‏إظهار الرسائل ذات التسميات ثقافة، أدب، فن. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات ثقافة، أدب، فن. إظهار كافة الرسائل

23 سبتمبر 2020

أحمد منصور الشَّاعر والناشط الحقوقي الإماراتي المعتقل: بلدان الخليج قَبَلِيَّةٌ بامتياز وأنظمتها غير منتخبة والخلاص في الديمقراطية والأجيال القادمة ستحمل بذرة الحرية

أحمد منصور: "سأصنع لكم شمسًا بيديّ/وأعلقها على شرفة قلبي"
  أستفيد من جوهر القِصَّة في الشعر والعكسُ صحيح
ترشَّحتُ لانتخابات المجلس الوطنيِّ وطالبتُ بالانتقال من "الاتِّحاد" إلى "الوحدة"!

حاوره في دبي: سالم آل تويّه
2006م
   
        أحمد منصور ناشط حقوقي وكاتبٌ وشاعرٌ من شعراء قصيدة النَّثر في الإمارات، ورغم أنَّه عضوٌ رئيسٌ في مجلة "رؤى" الأدبيَّة (1989-1991م)، وأحدُ مؤسِّسي جماعة "الشَّحَّاتين" الأدبيَّة في الإمارات (1989م)، أي رغم علاقته المبكِّرة بالكتابة، إلا أنَّه لم يصدر كتابًا- كباقي أقرانه الشُّعراء والقاصِّين الإماراتيِّين، فمجموعته الشعرية الأولى "أبعد من عدم" ستصدر في الأيام القليلة المقبلة.
    أكمل أحمد دراستَه الثَّانويَّة في رأس الخيمة، ودرس الهندسة الكهربائية في جامعة كولورادو بالولايات المتحدة الأميركية، وفيها نال شهادة البكالوريوس، ثم، وفي الجامعة نفسها، أنهى الماجستير متخصِّصًا في هندسة الاتصالات.
    نشر في أغلب الصُّحف المحليَّة في الإمارات، وفي بعض الصُّحف العربيَّة ومواقع الإنترنت.  وفي قصائده يشترك السَّرد واللُّغة في بناء الجملة الشعرية من خلال صورٍ تتقطَّع كمشاهد مركَّزة تتَّسع لتبني مشهدًا بانوراميًّا يُجذِّر الفكرةَ ويمنحها الحيويَّة، أو من خلال مقاطع يتنامى أثرُها باشتغالها على ما يُولِّده البسيط والعابر من حالاتٍ شعريَّة.

* بدأت تكتب قصصًا وأشعارًا منذ أواخر الثَّمانينيَّات عبر جماعة "الشَّحَّاتين" في إذاعة رأس الخيمة، ونشرة "رؤى".  هل لك أن تحدثنا عن أثر "الشَّحَّاتين" و"رؤى" في تأسيسك ككاتب؟، وتأثيرهما على مجايليك؟.
 
** تجربتنا الكتابية في أواخر الثَّمانينيَّات كانت تجربة مؤسِّسةً ومفعمة بالصَّدق والتَّحدِّي.  علاوة على ذلك كانت تمنحنا الحب اللازم للحياة.  لا أدَّعي الأن أنَّ ما كنتُ أكتبه أنذاك كان شعرًا خالصًا أو قِصَّةً خالصةً، لكنَّني أشعرُ الآن، وبعد مرور أكثر من عشرين سنةً، أن تلك الجذوة لم تَخْبُ بعد، وأن ما أكتبه اليوم من نصوص ما هو إلا نتاج تلك الرِّعشة الأولى، وذلك الدَّم الأول.  وإذا كان من أثر لتك الفترة خارج نطاق الإبداع الشَّخصي فإنه بلا شك في حالة التَّواصل الحميم والجميل الذي استمرَّ بيننا كأصدقاء منذ تلك الفترة؛ صحيح أن الحياة أخذت كلاً على حدة في مجاهلها وأدغالها، لكنَّنا أبقينا على علامة نتجمَّع حولها، تلك العلامة هي نارُ الشِّعر.
       في تلك الفترة كنَّا نكتب، ومن ثم نحتفي مع الأصدقاء بعد نشر المواد أو إذاعتها.  كانت المجموعة كبيرةً، أذكر على سبيل المثال الشَّاعرين أحمد العَسَم وعبدالله السَّبَب من جانب "الشَّحَّاتين"، ومن جانب "رؤى" الشَّاعر والسِّينمائيَّ إبراهيم الملا، والسِّينمائيّ مسعود أمر الله (الذي هجر الشعر كتابةً، لكنَّه ذهب الى عمقه في السِّينما)، والشعراء عبدالله عبدالوهاب، والشَّاعرة الهنوف محمد، وانضمَّ الى مجموعة الشعر هاشم المعلم، وآخرون اختفوا من المشهد الثَّقافيِّ لأسباب تبدو مبهمة.
       لقد كانت تلك التجارب، التي تحلو لبعضهم تسميتُها بالمجموعات الأدبية، مُحفِّزةً على الكثير من الرُّدود والكتابات من قبل أشخاصٍ كانوا يحترقون وحدهم في الظِّلِّ، ولم يجدوا من يُسندون إليه أرواحَهم الضَّاجَّة، إلا أنَّ هؤلاء ليسوا وحدهم مَنْ تحلَّقوا حول نار الشِّعر التي أخذت تتَّسع، ولكنَّ آخرين من الذين أشعلوا أصابعهم بالنَّار، كـ قاسم حداد، وأحمد راشد ثاني، وعادل خزام، وإبراهيم الحسين من السعودية، وغيرهم، أرادوا أن يُخبرونا بأنَّ طريق الجنَّة يبدأ من هنا؛ ومن هذه النَّار تحديدًا، وعلى إثر ذلك كتبوا معنا في "رؤى".

* ماذا عن مجموعتك الشِّعريَّة الأولى ("أبعد من عدم")؟، وهل ترى أنَّك تأخَّرت في النَّشر؟ وماذا تُمثِّل لك كتابةُ الشِّعر إلى جوار كتابة القصة؟. 
 
** مجموعتي الشِّعريَّة الأولى الآن في المراحل الأخيرة من عملية الإخراج، وربَّما تصدر قبل نشر هذا الحوار.  لن أتحدَّث عن المجموعة كثيرًا، لكنَّني سأكتفي بالقول إنني قمت بتجميع بعض النصوص التي كتبتها على فترات زمنية متقطِّعة ومختلفة؛ أقدمها يعود نشره إلى عام سبعة وتسعين من القرن الماضي (وربما قبل ذلك كتابة)، وآخرها في العام الفائت (2006م). 
      أمَّا عن تأخُّري في النَّشر فذلك حقيقة، لكنَّني لا أشعر باستياء تامٍّ من تلك المسألة؛ ففي االنِّهاية هذه الكلمات التي كتبتُها على ضوء شرارات تلك السِّنين ستئن تحت تروس آلة الطِّباعة،  وذلك لا يخلو بالضَّرورة من ألم، لكنَّ السَّبب الحقيقيَّ في تأخُّري هو كسلي الشَّخصيُّ وقلَّة كتابتي.
مع د. ماجدة عدلي مديرة مركز النديم لتأهيل ضحايا العنف بالقاهرة
 
      أمَّا بخصوص كتابة الشِّعر الى جانب القِصَّةِ فأعتقدُ أنَّني أستفيدُ من جوهر أحدهما في الآخر؛ فالخطُّ الدّراميُّ مثلاً ثيمةٌ رئيسةٌ في القِصَّة، لكنَّني أوظِّفه بشكل كبير في نصوصي الشِّعريَّة، كما أستفيد من اللَّمحة الشِّعريَّة في تفتيت الحدث الدّراميِّ في القِصَّة، لذلك فإنَّ مَنْ سيقرأُ قصائد المجموعة سيجد بروز الحالة الدّراميَّة في العديد من النُّصوص.  مؤخَّرًا بدأت في كتابة نصوص سردية حكائية شعرية، وربَّما أعمل لاحقًا على إصدارها في كتاب يحمل ذلك الطَّابع.  هذه الكتابةُ بالتَّأكيد هي استفادة من الشِّعر والقِصَّة معًا.

