سقطة ليست كغيرها وتصيب الرأس خصوصًا فإنها تعبر بالشخصية برزخًا بين الحياة والموت، وكأنها تتردَّد في ترجيح أحدهما والإفضاء إلى أمر حاسم في أي حال، منتصرة في نهاية أمرها المرعب الغامض إلى أحد السرين من جديد: الحياة!. لأن السقطة كانت على ذلك النحو المتماهي في الأسرار والأسئلة يعود الراوي (الكبير) إلى طفولته: «سألني ذات مرة أحدهم: "كيف كانت طفولتك؟" أجبته: "لم أكن طفلًا ذات يوم" فاعتبر إجابتي استفزازًا له وتحديًا.. تناول حجرًا وشجَّ رأسي به وهرب. لم أعبأ بالدم الذي تدفق بغزارة.. لأنه تدفق قبل ذلك مرتين في المكان نفسه.. هكذا على مدار العمر يتدفق كالنافورة ويبلل ملابسي بلزوجته الحارة. بعد أن هرب ذلك الشخص هربت أنا من دمي.. ولم يكن أول هروب.. ولا أريد أن أحصي أيام هروبي.. أسأل كيف وقعت في تلك الحفر النتنة؟»(ص 79، 80).

الطفولة والصبا باب الحياة المفضي إلى درب الحزن والقلق المزمن الذي مهما تعددت مَفارِقُه يتناسل من تلقاء نفسه ويسم الشخوص بسيمائه؛ هذا هو درب قصص يحيى سلام المنذري. حواجز لا تنفك تقف في وجوه الشخصيات، أطفالًا وصبية ويافعين وشبانًا وكبارًا في السن. يكفي هنا تذكر عناوين بعض القصص وربطها بتأويل معنى الزجاج والمرايا/ الألم/ الممنوع/ العقبة/ الانعكاس/ الجوهر/ الحقيقة/ الزيف/ الهشاشة: «من جدار أبيض إلى جدار أسود"، "جدران ومرايا"، "الطيور الزجاجية"، "الباب الزجاجي"، "القطط الزجاجية».  
في قصة "من جدار أبيض إلى جدار أسود" تنبني تقنية السرد على درجة حرارة السارد المريض، وبمهارة مُحْكَمَةٍ ينتقل السرد من الواقعي إلى الخيالي والعكس دون تكلف تبعًا لحمى المريض واستفحالها بسبب الانتظار الإجباري وتصاعد سخونتها حتى تسليمها إياه إلى الهذيان. في هذه القصة تُنار بعض عتمات القصص الأخرى. في هذه القصة قصص أخرى أيضًا وليس قصة السارد فقط، السارد المثقف الغضوب الثائر المضطهد الموظف العائد إلى مرحلة الطفولة أيضًا. روح مأساوية عبثية تنطلق من الواقع المنهِك لتنفصل عنه وتلجأ إلى الخيال صانعة واقعها الخاص متماهية فيه على نحو غير مقحم تختفي فيه الحدود ودون شعور يصبح القارئ بدوره في قلبه النابض بالغرابة واللامعقول (أيهما اللامعقول: الواقع أم الخيال؟).  ولنمعن النظر في ما يقوله السارد (الكبير) هنا ونتذكر الأطفال الآخرين في قصص المجموعة الأخرى. في قصة "ليلة الخنجر" –مثلًا- يسرد السارد ما يقع لـناصر وشعوره بالنبذ والحزن، أما في هذه القصة فالسارد (كبير السن) يسرد في "مشهد (5)" مشهدًا لطفل في ردهة انتظار بمستشفى. السارد منغمس في ملاحظة الآخرين ووصف أفعالهم ونقدها، وفي الوقت نفسه يسرد ما يتعلق به هو شخصيًّا كونه الشخصية المحورية في القصة، مراوحًا بالتتابع بين العام والخاص. يقول السارد: «الطفل القلق يخرج من جيب دشداشته الصغير منديلًا ورقيًّا مشرذمًا.. يأخذ منه قطعة صغيرة.. يدببها بعناية.. ثم يدخلها في أنفه وينظف.. وبعد أن ينتهي يرمي بها على الأرض.. ثم يقطع أخرى.. وهكذا. لا بد وأن أباه يفعل الشيء نفسه في البيت(ص 86، 87). تحت تأثير الحمى يسرد السارد مشهد الطفل وما يقوم به، مستنتجًا، وبانتقاد ضمني، أن الطفل يقلد والده، فهو يدين فعل الطفل ملقيًا التبعة على والده. بعد ذلك مباشرة يبدو أن حرارة حمى السارد ترتفع فينتقل مباشرة من الواقع الذي يشاهده أمامه إلى الخيال الذي تستحثه الحمى، دون شك، وتجعله واقعًا مرئيًّا في خضمِّها يستشعره القارئ، أيضًا، ويراه، ولا يبدي استغرابًا من سرعة الانتقال بين العالمين، لأن ما يحدث هو إحلال كلي تلقائي يخلقه الاستغراق خلقًا لا يصمد الشك أمامه ولا يُذكَر أساسًا، وكأن الأمر تتمة لما سبقه وليس استطرادًا وانتقالًا.
لنعد قراءة الجملة الأخيرة الآن ونكمل: «لا بد وأن أباه يفعل الشيء نفسه في البيت. تحرك الطفل وطار من النافذة ناحية غابة أشجار.. أخذ يقطف أوراقًا خضراء وينظف بها آذان الناس. أردت أن أناول الطفل منديلًا ورقيًّا نظيفًا وجديدًا( ص 87). هكذا نلاحظ عودة السارد ثانية إلى الواقع بالتلقائية نفسها دون أي فصل بين صورة الغابة والأشجار والأوراق التي يقطفها الطفل وينظف بها آذان الناس وصورة الطفل والمناديل الورقية في المستشفى. هذا فعل الحمى. إن الإبداع هنا هو جعل المشهدين مشهدًا واحدًا مستمرًّا. صحيح أن هناك استحالة من مشهد إلى آخر لكنها تحدث بسلاسة تمحو عنها صفة التحول وتكسبها صفة الوحدة والتتابع والتلقائية.
مرة أخرى، ولتبيان غرض اقتباسنا الأساس، لنعد لإكمال المشهد من حيث بترناه: «أردت أن أناول الطفل منديلًا ورقيًّا نظيفًا وجديدًا.. لكنني ضحكت لأنني حتمًا سوف أفتح للطفل جرحًا لن ينساه مدى حياته.. سوف يتذكر حينما يكبر أن شخصًا استهزأ بفعلة قام بها وهو طفل. لن أفعل ذلك.. دعه يفعل ما يحلو له. أسأل: لماذا عاد من الغابة؟»(ص 87).