شاعرٌ يترشح للانتخابات!

* رشَّحت نفسك لانتخابات المجلس الوطنيِّ في الإمارات.  ما الذي دعاك إلى ذلك؟.
 
مع جمال عيد مدير الشبكة العربية لمعلومات حقوق الإنسان
** هذا سؤال مهم؛ لقد قمت بذلك فعلاً، مع يقني التَّامِّ من عدم الفوز.  وعلى سبيل الدُّعابةِ قلتُ في أحدِ اللِّقاءات التِّلفزيونيَّة، التي لم تُذعْ بالتَّأكيد (وأقول بالتَّأكيد لأنَّ اللِّقاء كان مع تلفزيون أبوظبي، وهو تلفزيونٌ رسميٌّ لا يمكنه أنْ يحتمَّل سقف الحُرِّيَّة الذي كنتُ أتحدث من خلاله)، عندما سألني المذيع عن أوَّل موضوع سأطرحه في أروقة المجلس الوطنيِّ حالَ فوزي في الانتخابات، فقلت:  سأطعن بنتيجة الانتخابات، لأنَّني متأكِّدٌ من عدم الفوز.  كان ذلك لغرض الدُّعابة، ولكنَّها دعابةٌ لا تخلو من يقين، فلماذا قمت بترشيح نفسي إذن؟!.

"الإنسان أولاً" والدُّستور المنتهك

        لقد فعلت ذلك لأنَّني كنت أيضًا على يقين أن هناك أمورا عدة لن يتمَّ التَّطرُّق إليها في أيِّ برنامج انتخابيٍّ لأسبابٍ عدَّة؛ فقد كان بعضُها يقع في دائرة المحظور أو المسكوت عنه، فقمت بترشيح نفسي لطرح وإثارة تلك الأمور من ناحيةٍ، ولتوعية من أستطيع الوصول إليه بهذه الأمور ليتمَّ تبنِّيها ومناقشتها في المجلس الوطنيِّ لما لها من حساسية كبرى من وجهة نظري.  بعض هذه الأمور التي تطرَّقت إليها في برنامجي الانتخابيِّ الذي كان شعاره "الإنسان أولاً" هو المطالبة بإزالة مصانع الإسمنت من محيط القرى السَّكنيَّة في رأس الخيمة، التي تسبَّبتْ ومازالت تتسبَّب في زيادة مطَّردة، وبشكل مخيف، في حالات الرَّبو المزمنة في تلك المناطق، وحالات السَّرطان التي أخذت تتزايد لتشكِّل هي الأخرى ظاهرةً، لكنَّني لا أستطيع أن أجزم بعلاقتها بوجود مصانع الإسمنت لعدم تواجد أيِّ دراسة علمية لديَّ تثبت ذلك، وذلك بالطَّبع لسبب بسيط، وهو عدم قيام المستشفيات أو الأطباء بإجراء دراسات في هذا الجانب حتَّى لا تدخل في جدل أو خلاف مع الحكومة من ناحيةٍ، ومن ناحيةٍ أخرى لعدم توافر الحُرِّيَّة الكافية للبحث وجمع المعلومات.  قضيَّة أخرى أثرتُها في برنامجي الانتخابي هي قضيَّة ضرورة احترام الدُّستور الذي يكتشف القارئ له العديد من الانتهاكات الصَّارخة التي ترتكبُها شخصيَّاتٌ من أعلى المستويات؛ خاصة من الوزراء، وبالذَّات المادة 62 التي تتحدَّث عن "عدم جواز الجمع بين أيِّ منصب وزاريٍّ وأيِّ عمل مهنيٍّ أو تجاريٍّ أو ماليٍّ، أو أن يجمع بين منصبه والعضويَّة في مجلس إدارة شركة تجاريَّة أو ماليَّة"، وهذا ما هو غير متحقِّق على أرض الواقع بشكل واضح وجليّ.

من "الاتحاد" إلى "الوحدة"
      كما طالبتُ أيضًا، في برنامجي الانتخابيِّ، بالتَّحوُّل من مرحلة الاتحاد من عمر الدَّولة إلى مرحلة الوحدة، وهذه مسألة حسَّاسة.  وشكَّك برنامجي الانتخابيِّ في جِدِّيَّة الحكومة في التَّعامل مع ملف الخلل في التَّركيبةِ السُّكانيَّة، في الوقت الذي تقوم فيه- الحكومة- ببناء كمٍّ هائلٍ من المدن السَّكنيَّة والتِّجاريَّة أكبر بكثير من عدد سكَّان الدَّولة من أبناء الإمارات ربَّما للعشر سنوات القادمة على أقلِّ تقدير.  زِدْ على ذلك مبدأ التَّملُّك الحُرِّ الذي يسمح للأجانب بتملُّك العقار بشكل كامل، ومن دون مدَّةٍ زمنيَّة محدَّدة!، فكيف نقول- من ناحيةٍ- إنَّ الخلل في التَّركيبة السُّكَّانيَّة خطرٌ يُهدِّد أمن المجتمع من ويرقى لأن يكون خطرًا يُهدِّد أمن الدَّولة، ثم- من ناحيةٍ أخرى- نقوم بعد ذلك بكلِّ تلك الأمور!.  هذا ما يُدهشني في المسألة، وأعتقدُ أنَّ المسألةَ لا تتعدَّى منطق المصالح قصيرةِ النَّظر.

* هل هناك جدوى من الفوز؟.
 
من اليسار لليمين: أحمد منصور، محمود عبد الفتاح، سالم آل تويّه
** إذا بقي الوضع الرَّاهن على ما هو عليه ولم تتغيَّر الأمور بشكل حقيقيٍّ وجذري، فإن الإجابة وبشكل بسيط هي لا؛ لا توجد جدوى من الفوز سوى الحصول على راتبٍ جيِّدٍ ومضمون مدى الحياة، فتشريعات المجلس الوطنيِّ الحاليِّ استشاريةٌ غير ملزِمة ومفرَّغةٌ من روح العمل النِّيابيِّ والدِّيموقراطيِّ الحقيقيِّ، وآمل أن يقوم الأخوة المنتخبون بتغيير ذلك الواقع، لكنَّني أرى أن المسألة صعبةٌ للغاية، إن لم تكن مستحيلةً في ظلِّ المعطيات الرَّاهنة.

الأسماء المستعارة والملاحقة والهاكرز!

* الملاحظ في الخليج عمومًا، وفي السَّنوات الخمس الماضية على وجه الخصوص، انخراط عدد من الكُتَّاب في الكتابة حول موضوعات حقوق الإنسان، سواءٌ أبأسمائهم الحقيقية أم بأسماء مستعارة، وذلك على مواقع الإنترنت.   وتوجد لديكم تجربةٌ إماراتيَّةٌ تتمثَّل في موقع "مجان" الذي اشتهر بتوجُّهه النَّاقد لبعض الأوضاع الاجتماعية والاقتصاديَّة والسِّياسيَّة في الإمارات عمومًا، وفي رأس الخيمة خصوصًا.  في رأيك هل تُمثِّل هذه المواقع ظاهرةً صِحِّيَّةً؟، وما الذي يدعو كُتَّابًا كثيرين الى الكتابة بأسماء مستعارة؟.
 