14 أكتوبر 2012

الإمارات: برامج التجسس تترك أثرها في ضرب ناشط لوجود خلل في مايكروسوفت

الناشط الحقوقي الإماراتي أحمد منصور

فيرنون سيلفر، بلوبرغ
ترجمة: مرآة البحرين

يوم الإثنين من شهر تموز/ يوليو، جلس أحمد منصور في مكتبه في دبي وأخطأ في النقر على مرفق مايكروسوفت وورد الذي وصله في رسالة بريد إلكتروني، وكان تحت اسم "مهم جدا" باللغة العربية، من مرسل  اعتقد أنه يعرفه.

وبتلك الضغطة قام الناشط المؤيد للديمقراطية عن غير قصد بتحميل برنامج تجسس يسيطر على خلل موجود في برنامج  شركة مايكروسوفت ليستولي على جهاز الكمبيوتر الخاص به وتسجيل كل ضغطة زر. اخترق القراصنة حياته الرقمية بعمق حيث إنهم يتمكنون من الوصول إلى بريده الإلكتروني حتى وإن غيّر كلمة المرور الخاصة به.

ومنذ ذلك الحين، يقول منصور- 42 عاما- وهو مهندس كهربائي وأبُ لأربعة أطفال، أنه تعرض لعمليتي ضرب من قبل بلطجية في أيلول/سبتمبر بسبب حملته التي قام بها من أجل الحقوق المدنية للمواطنين في الخليج العربي لدولة الإمارات العربية المتحدة. وفي حين أن أولئك المهاجمين ما زالوا مجهولين، يقول الباحثون إنهم فهموا ما كان وراء هذا الهجوم العملي.

ويبدو أن برامج التجسس التي اخترقت كمبيوتره المحمول هي أداة مراقبة غربية الصنع تباع إلى وكالات الشرطة والاستخبارات وهي بالقوة التي تمكنها من تشغيل كاميرات الويب والميكروفونات والاستيلاء على الوثائق من الأقراص الصلبة، وفقا لنتائج دراسة نشرتها اليوم جامعة تورونتو منك من سيتيزن لاب للشؤون العالمية.

وتوضح ورطة منصور كيف أن الأمم قد انتقلت بسرعة من مراقبة الهاتف والبريد الإلكتروني إلى البندقية من خلال التفاصيل الأكثر حميمية المخزنة بأجهزة الكمبيوتر الشخصية والهواتف الذكية التي يحملها المواطنون أينما ذهبوا. البرامج، التي تتمكن من الولوج إلى غرف الناس ومسودات رسائل الحب، واستراتيجيات الأعمال أو خطط مظاهرات الشوارع، تضع أحدث بصمة تصعيد في سباق التسلح الرقمي بين الحكومات والشعوب التي تتم مراقبتها.

مكافحة التشفير

وكما أن الرصد التقليدي للاتصالات قد دفع المعارضين لتشفير رسائل البريد الإلكتروني وتجنب خطوط سكايب، فإن قصة منصور توضح كيف تتصدى الحكومات لبرامج التجسس التجاري الجاهزة الموجودة في الأيدي الخطأ والتي يمكن أن تنقلب على أناس يناضلون من أجل الديمقراطية، بدلا من الأهداف المعلنة لهذه المنتجات مثل المجرمين والإرهابيين.

ويقول مورغان ماركيز بوير-33 عاما-  "الناس بحاجة إلى فهم كيف تحدث هذه الأشياء وفي ظل أي ظروف، لأنه بدون الرقابة على هذه الأنظمة فإنها سوف تكون عرضة لسوء الاستعمال" ومورغان هو باحث في سان فرانسيسكو ويقود دراسة اليوم بشكل مستقل عن وظيفته كمهندس أمني في شركة غوغل.

نظام التحكم عن بعد، برنامج مكتوب بواسطة فريق القرصنة في ميلان، وهو المنتج الذي تشير النتائج بأنه قد أصاب جهاز الكمبيوتر الخاص بمنصور.

برامج التجسس وعوامل التمكين

تفاصيل كيف يستولي برنامج على كمبيوتر أو هاتف ذكي يكشف الدور الهام الذي يلعبه المشغلون لبرامج التجسس -  من صناع البرمجيات، والتي غالبا ما ترسل منتجات معيبة إلى السوق، وتترك أجهزة الكمبيوتر عرضة للهجوم، بالنسبة للشركات التي يديرها قراصنة تحولوا إلى مديرين تنفيذيين فإن الربح الناتج من أدوات الخلل، والبناء، والبيع تسمى نقاط استغلال تحول نقاط الضعف إلى أبواب مشرّعة أمام المتسللين.

منصور ليس الحالة الوحيدة ضحية برمجيات القرصنة الغربية الصنع التي تستهدف المعارضين السياسيين، والذين قاموا في العامين الماضيين بتبني سلطة الإنترنت والرسائل النصية في الهاتف الخلوي لتبادل المعلومات والتنظيم -  ليرووا الآن تلك التكنولوجيات تستخدم ضدهم.
وفي وقت سابق من هذا العام، تلقى النشطاء البحرينيون، بمن فيهم اثنان من الذين يعيشون الآن في الولايات المتحدة وبريطانيا بريدا إلكترونيا محملا ببرنامج التجسس فين فيشر لفريق غاما في المملكة المتحدة، مما يظهر قدرات بعيدة المدى لأدوات القرصنة. ماركيز بوير شارك أيضا في تحديد هوية فين فيشر في تموز/يوليو بعد أن زودته بلومبرغ الإخبارية برسائل البريد الإلكتروني كجزء من التحقيق في الانتهاكات الحاصلة في منتجات التسلل الإلكترونية والتكاليف وتهديدات التجسس الإنترنتي العالمية والعوامل المساعدة لها.

فقط الحكومات

يقول فريق القرصنة وغاما على موقعهما على شبكة الإنترنت بأنهما فقط يبيعان أنظمة المراقبة للحكومات.

العمل على فضح هذه البرامج يقوم بالفعل بحماية الشعوب منها. وقد قامت أكبر شركات أمن الكمبيوتر في العالم  مثل شركة مكافي، وشركة سيمانتيك، بعمل حماية ضد الفيروسات مستندة إلى عينات فين فيشر.

لم يستجب رئيس فريق القرصنة (هاكنيغ تيم) ديفيد فينسينزتي لطلبات البريد الإلكتروني للتعليق كما لم يرد على الرسائل التي وصلت مكتبه. فينسينزتي – 44 عاما- أكبر مساهم في الشركة، ومؤسس مشارك للشركة المؤلفة من 35 موظفًا والمملوكة للقطاع الخاص في عام 2003، وفقا لموقعها على شبكة الإنترنت. وهناك تتباهى في رسائل سوداء وحمراء جريئة  بقدرتها على منح الزبائن، "السيطرة الكاملة على أهدافكم. وتسجيل كل ما تحتاجونه. ودائما. وفي أي مكان كانوا".
متحدث باسم الحكومة الإماراتية لم يستجب لطلبات البريد الإلكتروني العديدة للحصول على تعليق.