** هذا صحيح؛ لقد ازداد الوعي بمسألة حقوق الإنسان بشكل عامٍّ، وأصبح ذلك هاجسًا لدى فئة كبيرة من المثقَّفين والكُتَّاب.  بنظري:  إن هناك أسبابًا عديدة أدَّت الى هذه الفورة إن شئت؛ فقد اضمحلَّت الحدود بمعناها التَّقليديِّ، وأصبح الوصولُ إلى مراكز المعلومات أكثرَ سهولةً عبر شبكة معقَّدة من الأسلاك والحواسيب.  تلك المعلومات المتدفِّقة بشكل هائل كانت بالضَّرورةِ مقنَّنةً في السَّابق عن طريق الرَّقيب.  كلُّ ذلك ساعد في الوصول الى المعلومة من ناحيةٍ، وفي التَّواصل مع الهيئات الحقوقيَّة والمنظَّمات الدَّوليَّة من ناحيةٍ أخرى، كما أن هذه الشَّبكة العنكبوتيَّة الضَّخمة تُتيح للبؤساء مساحةً للصُّراخ فيجدون من يتضامن معهم من خارج الحدود.  وذلك حدث أكثرَ من مرَّة، ويبدو لي أن ما حدث للشَّاعر عبدالله الرِّيامي كان دليلاً على نفاذيَّة هذه الشَّبكةِ عبر الحدود.
        هذا بالتَّأكيد جانبٌ، لكنَّه ليس الجانبَ الوحيدَ أو الأوحدَ في المسألة، فهناك مسألةٌ أخرى شديدة الحساسيَّة من وجهة نظري، وتتمثَّل في استفحال الظَّاهرة الرَّأسماليَّة الفجَّة في مجتمعاتٍ أخذتْ معها الطَّبقةُ المتوسِّطةُ تنزلق ناحيةَ الفقر، وهو ما أدى إلى تفاقم الفساد والبطالة، وأحيانًا العَوَز؛ هذا طبعًا يحدث في الوقت الذي تستقطب فيه هذه الدُّول الخليجيَّة استثماراتٍ بالمليارات، وتتباهى أمام العالم بالوضع الاجتماعيِّ والاستقرار السِّياسيِّ لأبنائها، وتقوم بتقديم هبات سخيَّة في الكوارث حتَّى لأكبر اقتصادٍ عالميٍّ!، إلى ما هنالك من أمور يعرفها الجميع.
       على إثر كلِّ ذلك أخذ الإنسان يتساءل عن فحوى العدالة الاجتماعيَّة وتوزيع الثَّروات، في دولٍ (تعتدُّ) أمام العالم بأكمله بوضعها الاقتصاديِّ، ثمَّ كيف يمكن لشيءٍ كهذا أنْ يتواجد في ظلِّ حكوماتٍ لا ديموقراطيَّةٍ في الأساسِ، ولا تستمدُّ شرعيَّتها من الدَّاخل، وهي غيرُ مساءلةٍ في أيِّ شأنٍ من شؤون إدارة الدَّولة؟!.
      لقد رمت هذه الأسئلة الكرةَ مجدَّدًا في ملعب الدِّيموقراطيَّة (وهو مطلبٌ رئيسٌ وعريقٌ لكلِّ الشُّعوب، وليس لنا أن نقرنه بأيِّ حال من الأحوال بالخارج كمتطلَّب)، وبما إنَّ الدِّيموقراطيَّة كمفهوم (وليس بالضَّرورة كممارسة!) تحمل في داخلها متطلَّبات حقوق الإنسان الرَّئيسة، فقد عمل العديد من الكُتَّاب والمثقَّفين على إثارة هذه الأمور ضمن إطارِ هدفٍ أوسعَ وهو الدِّيموقراطيَّة.
       أمَّا عن ظاهرة الكتابة بأسماء مستعارةٍ فذلك لأنَّ الكتابة بالاسم الصَّريح في بعض الدُّول العربيَّة، ومنها الخليجيَّة، تُعَدُّ من أسهل الوصفات للاعتقال والمساءلة، وربَّما للهروب من ذلك، ولكسب المزيد من الوقت لطرح هذه الأمور، وإيصالها إلى أكبر شريحة ممكنة، يلجأ الكثير منهم الى الكتابة بأسماء مستعارة.
       تجربة منتدى "مجان" في رأس الخيمة تجربةٌ جديرةٌ بالاهتمام، فقد استطاع هذا المنتدى بالذَّات الوصول إلى شريحة كبيرة من المجتمع في رأس الخيمة على وجه الخصوص، والإمارات وخارجها بشكل عامّ.  وقد تم إقفال المنتدى أكثرَ من مرَّة من قبل الحكومة المحلِّيَّة، وتمَّت ملاحقة صاحبه قضائيًّا عدَّة مرَّاتٍ، وهاجمه الهاكرز أكثر من مرَّة بإيعازٍ من قبل أشخاصٍ معيَّنين.  كلُّ ذلك بسبب الطَّرح الجريء الذي تبنَّاه المنتدى في طرح قضايا الإمارةِ (رأس الخيمة) المختلفةِ بشكلٍ شفَّاف وصريحٍ، (على الرَّغم من أنَّ بعضَهم استغلَّه لتصفياتِ حساباتٍ وأغراضٍ غيرِ مهنيَّة، لكنَّ ذلك لم يُشكِّلِ الظَّاهرة الأبرزَ للمنتدى).  أغلب كُتَّاب المنتدى يكتبون بأسماء مستعارة للأسباب التي تحدَّثنا عنها، ولم تقمِ الحكومة المحلِّيَّة بإزالة الحظر عن المنتدى إلا بعد أن تمَّ الاتِّفاقُ على تزويدهم (أي الحكومةِ) بأرقامِ الـ IPs (أي أرقام برتوكول الإنترنت) حتَّى يمكن تعقُّب "المسيئين" عند الطَّلب.  وما حدث هنا له موازٍ لما يحدث في عُمان من محاكمةٍ لفريقِ "السَّبلة العمانيَّة".
      إذًا ظاهرة الأسماء المستعارة بحدِّ ذاتها ليست ظاهرةً صِحِّيَّةً في الأساس، لكنَّها إفرازٌ منطقيٌّ وطبيعيٌّ لوجود حكوماتٍ تعسُّفيِّةٍ لا تُؤمن بحُرِّيَّةِ الرَّأي والكلمةِ وكشف المستور.  هي، إذًا، من وجهة نظري طريقةٌ للالتفاف قد تؤدِّي الغرضَ المطلوب منها مرحليًّا، ولكنَّها يجب ألا تبقى كذلك لزمنٍ طويل.

خليجٌ قَبَلِيٌّ وأنظمةٌ غير منتخَبة

* هل تعاني بلدان الخليج من انتهاك حقوق الإنسان؟، وهل هي بلدانٌ مدنيَّةٌ، كما تزعم دائما، أم بلدانٌ قَبَليَّة؟، وما الحلول للخروج من هذه المآزق، أم أنَّها أنفاقٌ مظلمةٌ بلا نهاياتٍ ولا بصيصِ أمل؟.
 