مراقبة الانتهاكات

أكثر من عام على فضح انتفاضات الربيع العربي 2011  للمراقبة المسيئة التي تقوم بها الأنظمة القمعية للمكالمات الهاتفية والرسائل النصية ورسائل البريد الإلكتروني، وهي أمثلة رصد تسللي إضافية تطفو على السطح.

في تموز/يوليو، استهدفت برنامج يبدو أنه ايضا لفريق القرصنة (هاكينع تيم) مجموعة من الصحافيين المغاربة الذين يديرون موقعًا مؤيدًا للديمقراطية على شبكة الإنترنت، Mamfakinch.com، حسب ما أظهرت دراسة اليوم، مؤكدة النتائج  السابقة لباحثين آخرين. الموقع، الذي شكل في أعقاب احتجاجات الشوارع في عام 2011، قد فاز لتوه بجائزة حرية الإنترنت من ماونتن فيو في كاليفورنيا وغلوبل فويسز، جمعية على الإنترنت لتعزيز حرية التعبير.

"من السهل جدا الوقوع في هذه الفخاخ"، يقول منصور الذي يقول إنه حاصل على شهادة الماجستير في الاتصالات السلكية واللاسلكية. وقد قام بالاتصال بباحثي سيتيزن لاب بعد قراءة عملهم الذي قاموا به مع البحرين، المملكة الخليجية القريبة.

كشف هذه المعلومات يضغط على الحكومات الغربية لكبح جماح تجارة الرصد غير المنظمة إلى حد كبير. مبيعات الشركات الأوروبية والأمريكية لأنظمة التنصت الرقمي للحكومات في جميع أنحاء العالم قانونية، مع بعض الاستثناءات بالنسبة لبلدان مثل سوريا وإيران.

قيود التصدير

الحكومة البريطانية قامت بإعلام غاما في آب/أغسطس أنه يجب الحصول على تراخيص تصدير لبيع برنامجها فين سباي إلى خارج الاتحاد الأوروبي.

والمملكة المتحدة تضغط الآن على دول غربية أخرى لتعديل الاتفاقيات على صادرات الأسلحة ذات الصلة لتشمل بعض تكنولوجيا المراقبة، وفقا لوزارة العمل في المملكة المتحدة.

مارتن مونخ، العضو المنتدب لمونيتش غاما الألمانية، التي تطور خط إنتاج فين فيشر، بما في ذلك فين سباي، يقول إن شركته تتطابق مع قوانين التصدير الألمانية والبريطانية والأمريكية.وأن العينات التي وردت من سيتيزن لاب هي نسخ عرض (تستخدم للعرض على الزبائن) من فين سباي، وليست النسخ التشغيلية الكاملة التي تباع للعملاء، كما يقول. 

استهداف الخلل

التقنيات المباعة من قبل فريق القرصنة (هاكنيغ تيم) وغاما هي نوع من البرمجيات الضارة، والمعروفة باسم حصان طروادة، وقد سميت كذلك نسبة للحصان الخشبي الأسطوري الذي استخدمه المحاربون اليونانيون للتسلل إلى طروادة قبل نهب المدينة القديمة. هم رواية أبناء عمومة أسلحة الانترنت التي هي من صنع الدولة مثل دودة الكمبيوتر ستكسنت، التي ضررت أجهزة الطرد المركزي في مفاعل إيران النووي والتي تم تطويرها بشكل مشترك من قبل الولايات المتحدة وإسرائيل، وفقا لصحيفة نيويورك تايمز.

ولتمكين الاختراقات من العمل، غالبا ما تعتمد البرمجيات الضارة على وجود عيوب في بعض تطبيقات الحاسب الآلي الأكثر شيوعا.

في دبي، حصان طروادة تسلل إلى لابتوت منصور من خلال استخدام نقطة استغلال كانت تهدف استهداف خلل معين في برنامج مايكروسوفت أوفيس، كما وجد ماركيز بوير.

الخلل، المفهرس  CVE-2010-3333، كان القرصنة المفضلة في جميع أنحاء العالم، حتى بعد أن أصدرت شركة مايكروسوفت إصلاحًا في تشرين الثاني/نوفمبر 2010، وهو متاح على الإنترنت للتنزيل.

وكانت واحدة من حملات القرصنة في الصين والتي استهدفت نشطاء التبت والصناعات بما في ذلك الطاقة والبحوث العسكرية قد استخدمت هذا الضعف في معظم هجماتها الـ 90  منذ حزيران/يونيو 2011، وفقا لتقرير نشرته شركة تريند مايكرو في طوكيو في آذار/مارس.

السيطرة الكاملة

"المهاجمون الذين نجحوا في استغلال هذا الضعف يمكنهم أن يسيطروا السيطرة الكاملة على نظام مصاب"،  كما أكدت نشرة مايكروسوفت التي نبهت المستخدمين إلى التصحيح قبل عامين. "ومن ثم يمكن للمهاجم تثبيت البرامج؛ لعرض، أو تغيير، أو حذف البيانات، أو إنشاء حسابات مستخدمين جديدة بأكبر الصلاحيات".

"نحن مستمرون في تشجيع العملاء على تنفيد ما في النشرة لضمان حمايتهم"، قال ين سن وي، مدير مجموعة مايكروسوفت ترست وورثي، والتي تعالج قضايا الأمن والخصوصية للشركة، في بيان له في 4  تشرين الأول/أكتوبر.

ويقول منصور إنه اشترى اللابتوب هذا العام ولا يعرف ما إذا كان مايكروسوفت أوفيس قد تم تحديثه بالكامل.

وقد أدت البحوث بماركيز بوير أن يلتمس أصول البرنامج الذي استغل الخلل الموجود في مايكروسوفت في حالة  منصور، وهو صيد قاده للانعطاف إلى عينات أخرى من برامج ضارة مماثلة في قاعدة بيانات عامة.

الرابط المحتمل

نقطة الاستغلال الواردة في عينة زادت من إمكانية ان تكون نقطة ضعف مرتبطة بفوبن، وهي شركة أمن في فرنسا قد استخدمت للدخول إلى جهاز الكمبيوتر الخاص بمنصور من خلال نظام التحكم عن بعد الخاص بفريق القرصنة، كما يقول التقرير.

وقال الرئيس التنفيذي لفوبن شاوكي باكرلر في رسائل البريد الإلكتروني إن شركته ليس لديها أية علاقة مع فريق القرصنة (هاكنيغ تيم) وليس له أي علاقة مع أي نقطة استغلال موجودة في منتج هاكنيغ تيم.

ويستند منطق ماركيز بويرعلى اكتشاف نقطة استغلال كانت فوبن وعملاؤها على علم بهذا الموضوع، ووجد أن هناك أوجه تشابه مع نقطة الاستغلال التي استخدمت في حالة منصور.

في العينة الرئيسية التي وجدها ماركيز بوير، كانت نقطة الاستغلال المرفق  يستند إلى خلل في برنامج فلاش بلاير لتصميم الرسوم البيانية لشركة أدوبي سيستمز.

وقد اكتشفت فوبن ذلك الخلل في كانون الثاني/يناير وتقاسمته مع العملاء قبل الكشف عن ذلك علنا في آب/أغسطس، وفقا لإشعار على قائمة بريدية على الإنترنت والذي يبدو أن الفضل يعود إلى فوبن في العثور عليها. في سلسلة من رسائل البريد الإلكتروني تسأل عن الإشعار، لم يناقش باكرار أن الوثيقة تمثل بشكل صحيح اكتشاف الشركة للعيب، دون معالجة مباشرة للتساؤلات حول صحتها.

برامج مماثلة

بهذه التواريخ التي في المتناول،  بنى ماركيز بوير جدولًا زمنيًا يظهر، وفقا لمنشور فوبن، متى اكتشفت الشركة  الخلل ومتى تم الإعلان عنه. البرامج الضارة  التي تستغل خلل شركة أدوبي تحمل تاريخ  أيار/مايو، كما يقول التقرير، منتصف هذه التواريخ.

وهذا يعني أن فوبن عرفت الخلل عندما تم بناء البرمجيات الضارة.

بعدها قام ماركيز بوير بمقارنة عينة حصان طروادة التي استخدمت الخلل في أدوبي في البرنامج الضار الذي أصاب منصور. فوجد أن برنامج الكمبيوتر الذين كتب لنقل كل من نقطتي الاستغلال كانا متشابهين، كما يقول التقرير.

ولكن تقرير سيتيزن لاب يقول إنه بينما يرجع الفضل إلى فوبن في اكتشاف خلل أدوبي، فمن الممكن أن يكون الاستغلال قد صنع من قبل طرف آخر.

لا دليل

قال فوبن باكرر في رسالة بريد إلكتروني في 3 تشرين الأول/أكتوبر أن "ليس هناك أي دليل على أي ارتباط لنا بهذه العينات، وهذه  قضية ضعف تصادم عادي وكلاسيكي حيث إن باحثين آخرين لا علاقة لنا بهم ربما وجدوا  الضعف نفسه، واستأثروا به، ووفروا البرنامج لفريق القرصنة (هاكينغ تيم) أو عملائهم".

وكتب فوبن استغلالًا لكلا العيبين بعد أن أطلق صانعو البرمجيات تصحيحات للبرامج، قال باكرار في بريد إلكتروني منفصل. وأضاف إن فعل ذلك يسمح للعملاء ان يحموا أنفسهم من الهجوم.