أحمد منصور: هل توجد حرية تعبير وحقوق إنسان في دول الخليج؟!
** ربَّما تستوجبُ الإجابةُ عن هذا السؤال تحديدًا ذكرَ بعض مفردات حقوق الإنسان كما جاءت في المواثيق الدَّوليَّة، ومن ثم قياسها بالممارسات الفعليَّة لبلدان الخليج، فالعيشُ بكرامةٍ، وحُرِّيَّةُ الرَّأي والتَّعبير، والأمانُ الشَّخصيُّ، والحمايةُ من التَّمييز وعدم المساواة، وتداولُ المعلومات، والمحاكمةُ العادلة، والحمايةُ من التَّعذيب، والحقُّ في التَّجمُّع السِّلميِّ، وغيرها من الحقوق التي تكمل بعضَها بعضًا وتضمن الكرامة الإنسانيَّة، كلُّ تلك المفاهيم تنضوي تحت مفهوم حقوق الإنسان، فهل ما تمَّ سردُه هنا من أمثلة متواجدٌ في دول الخليج؟!.  في نظري إنَّ سبب كلِّ ذلك يرجع إلى عدم وجودِ أنظمةٍ ديموقراطيَّةٍ منتخبةٍ في الأساسِ، ولو أنَّ الانتخابات الدِّيموقراطيَّة وحدها لا تمنح صكًّا مجَّانيًّا لضمان كافَّةِ حقوق الإنسان، إلا أنَّها الأقربُ إلى تحقيقها وتجسيدها على أرض الواقع.
      أمَّا بخصوص ما إذا كانت دول الخليج بلدانًا مدنيَّةً أم بلدانًا قَبَليَّةً، فالمنهج العلميُّ في التَّقصِّي يفرض علينا القول إنَّها بلدانٌ قَبَليَّةٌ بامتياز، وإنْ وُجِدَ بها بعضُ المؤسَّسات المدنيَّة فإنَّها إمَّا غيرُ مُفعَّلةٍ وإمَّا غيرُ مستقلَّة، وبهذا تفقد جدوى وجودها في الأساس. أمَّا أين يكمن الخلاص فبنظري يكمن بتواجد ديموقراطيَّاتٍ منتخبةٍ في هذه البلدان، دون الدُّخول في لعبة الخصوصيَّات؛ حيث يبدو ذلك الطَّرحُ طريقةً لتملُّص الأنظمةِ العربيَّةِ من طرحٍ جادٍّ وحقيقيٍّ للدِّيموقراطيَّة، ولكنْ ما إمكانية حدوث هذا التَّحوُّل في ظلِّ الأوضاعِ الرَّاهنة؟.  هذا سؤالٌ صعبٌ ومتشعِّبٌ، ولكنَّني أُؤمن بأنَّ هناك أجيالاً قادمةً ستحمل بذرةَ الحُرِّيَّة في داخلها، وهي التي ستحمل التَّغيير، أمَّا جيلُنا هذا فلن يرى ذلك النُّور على الأرجح.
 
أجريتُ هذا الحوار عام 2006 في دبي، أما الصور فقد التقطت إحداها في القاهرة والبقية في الفيّوم (2007) في أثناء دورة "خدمة قضايا حقوق الإنسان عبر الإنترنت" التي أقامتها الشبكة العربية لمعلومات حقوق الإنسان. نُشر الحوار في منتدى "فرق" قبل سنوات ثم هنا في "مراحين" في أبريل ٢٠١١، وأعيد نشره الآن تضامنًا مع صديقي العزيز الناشط الحقوقي والشاعر أحمد منصور المعتقل الآن في زنزانة انفرادية في سجن الصدر في بلاده الإمارات. آخر الأخبار المنشورة عبر منظمات حقوق الإنسان تؤكد تدهور صحة أحمد. اللعنة على الأوغاد السفلة الذين تعنتروا عليك يا أحمد وهم صغار ناقصون دكتاتوريون دائمًا وأبدًا وأنت تلقنهم أعظم الدروس، أنت أقوى منهم وإلا لما سجنوك ظلمًا وزجوا بك في زنزانة انفرادية. في انتظارك يا أحمد، ليَغِبْ غيابُك وتدن طرقتك من باب بيتك وزوجتك وأبنائك. إليك هناك في المعتقل أمل كبير تحمله رسالة لا يراها حراس الضغينة ومربو البطش، وأنت وحدك فقط تخبئها في قلبك وتتأهَّب للعودة القريبة إلى أحبابك. 

01 نوفمبر 2012

الطفولة القلقة والصِّبا المضطرب

يستنطق القاص والناقد العماني المسكوت عنه في واحدة من المجموعات القصصية العمانية الجديدة، بطريقة تعي أهمية القراءة التحليلية الكاشفة عن مستويات المعنى المختلفة والمتراكبة في النص وهي تدير حوارها مع الواقع. وتسبر أغوار القلق والخوف الثاويان فيه منذ أن زرعا مبكرا في مرحلة الطفولة. ...



الطفولة القلقة والصِّبا المضطرب
في مجموعة «الطيور الزجاجية» للقاص يحيى سلام المنذري
 
سالم آل تويّه
 
«ليس هناك من عمل للتحرر الفردي أروع من جلوسي وراء آلة كاتبة لابتداع العالم»
غابرييل غارسيا ماركيز
       