وقد اعتذر عن الإدلاء بالمزيد من التفاصيل في 4 تشرين الاول/اكتوبر، قائلا: "بما أنه لا يوجد دليل أو إثبات أن البرنامج جاء من قبلنا، فنحن لن نعلق ولن نرد على أي سؤال آخر".

وقالت المتحدثة باسم أدوبي ويبك ليبس إن شركة سان خوسيه بولاية كاليفورنيا  نبهت العملاء عن الضعف الذي كان موجودا في نشرة أمن بتاريخ 21 آب/أغسطس وليس لديها أي تعليق على النتائج التي استفاد منها التجسس التجاري  من خلال الخلل.

كرة وايرتيبر

الحكومات التي تشتري هذه الأدوات – بما فيها الولايات المتحدة – وموردون مثل فوبن تقوم عمدا بجعل الإنترنت غير آمن، يقول كريستوفر سوغويان، فني أساسي في اتحاد الحريات المدنية الأميركية، للمشروع الخاص والتكنولوجي. السماح للسوق بالازدهار قد يأتي بنتائج عكسية إذا بدأت هذه الأدوات تستخدم ضدنا، كما يقول.

"من خلال تغذية وإضفاء الشرعية على هذه التجارة العالمية، نحن نفتح باب المشاكل"، يقول سوغويان.

التقاء القرصنة والمراقبة من المقرر أن تكون في 11 تشرين الأول/أكتوبر في واشنطن في معرض التجارة العالمية ISS – المعروفة باسم كرة وايرتيبر – حيث سيكون فوبن وفريق القرصنة وغاما هم المقدمين الوحيدين لبرنامج يسمى "رصد حركة المرور المشفرة و التدرب على منتج التسلل".

المؤتمر، الذي يروج واضعو نظم التنصت بضائعهم من خلاله، هو خارج تغطية وسائل الإعلام. وتقتصر الجلسة التدريبية التي تدوم طوال اليوم على الحضور من الشرطة والأمن العام أو الاستخبارات.

وصف ISS لحديث بكرار الذي دام لمدة ساعة يوفر أدلة على دور شركته في التجسس.

السوق المربحة

"هذه الجلسة تقدم وتثبت كيف أن استغلالات فوبن الحصرية والمتطورة تستغل نقاط ضعف الكمبيوتر والهواتف النقالة والتي يمكن أن تكون مفيدة عندما تقوم موجهات الهجوم باختراق أجهزة كمبيوتر وهواتف المجرمين عن بعد  (على سبيل المثال لتثبيت برامج التنصت) عن طريق ناقلات الهجوم المختلفة".

ويتعقب القراصنة  نقاط الضعف بنشاط، وشركات البرمجيات والهيئات الحكومية على حد سواء، و كل منها يعمل في أدوار مزدوجة – أحيانا لحماية الناس أو الشركات من العيوب، وأحيانا أخرى باستخدام الأدوات للقيام بهجمات.

وقد قامت نقاط الضعف والمآثر بوضع سوق مربحة لأن الشركات في السوق، مثل شركة نيتراغارد، ومقرها ماساتشوستس اكتون، تدفع قناصي الخلل للحصول على معلومات أكثر من صناع البرامج المعيبة أنفسهم.

ويقول الرئيس التنفيذي لشركة نتراغارد أدريل ديسوتل أنه في حين أن مصانع البرمجيات قد تدفع بضعة آلاف من الدولارات  لنقاط الضعف لأنظمة التصحيح وحماية أفضل للعملاء، فإن شركته في بعض الأحيان تدفع 100 ألف دولار أو أكثر لاستغلال خلل غير معروف.

المنتجات غير المطابقة للمواصفات هي المسؤولة عن نقاط الضعف، والناس لا تستفيد من العيوب البرمجية، يقول ديسوتل، الذي شعار شركته "نحن نحميك من أناس مثلنا".

ربط النقاط

"بائعو البرامج يجعلون الناس عرضة للخطر" يقول ديسوتل. ويضيف أن شركته تبيع نقاط الاستغلال فقط في الولايات المتحدة.

سيتيزن لاب ليست الأولى التي تحدد هوية حصان طروادة، فقد تم تحليلها من قبل العديد من شركات الأمن، كفريق القرصنة. وقال الدكتور ويب وهو رئيس شركة روسية لمكافحة الفيروسات  في تقرير له في 25  تموز/يوليو إن البرامج الضارة كانت لفريق القرصنة، دون أن يوضح كيف أجرت الاتصال. وفي اليوم التالي، قال بلفيو، رئيس شركة إنتيغو للأمن في واشنطن والتي كانت قد نشرت لأول مرة الفيروس تحت اسم أزمة/OSX، قال إن حصان طروادة قد تم استخدامه لاستهداف الصحفيين المغاربة، دون أن يربطها بفريق القرصنة (هاكينغ تيم).