منذ أصدر القاص العُماني يحيى سلام المنذري مجموعته القصصية الأولى "نافذتان لذلك البحر" عام 1993 والطفولة والصبا هما محور أغلب قصصه. الطفولة والصبا هنا مرحلتان عمريتان أثيرتان تنالان نصيبًا أوفر من السرد، وتطرحان أسئلة شتى تتعدَّى الحكاية التي يوليها يحيى اهتمامًا يُميِّزه عن كتاب القصة الآخرين في عُمان لتبني عالمًا قوامه واقع الشخصيات وأحلامها وأفكارُها الكامنةُ في الأعماق، الأفكار الظاهرةُ أمام القارئ عبر سلوك تُبرزِه تجارب الفقد والحرمان النفسي والمادي حتى بالنسبة إلى الشخصيات الأكبر سنًّا في قصصه، الشخصيات التي بلغت مرحلة الشباب أو تجاوزتها، وهي شخصيات محبطة مكسورة نتيجة أوضاعها الحياتية والاقتصادية، من فرط حزنها تنفجر أحيانًا حزنًا أو فرحًا على نحو غريبٍ يبعثه استغراقها في الألم.
تقسيم المجموعة القصصية إلى أجزاء وعناوين تحوي عناوين أخرى طريقة درج عليها يحيى سلام المنذري في مجموعاته القصصية الأربع. لعل هذا التقسيم نابع من فكرة الزمن نفسها ومراحل حياة الإنسان الثلاث (تُقسَّم إلى خمس مراحل أيضًا) دون إخضاعها للترتيب والعدد الصارمين كما هما في الواقع، وكأن الزمن في هذه القصص ينتظم في السلك الغامض نفسه مستلهمًا خفاياه ذات العلاقة الأوثق بالوأد والانقطاع والألم والمصير اليائس أكثر من خضوعه للتراتبية المعهودة المتصاعدة من الميلاد حتى الموت. في "الطيور الزجاجية" يأتي التقسيم على النحو الآتي: الجزء الأول: خمس قصص عالمها الطفولة والصبا. الجزء الثاني والثالث: قصص عالمها الرجولة والشهوة والشباب، وتختلط المراحل العمرية في بعض قصص هذين الجزءين –وإن بقيت الشخصيات المحورية تنأى عن عالم الطفولة وتقترب منه- لتشترك معًا في أرق نفسي يصبح خصيصة تميز عوالم قصص يحيى سلام المنذري ومنطلَقًا ومنتهى.
طفولة خائفة في قصص «الطيور الزجاجية»، طفولة هلِعة، والخوف مقبل من عالم الكبار، من المدرسة والمعلم والمجتمع وأسباب الحياة وأقدارها المحزنة. يدوم الخوف بل إنه يتأبَّد، لأن القصة تنتهي هناك في تلك اللحظات المزمنة المجلودة بوعي المعلم وصراخه وحزامه، اللحظات التي –في أغلب الأحيان، برغم انتهائها- تبدو بلا نهاية، كما هو الحال في قصة "خوف العصافير الصغيرة". إن الراوي نفسه في هذه القصة متلبَّس بخوف التلاميذ الصغار، بأرواحهم المرعوبة؛ إنه –هو الآخر- طفل حتى في لغة سرده المتلعثمة أحيانًا بسبب غطرسة المعلم! العنوان "خوف العصافير الصغيرة" يتناص وعنوان المجموعة "الطيور الزجاجية"، لكننا هنا سنشير إلى التشبيه البليغ الذي يجعل الأطفال عصافير دون واسطة لغوية، فالعنوان يوحي بأن محور أحداث القصة هو (العصافير)، ولا يتبين أن المقصود هم الأطفال إلا بعد الشروع في قراءة المتن. المعلم كريه، مبغوض، لأنه مصدر الألم والرعب، وحتى بعد أن يغادر التلاميذ الصف الدراسي يستمر أثر أذى المعلم في نفوسهم: «تصبح أمنيتهم الوحيدة هي أن لا يأتي الغد. وبعدها تطير العصافير إلى أعشاشها منفطرة القلوب»(ص 33).
وجه الشبه البليغ بين الأطفال والعصافير واضح: البراءة، ويُوصله الراوي حدَّ التطابق بحذفه أداة التشبيه. العصافير تُذعَر وتُصادَر حُرِّيتها بحبسها داخل قفص، وجدران الفصل الدراسي تصير معادلًا موضوعيًّا للقفص. السكين مبعث خوف العصافير، وصراخ المعلم يصبح سكينًا أيضًا تذبح ضحك الأطفال وتقمع مرحهم. العصافير تمارس مرحها المعتاد بالطيران والزقزقة دون وعي أي عوامل تقتضي منها العكس، فهذه طبيعتها، وهذه لغتها أصلًا، لكن الحبس والسكين يمنعانها من عيش عالمها الحر، وطبيعة الأطفال شبيهة بطبيعة الطيور. هذا ما يبنيه سرد القصة ويُرسِّخه في وعي القارئ. المعلم يقوم بدور شرير عبر سلوك يهدم ويخرب ويرعب ويعمل ضد الطبيعة، وما دام الأطفال يشبهون الطيور في رقتهم وصخبهم وبراءتهم –حسبما يراهم السارد- فإن المعلم يشبه الأسد في شراسته وبعثه الرعب في القلوب. المعلم في هذه القصة عامل نفسي مستبد. وظيفة التعليم تخرج من إطارها المعتاد لتحتل وعي التلاميذ الأطفال بالعنف والتخويف ومقت الدراسة: «وبعد أن يعلن لهم بكل صراخه بأن الغد هو مخصص لتسميع جدول الضرب تصبح أمنيتهم الوحيدة هي أن لا يأتي الغد»(ص 33).
حسب السياق يتبين أن تشبيه السارد الأطفال بالطيور والمعلم بالأسد نابع من المعلم أساسًا الذي يفتك بطمأنينتهم صارخًا: «يا بهائم.. حفظتم جدول الضرب؟.. كما قلت.. الذي لم يحفظ سيأكله هذا الحزام»(ص 34). "بهائم" المنطوقة من قبل المعلم تجعل أفكار التلاميذ والسارد تتوارد باللغة نفسها، أي لتصفه بمرادِف لصيق بلغته أو شديد القرب منها. وإذا أمعنا في القراءة سنلاحظ تأثير لغة المعلم المستبدة العنيفة الشاتمة الشامتة في متن السرد بإخافته السارد وإرباك شخصيته. يمكن الإشارة هنا إلى مستويين: فني فاعل في إدارة السرد وبنائه، وآخر يوهن لغة السارد ويصيبها بالإعياء. إن محاولة كسر نمط الرعب والحيلولة دون امتداده لا يلبث أن يواجهها المعلم بتأكيد غطرسته. المحاولة تلقائية يقوم بها أحد الأطفال/ العصافير إثر تهديد المعلم الآنف ذكره، فكلهم يصمتون خائفين «عدا عصفور واحد كان يجلس في آخر الصف فاجأ الجميع بضحكة غريبة. اندهش لها الأسد وصوب له نظرات حادة كالسكين حتى قطعت ضحكته البريئة»(ص 34). لا يتوقف الأمر هنا. بل إن الضحكة المذبوحة بسكين نظرات المعلم تجعله يُغادِر إنسانيته في عيون الأطفال –وفي عيني السارد الطفل أيضًا- ويصير حيوانًا: «بدأت العصافير المرتعشة تتابع يدي الأسد ذواتي المخالب والعروق النافرة، يدان تتحركان وتمسكان المعدن الذهبي للحزام الأسود»(ص 34).
يشدد السارد على النتيجة النهائية وهي تنهب قلوب الأطفال: الخوف: «ازداد خوفهم مع كل دقيقة تزيد في أعمارهم»(ص 34). الخوف يقض مضجع العصافير، يفصلها عن واقعها ليصنع لها واقعًا آخر أثره بالغ وممتد سرعان ما يؤكده السارد «انتهت لعبة المرح وازداد خوفهم. ازداد وما زال يزداد حتى هذا اليوم»(ص 34)، أي أن الخوف لم ينته، رافق الأطفال حتى "اليوم". "اليوم" هنا زمن مستمر لصيق بكل أزمنة الأطفال اللاحقة حتى الممات. إن السارد لا يكتفي بذكر الخوف أو الإشارة إليه فقط، وإنما يؤكد أثره المهيمن والمتصاعد أيضًا: "ما زال يزداد". عندما يكبر الأطفال يكبرون خائفين. الطفولة مرحلة تنوء بأثقال ينوء بها كاهلها وكاهل العمر الآتي كله، فهي أثقال لا تتبدَّد، بل تتسم بالتمدد وثقل الوطأة.