وفي 20  آب/اغسطس، قامب لائحة مجلة ويب بوضع النقاط على الحروف، ونشر قصة عن الصحفيين المغاربة وتقول إن الأدلة تشير إلى أن برامج التجسس يبدو أنها لفريق القرصنة (هاكنيغ تيم). ولم يقم فريق القرصنة (هاكنيغ تيم) بالتعليق على هذه القصة.

ماركيز بوير يكتب في تقرير سيتيزن لاب أنه يمكنه أن ينسب البرمجيات الضارة إلى فريق القرصنة (هاكينغ تيم) لأن إحدى العينات التي وجدها – كانت نسخة إثبات واضحة وهي مماثلة للنموذج المغربي والنموذج  الذي أرسل إلى منصور – تنقل بياناتها الخاصة إلى موقع ويب rcs-demo.hackingteam.it

تجنب الاضطرابات 

منذ أن درست سيتيزن لاب لأول مرة في شهر تموز/يوليو فين فيشر غير المتنكرة، تتبع الباحثون منتج غاما لما لا يقل عن 15 بلدا، بما في ذلك دولة الإمارات العربية المتحدة. ومن غير الواضح ما إذا كانت الجهات الحكومية في تلك البلدان عملاء لغاما أو ما إذا كان المستخدمون يستقرون في أماكن أخرى.

دولة الإمارات العربية المتحدة الغنية بالنفط، ملاذ آمن لاستثمارات الأجانب والشركات المتعددة الجنسيات في مجالات التمويل، والطاقة، والتجارة، وبصرف النظر عن غيرها من دول الشرق الأوسط التي تعصف بها الاضطرابات منذ السنة والنصف الماضية. فقط تجنبت معظم احتجاجات الربيع العربي التي أطاحت بالطغاة في تونس وليبيا ومصر.

ومع ذلك، فإن افتقار البلاد للديمقراطية قد جعلت النشطاء مثل منصور يضغطون من أجل التغيير، وجذب التدقيق الرسمي، كما يقول. وقد سجن العام الماضي بعد توقيع عريضة تؤيد الانتخابات، وأصبح يعرف  كواحد من "دولة الإمارات العربية المتحدة الخمسة". وقد أطلق سراحه بعد تخفيف رئاسي لحكم من ثلاث سنوات لإهانة موظفي كبار الحكومة، كما يقول.

الجواسيس المريبون

بدأت محنة منصور الإنترنتية في 23  تموز/يوليو. كان يجلس في مكتبه في المنزل عندما تلقى البريد الإلكتروني المحمل بالبرمجيات الضارة من مرسل استخدم عنوانًا مألوفًا.

وبفتحه، الوثيقة حوت فقط بيانات مخلوطة، أعطت الإشارة الأولى أن هناك شيئًا ناقصًا. غير مرئي بالنسبة له، فقد قام المرفق بنقل المأثر أيضا.

العدوى اكتملت، فقد أقام حصان طروادة اتصال من لابتوب منصور لخادم القيادة والسيطرة، وهو جهاز كمبيوتر تقوم فيه برامج التجسس بإرسال بياناتها الخاصة المسروقة.

وفي حين أنه لا يمكن لمنصور معرفة البرنامج وتتبع تحركاته الفعلية – سرقة كلمة السر لبريده الإلكتروني، وربما أكثر --  فقد لاحظ ان جهاز الكمبيوتر الخاص به بدأ التشغيل ببطء.

بعد رؤية تغطية فين فيشر والبحرين، منصور علل أيضا، أنه قد يكون مستهدفًا من قبل هكذا برامج. فقام بإرسال البريد الإلكتروني المصاب إلى أحد الباحثين، بيل ماركزاك- 24 عاما-  مرشح الدكتوراه لعلوم الكمبيوتر في جامعة كاليفورنيا بيركلي وهو أيضا ناشط في رصد البحرين (بحرين ووتش) المؤيدة للديمقراطية.
تتبع القراصنة

على مدى اليومين التاليين، ساعد ماركزاك منصور لمعرفة الاختراق. باستخدام القوائم التي توفرها غوغل من خلالها  جي مايلز لمستخدميها لتتبع حساب نشاط منصور فوجد أن شخصا كان يدخل إلى حسابه. خاصية جي مايل أوضحت مكان تسجيل الدخول غير المصرح به إلى عنوان إنترنت في دولة الإمارات.

وبالعمل مع ماركيز بوير، وجدوا أيضا أن البرمجيات الضارة نفسها في بعض الأحيان تتواصل مع عنوان ويب في دولة الإمارات العربية المتحدة.

عمل ماركزاك خلال الأسبوع الأول من آب/أغسطس لتأمين الكمبيوتر الخاص بمنصور. وقال بأن دافعه كان الرغبة في كبح جماح سوء استخدام برامج التجسس والمساعدة على تعزيز الديمقراطية في منطقة الخليج. "وبما أنني لا يمكنني أن أشارك على الأرض، فإنه يمكنني المشاركة عبر الإنترنت،" يقول ماركزاك.

الاعتداء الأول

أصابوا عقبة غير متوقعة عندما غيروا ببساطة كلمة مرور البريد الإلكتروني الخاص بمنصور التي لم تحمِه من الدخلاء. أيا كان الشخص الذي اخترقه فقد قام بتثبيت ميزة تسمح له بالوصول إلى حساب منصور بغض النظر ما هي كلمة المرور التي وضعها.

وأخيرا قاموا بتعطيل البرنامج الضار في 7 آب/اغسطس وأنهى منصور تنظيف الكمبيوتر.

توقف الهجوم العملي، ولكن بعد شهر يقول منصور أنه تم الاعتداء عليه جسديا. قد لا يكون هناك ارتباط بين الاثنين، يقول منصور، رغم أنه يشتبه بأنها جزء من نمط تنصت أوسع نطاقا والتي تشمل هاتفه النقال.

وقد واصل نشاطه، لافتا الانتباه إلى الحالات التي شملت احتجاز رجال تربطهم علاقة  بمجموعة الدعوة من أجل التمسك أكثر بالمبادئ الإسلامية.

وقالت هيومن رايتس ووتش في 1 آب/أغسطس أنه تم اعتقال 50 معارضا، ومعظمهم خلال شهر تموز/يوليو. وقالت الحكومة بعد ذلك أن الأشخاص الذين تم القبض عليهم متورطون في مؤامرة لزعزعة استقرار البلاد.

منصور يقول إن الهجوم جاء أولا في 11 أيلول/سبتمبر، عندما اقترب منه رجل وهو يمشي إلى سيارته في حرم جامعة عجمان للعلوم والتكنولوجيا، حيث يدرس القانون.
الحشر في الزاوية من جديد

"وعندما وصل إلي سألني هل أنت أحمد منصور؟  مددت يدي لأصافحه  فبصق بوجهي ودفعني إلى الوراء"، قال منصور ذلك، وأظهر سجلات المستشفى تبين علاج إصابة في الكوع.

في هذه الحالة يشتبه منصور بأنه يجري تعقب مكان وجوده من خلال هاتفه النقال لأنه لا ينبغي لأحد أن يكون على علم أنه كان قادما من الحرم الجامعي، كما يقول.

بعد ستة أيام، مهاجم آخر حاصر منصور في الحرم الجامعي، ودون أن يقول أية كلمة جره على الأرض ولكمه في رأسه حتى تجمع حشد من الناس، كما يقول. وقد قام الأطباء بإجراء الأشعة السينية لجمجمته، وعلاج جروحه وإعطائه حقنة التيتانوس، وفقا لسجلات المستشفى التي تصفه بأنه ضحية لهجوم.

وفي حين أنه يدرك المخاطر الجسدية التي تواجهه عندما يغامر بالخروج، فإن أثر الهجوم الرقمي ضمن حدود بيته يبقى لغزا بالنسبة لمنصور.

إخافة النشطاء

ويقول "لقد قاموا بتحميل رسائل البريد الإلكتروني الخاصة بي، ومن يعرف ما الذي فعلوه أيضا؟" ويضيف. "قلقي الأكبر هو أن ينتهكوا خصوصيتي".

في الدار البيضاء، الناشط المغربي هشام المراعة، وهو طبيب تدرب في فرنسا، يقول إن مساعدة من مؤسسة فرونتيرالإلكترونية في سان فرانسيسكو أكدت الهجوم الذي تعرض له الصحفيون من قبل البرمجيات الضارة .

"بعد حدوث الثورات العربية، تلك الحكومات قد أدركت بأن عليها الاستفادة من سلطة الإنترنت لاستخدام هذه الأدوات في تخويف النشطاء، أو التجسس عليهم وتتبع خطواتهم"، يقول المراعة – 35 عاما- وهو مؤسس موقع Mamfakinch.com.

خطوته القادمة، ومع ذلك، قد تكون من خلال المحاكم الأوروبية.

" آمل أن لا يتغير إيماننا كناشطين على الإنترنت،" يقول المراعة عن هجمات البرمجيات الضارة.

10 تشرين الأول/أكتوبر 2012