سارد قصة "خوف العصافير الصغيرة" يسرد من زمن بعيد عن الطفولة، من المستقبل يعود، من الكبر إلى الطفولة متقهقرًا بروح يُلوِّعها استمرار الأثر. البراءة والمعرفة وجهان للحكاية نفسها، حكاية الماضي المستمر، الماضي الأبدي، حكاية المعلم المستبد والأطفال الذين كبروا لكنهم ما زالوا هناك لا يغادرون الزمن المر المحفور في الروح: «كانوا بحاجة إلى التنفس لكنهم لم يستطيعوا.. كانوا بحاجة إلى شيء لينسوا ولو للحظة هذا الخوف المنتشر هنا الذي لا يعرفون متى سيبتعد عنهم ويجعلهم يهنؤون براحة المعرفة»(ص 35). لا نعرف هوية السارد، لكننا نشعر بالقدر غير القليل من عدم الارتياح الذي يكنه للمعلم؛ «وكأن المعلم طلب منهم الاستعداد للحرب»(ص 33)؛ هكذا يبدأ السارد القصة. مبالغة السارد تُنير ظلمة المتن الحكائي وتجعله نتيجة منطقية لشخصية المعلم؛ كان الأطفال «بحاجة إلى التنفس لكنهم لم يستطيعوا»(ص 35)، فتهديد المعلم وشخصيته المرعبة يكتمان أنفاس طلبته، إنه، بمعنى آخر، نقيض الحياة، بل مُنتزِعُها، حابسُ الهواء، زارعُ الخوف في الأعماق الدفينة. كل هذا يخلق طفولة خائفة بدورها تؤسس شخصيات قلقة مريضة خائفة يستولي عليها التَّبلُّد، أحيانًا، والاضطراب، ويرافقها الترقب ونوبات الأرق والتفكير الممض على نحو متصاعد متواتر لا يستغرق الزمن الحاضر وحده فقط بل حتى الآتي.
قصة "طائرة تبدد لون السماء" شخصيتاها المحوريتان الولد حمود وأمه. أكثر من قصة في هذه القصة. يعنينا هنا الولد حمود والانتظار. الانتظار انتظاران، انتظار مؤقت وانتظار دائم. انتظار حقيقي وانتظار زائف. الانتظار المؤقت الحقيقي الذي يستغرق زمن القصة الفعلي هو انتظار "الموكب"، أما الانتظار الدائم الزائف فهو انتظار الأب المسافر إلى الهند. ولعل وصف انتظار الأب بـ"الدائم" و"الزائف" و"المتوهَّم" يستقر في وعي القارئ الذي يعلم –بواسطة السارد والأم- بما لا يعلمه الولد حمود، ويتعزَّز –الوصف- انطلاقًا من كون الاتصال بين الطرفين (الابن والأم من جهة والأب من جهة أخرى) مقطوعًا، فما سيحدث مرهون بالمستقبل الغامض، أي أن الأب قد يعود وقد لا يعود، لكنه في جميع الأحوال سيعود بالنسبة إلى الابن حمود، فالتخوف من عدم عودته يشغل الأم وحدها، «وقد أوهمت حمود بأن أباه سافر إلى الهند في رحلة عمل وسيعود، وحمود ما يزال ينتظر عودة أبيه من البلاد البعيدة التي لا يعرف عنها شيئًا سوى الحلويات ذات نكهة النارجيل التي تذوقها حينما رجع خاله راشد ذات يوم من الهند»(ص 10) مصدر اضطراب الطفولة هنا هو غياب الأب، لكن لنقف قليلًا عند عنوان القصة. لون السماء أزرق صافٍ تُبدِّده الطائرة؛ هذا ما يخبرنا به العنوان. إن اضطراب أعماق الشخصيات في قصص مجموعة "الطيور الزجاجية" ينشأ من عوامل مباشرة وأخرى غير مباشرة، وكل منها قد يؤدي إلى الأخرى. وكما هو واضح في عنوان هذه القصة "طائرة تبدد لون السماء" يحدث انزياحٌ من السبب المباشر إلى الصورة البليغة المُوجِزة. إن شخصية السارد حاضرة بقوة في جميع القصص، سارد يتوارى ويظهر بأسلوبه الخاص الذي يحاول استخلاص روح المضمون وبواعثه، أي الطفولة أو الصبا أو مسؤوليات الحياة المعقدة والاضطراب والقلق والترقب. من هنا فإن أغلب عناوين القصص – بما في ذلك عنوان المجموعة نفسه - يتسم بالقلق أيضًا ويحمل روح الطفولة، فـ"الطيور الزجاجية" عنوان يوحي أول ما يوحي بلعبة –مثلًا- كما قد يوحي بتعمد إقصاء البراءة ومحوها، وهو تأويل تتيحه مصائر شخصيات قصص المجموعة إذا ما نظرنا إلى مؤدَّى الأحوال ومراميها البعيدة. في الوقت نفسه فإن عنوانًا مثل "طائرة تُبدِّد لون السماء" يبدو للوهلة الأولى خارج السياق تمامًا في قصة تتعلق أحداثها بشخصيتيها المحوريتين: الطفل حمود وأمه، فالطائرة صورة عارضة لا يستغرق ظهورها وقتًا طويلًا. يحدث هذا في معمعة "الموكب" التي لم يفهم حمود شيئًا خلالها. "الموكب" أحد عوامل التعكير والتكدير والقلق المضاف إلى القلق الأصل –إن صح القول- الناشئ عن غياب الأب. الطائرة دخيلٌ غير محبوب بالنسبة إلى حمود. قلنا إن الأمر يستغرق وقتًا قصيرًا لكنه من وجهة نظر السارد أبعد غورًا من تلك اللحظات القليلة. الأمر الموصوف بالعارض والمصادفة يصير أساسًا. يبدو أن أثر ظهور الطائرة بالرغم من سرعته يبقى حبيس وعي الطفل حمود الباطن لينزع إلى سدِّ الأفق الأزرق الصافي ويستثير مكامن إحساسه بالغربة والقلق وفقدان الأب.
لنلق نظرة على ما حدث لـحمود: «حاول أن يقف ويمشي مرة أخرى باتجاه الشارع، لكنه تعثر بحجر وسقط، فشاهد السماء زرقاء صافية، وقبل أن يستمتع بالمشهد ظهرت طائرة مروحية اخترقت صفاءها، فتبدَّد لونها واستحال إلى رماد.»(ص 13). التعثر والسقوط يرفعان رأس حمود نحو السماء ليرى الطائرة. لحظات لا تنتهي بانتهاء حدوثها، ويمكننا القول إنها تُخلِّف أثرًا سيِّئًا في نفس حمود، ولهذا أصبحت عنوان القصة. على نحو من الأنحاء يدرك حمود القلق الذي تبعثه فيه رؤية الطائرة: «نهض حمود من سقطته ليسمع صوت أمه تنادي عليه، شاهدها واقفة بجانب الترمس وأدوات العصير، كانت مثل حمامة تدعوه لتحمله على جناحيها وتطير به إلى البيت.»(ص 13)؛ لنلاحظ المقابلة التلقائية اللاواعية التي يصنعها شعور الطفل ويصوغها الراوي: الطائرة والأم، الطائرة والحمامة، العام والخاص، الخارج والداخل، الرسمي والحميمي، البهرج والجوهري، الخوف والأمان. حمود طفل ليس كبقية الأطفال. طفل يميل إلى العزلة، الأم والبيت وانتظار الأب عوامل سعادته بينما الخارج والناس والطائرة التي بقَّعت زرقة السماء بلونها الرمادي عوامل قلقه. وهكذا لا نتفاجأ حين نستشعر ارتياحًا خفيًّا يكبر داخله حالما يشرع في الابتعاد عن الموكب: «لم يلتفت خلفه ليُشاهد ماذا سيحدث بعد مرور الموكب وما إذا كان الناس سيظلون هناك في انتظار شيء آخر أم سيعودون إلى بيوتهم سعداء، كل الذي يعرفه الآن بأنه موجود مع أمه بأمان»(ص 13).
إذا كانت العصافير رمزًا للأمان والبراءة في قصة "خوف العصافير الصغيرة" فإنها، في قصة "الطيور الزجاجية" –التي حملت المجموعة عنوانها- سبب للقلق والغضب والاستياء. مازن الصبي المراهق الآخذ في اكتشاف جسده وغرائب ما يقع له وحوله في المرحلة الوسيطة بين مفارقته الطفولة وولوجه مرحلة الصبا يُصاب بالضيق ويغرق في كابوس أسود. عبر ستة عناوين داخلية يسرد الراوي مفارقات عديدة يخوضها "مازن" توضح مظاهر الحياة الغريبة التي تُشارك في صنع شخصيته. وإن بدا أن هذه الشخصية تتسم بقدر من الحيلة والتماسك إلا أنها لا تنجو بصاحبها في نهاية المطاف من افتراس الأفكار وأسباب القلق باجتماعها عليه دفعة واحدة. مكمن قلق الشخصيات في مجموعة "الطيور الزجاجية" دائمًا نفسي يخضع لسلوك خارجي يزعزع الثقة ويحبط ويؤلب الأفكار والهواجس على التلاعب بالأعماق الهشة والنيل منها على نحو متصاعد يصير عاديًّا أحيانًا، بمعنى أن وتيرته معتادة بالنسبة إلى الشخصية على الرغم من كونها أذى نفسيًّا.
أحيانًا يكون حدث القصة غريبًا، كما في "الطيور الزجاجية"، وأحيانًا يكون بسيطًا، كما في قصة "إنقاذ"، حيث، أيضًا، يتداخل حدثٌ وحدثٌ يسبب أحدهما اختلال اتزان الشخصية ومحو فرحها في لحظة وكأنه لم يكن. الحدث هنا يكتفي بتقديم نفسه بتواضع دون اعتناء باللغة إلا بقدر ما تسرد وتقدم المعلومات، لغة بسيطة، قنوع إلى أبعد مدى، تفتقد ألق السارد المعتاد في قصص يحيى سلام المنذري. القلق النفسي، العامل المشترك في قصص المجموعة وأغلب قصص المنذري، يحتل مساحات زمنية طاغية مقارنة بأوقات سكينة الشخصيات وسلوكها المطمئن. لا يُقدِّم السارد أعمارًا محددة للشخصيات –كما أسلفنا- لكن الطفولة والصبا تكادان تمثلان ظاهرة في قصص يحيى سلام المنذري. وإذا أمعنا النظر فإن زمن السرد ومناخه يتقهقران نحو سنوات تكاد تندثر ويحل مكانها زمن ومناخ جديدان ينتصران لقيم أحدث تزيد وطأتها على الشخصيات وتفاقم قلقها.
غياب الآباء على ذلك النحو الحزين، ملابس الأم التقليدية، الحواري والدروب الترابية القديمة... كل هذا وإن بقي موجودًا إلا أن نظرة مدققة تثبت أنه يعود إلى سنوات خلت. ليس القصد هنا أن زمن القصة يؤثر سلبًا في وهجها أو قراءتها، إنما –ولا بد من الالتفات إلى هذا- يعني أن الكاتب نفسه يُفارق مرحلته العمرية الحالية آناء الكتابة ليعود إلى فترة طفولته هو وصباه هو على وجه التحديد!. ويجب الانتباه هنا ووعي أن الشخصيات ليست كاتبها على الإطلاق على الرغم من كل ما قد يُحمِّلها الكاتب إياه، واعيًا أو غير واعٍ، من شخصيته. ليس هذا انتقاصًا من قيمة قصص يحيى سلام المنذري –خصوصًا أن هذه الملاحظة تثير شجونًا نقدية وعاطفية في الآن نفسه- بل محاولة للاقتراب من أفضية هذه القصص. إن قراءة سِيَر كتَّاب العالم تثبت أن الأمر حتمي لا يدعو إلى الاستهجان أو الانتقاص.
لعل أحد التأويلات الممكنة هو التشبث بالحياة بمقاومة تقدم الزمن ورفض الانصياع له عبر الشغف بمراحل بعينها من مراحله مهما كان وقعها، فهي تمثل ألقًا خفيًّا يترسب في الأعماق ويزدهر بالتذكار، أو بالأحرى بالاستعادة التي تقوم بها الكتابة لتنتشلها من الأعماق السحيقة وتجعلها، بمعنًى من المعاني، واقعًا معاشًا في المتن السردي، ففي هذه الأثناء ينفصل الكاتب عن الحاضر القائم ويُحِلُّ مكانه الماضي، ليُلغي الحاضر ويُنشئ مكانه واقعًا ما عاد ماضيًا وإنما هو وحده المضارع المستمر، وهكذا فإن القارئ المتفاعل والنص بالضرورة يدخل زمن القصة، زمن الطفولة والصبا، ويعيشه الآن.
إن الإمكانية الأمهر في السرد هي قدرته على بناء عالم تتبدَّى فيه الحقائق والأوهام على نحو خالق مبدع يتطلَّب بشدة كاتبًا يسبر أعماق شخصياته بدراية تجعلها حقيقية فاعلة تخاطب حواسَّ القارئ بإلحاح محبوب وشادٍّ وضليع حدَّ انتفاء الفرق بين الواقع والخيال. السارد لا يتلبس أرواح شخصياته فحسب، بل يكونها كما هي، يكون هو الطفل والشاب والعجوز والنجار والبائع والحلاق والذكر والأنثى والبريء والمجرم... إلخ، لأن ذلك العالم لن يجدر باكتساب هذه الصفة إلا بمشقة يخبرها الكاتب المتوحد بعالمه ذاك. لذلك عندما نقول إن يحيى سلام المنذري الكاتب المبدع ينفصل عن زمنه الراهن ليعود سنوات إلى الوراء ويصير (وهذا فعل تحوُّل من حال إلى حال) هو نفسه ذاك الطفل أو الصبي فإن الأمر ينطوي على معنى أبعد غورًا من أي تأويل سطحي يتبادر إلى الذهن ولا يرى فيه إلا إلصاق يحيى بتلك الشخصية أو هذه ممن يعتورها الاضطراب النفسي ويرسم القلق والخوف ملامحها. إن هذا الأمر يحتاج إلى كتابة أبعد مدى من هذه العجالة.
قد تكون هذه مناسبة للتذكير بالكاتب البيروفي ماريو فارغاس يوسا الفائز بجائزة نوبل في الأدب عام 2010م، فقد عرف عنه ولعه بالكتابة عن فترة الصبا وأيام المدرسة. ويمكننا هنا ذكر اثنين من أعماله المهمة في هذا السياق هما مجموعته القصصية الوحيدة "الرؤساء" (1958) وروايته "الجراء" (1966)، وفيهما تحتشد شخصيات الصبيان وطلاب المدرسة بما يرافق هذه المرحلة من اكتشاف الذات نفسيًّا وجسديًّا وبداية سلوك المسالك التي تحدد المصائر لاحقًا. ولا شك أن أكثر من إشارة لأعمال يوسا، وكذلك بعض أحاديثه، يؤكدان نشوء كتابته من ذكرياته الشخصية وبعض القصص الحقيقية الواقعة في بلاده. هذا ما يقوم به أساتذة السرد الكبار، وبالتالي لن يكون الأمر استثناء بالنسبة لسائر الكتاب الآخرين.
كثيرًا ما يكون الآخر في قصص يحيى سلام المنذري مصدر قلق وخوف وعُقدة نفسيَّة. في قصة "ليلة الخنجر" يذهب الصبي ناصر وأمه لحضور عرس أحد أقاربهما. عندما تسأل الأم ابنها عن استعداده للذهاب يجيبها بسؤال: «نعم أمي .. أنا مستعد. لكن من الذي سيحضر هناك؟»(ص 29)؛ سؤال ينم عن قلق لا يزال متواريًا، أي أنه يبدو استفهاميًّا بحتًا أول وهلة، لكن، حين الاستمرار في قراءة القصة، يكشف وَهَنَ طمأنينة "ناصر" واستئناسه بالآخرين. إنه –مثل أغلب شخصيات يحيى سلام المنذري- متقوقع، مستوحد، يرى نفسه محميًّا داخل البيت، فاقدًا الراحة خارجه، برغم أن الأمر يرتبط بمناسبة اجتماعية تستغرق ساعات محدودة، لذلك بعدما تجيبه أمه بأن كثيرين سيحضرون أغلبهم من أقاربه «شعر ناصر بحزن يسري في قلبه ولا يعرف السبب» (ص 29). لماذا شعر ناصر بالحزن؟ وإن لم يعرف السبب إلا أنه، أكيد، سيكون خارج البيت، بعيدًا عن أمه، أي خارج نطاق الحماية المعهود، وسط آخرين لا تبعث رؤيتهم السعادة فيه، ليس بسببهم هم بالذات فكونهم "آخرين" سبب كاف جدًّا للشعور بالحزن. الحزن رفيق مزمن لأغلب شخصيات يحيى سلام المنذري، حتى الصغار لا يسلمون منه، كما نرى الآن بالنسبة إلى ناصر.
في قصة "طائرة تبدد لون السماء" يخبرنا الراوي بسبب غياب والد حمود، لكن في قصة "ليلة الخنجر" لا يُعلِّل الراوي غياب والد ناصر، إلا أن المعلومات الظاهرة والمنطوية في مسار السرد والأحداث تؤكد أن الوالد متوفى منذ أوانٍ بعيد، وبالأصح منذ فترة كافية لأن ينساه ناصر. لعل الدليل الدامغ على ترجيح صحة هذا التأويل هو ما يحدث لناصر حال وصوله ووالدته بيت العرس: «شاهد على أحد الجدران لوحة بها خنجر وأخرى بداخلها سيف فضي فشعر بخوف.»(ص 29). بالنسبة إلى طفل عُماني يمكن استساغة هذا الخوف، هنا، كون الولد ناصر يعيش وأمه فقط، فالأب غائب غيابًا تامًّا، حتى إن الراوي لا يأتي على ذكره أبدًا، فهو غير موجود أساسًا، ولأنه مات منذ سنوات طويلة (بالتأكيد سنوات تعادل سنوات عمرناصر غير المحددة في نص القصة) فلا شيء يستدعي تذكره. وبناءً على هذا الافتراض نستطيع فهم خوف ناصر من رؤية الخنجر والسيف.
وربما للسبب نفسه يصبح ناصر شخصية كثيرة الشرود والتوحد والهواجس الداخلية. كل شيء يبعث القلق فيه؛ إنه شخصية مشتتة منكفئة على نفسها تسهل دواعي اضطرابها وسيطرة الأفكار السالبة عليها، فهو وحيد أمه، عالمه الآمن الأم والبيت وعداهما يصير خطرًا محدقًا به. في العرس «التقى هناك ببعض أقربائه الذين كانوا من عمره، وتذكر بأن حاجزًا كبيرًا زرع بينهم رغم مشاركته اللعب والضحك والجري معهم(ص 29). هل هناك نوع من الفصام في شخصية ناصر؟. ماذا يعني السارد بـ«تذكر أن هناك حاجزًا كبيرًا زرع بينهم»؟. "تذكر" تعني استحضر ما كان موجودًا سابقًا فما الذي تذكره تحديدًا؟ متى انبنى هذا الحاجز بينه وبين الآخرين؟. يقدم النص ما يتجاوز جملته المباشرة ويعني أكثر وأبعد، ولذلك أشرنا قبل قليل إلى أن شخصية الصبي ناصر كثيرة الشرود، على الرغم من أن الراوي لم يخبرنا بذلك مباشرة. التأويل هنا ليس مقحمًا، فمهمتنا، كوننا قراء فاعلين، وعي ما تحت السطح وبين السطور، فكل كتابة إبداعية متميزة تتضمن قدرًا غير قليل من المحو، كل كتابة مبدعة تهزأ من القراءة الخاملة.
ما زلنا هناك، في قصة "ليلة الخنجر". أهي الخنجر سبب "تذكر" ناصر الحاجز الكبير بينه وبين الآخرين الحاضرين في العرس؟ يُوهِم الراوي قارئه بأن الفكرة المركزية في هذه القصة هي دشداشة ناصر القصيرة، ثم يبين السرد أن الصبي ينسى قلقه في البيت ليقوم على أنقاضه قلق آخر تسببه رؤية لوحة السيف والخنجر في واجهة بيت العرس، ثم البخور وخنجر العريس.
لا يُوضِّح الراوي سبب شعور ناصر بالغربة ("لماذا أنا غريب وسط أقربائي؟" ص 30)، لكن السياق يظهر استعداد الصبي التلقائي للتقوقع والانجرار خلف الأوهام والأخيلة، فما يراه في العرس (خنجر، دخان بخور، ازدحام..) يصبح روابط للتمادي في استدعاء صور مخيفة (تصاعد دخان البخور –مثلًا- يرسم صورة مارد).
أشرنا آنفًا إلى أن قلق ناصر من رؤية الآخرين قد يكون نابعًا من أنه يعيش مع أمه فقط، إذ لا وجود لأبيه في القصة. ما زلنا نرجح أن يكون أبوه متوفًى، ونضيف: إن استغرابه عند رؤية الخنجر والأسئلة التي عصفت به بشأنها تعود إلى السبب نفسه أيضًا. ومن هنا نستدل على عدم رؤية ناصر الخنجر سابقًا أو عدم اقترابه منها على النحو الذي حدث في بيت العرس. يحدث هذا على الرغم، أيضًا، من أن الصبي تذكر أنه التقى بـ"العريس" "في مجلس بيت جده"، الأمر الذي يجبرنا على التساؤل عن سر خوفه من الخنجر في بيئة تُعَدُّ فيها مظهرًا تقليديًّا معتادًا في مناسبات الرجال. أيعقل عدم معرفة ناصر الخنجر من قبل؟. لا يقدم الراوي أي معلومات استرجاعية، مثلًا، توضح ارتباط مشكلة ناصر بحادثة سابقة، وهذا أمر يجبرنا ثانية على الاعتقاد بأن المشكلة نشأت في العرس فقط. هل للأمر علاقة بالمدينة والغياب التام للأب؟ فما دمنا نقرأ ما بين السطور وما تلمح إليه الأحداث ويمكن فهمه عبر المناخ العام، على هذا الأساس يمكننا ربط سلوك شخصية ناصر بطبيعة الحياة في المدينة والعزلة التي تفرضها على من يعيشون فيها، إذ تكاد العلاقات الاجتماعية تكون معدومة إلا لمن يتعارفون من قبل. قد يكون هذا أحد أسباب استغراق ناصر في القلق والخوف والنفور المرضي من الآخرين وتصاعده حتى بلوغه انعدام تقدير الذات والشعور بالنبذ. يؤكد سلوكه أنه صبي منعزل لا يعرف أكثر من البيت والأم، وحين يفارقه الخوف من الخنجر ويستبد به الفضول يرتكب أفعالًا نزقة تُفاقِم اضطرابه وحزنه. إن فعله يتجاوز نزق الصبا المعتاد، فالصبية الآخرون لا تصدر منهم أفعال كأفعاله، ويندفع نتيجة عدم اعتياده الحياة الاجتماعية السوية إلى الطيش وإثارة حفيظة الآخرين بتهوره: «وشعر ناصرحينها برغبة في أن يعرف ماذا يوجد في ذلك الخنجر فقرر أن ينتهز الفرصة ويستله من مكانه، وفعلًا وبدون أن يعمل حسابًا لشيء وبنزق طفولي حاول أن يسحب رأس الخنجر لكنه وجد مقاومة من العريس إذ أمسك بيديه وعصرهما بقوة صارخًا في وجهه أن يتأدب ويبتعد عنه.»(ص 31). هذه خلاصة قلق ناصر طيلة حفلة العرس: محاولة للسيطرة على الخوف بجرأة الفضول يسكتها تأنيب "العريس"، ثم تأنيب آخر من امرأتين. القلق والاضطراب يكبران داخله، حتى إن مصادر خوفه تتراجع وتنسحق وتصير هي الأخرى مصادر للتأنيب والسخرية والحزن وزعزعة الثقة في النفس: «بينما شاهد المارد يخرج من الغرفة ضاحكًا ومكركرًا(ص 31). يحتشد الخارج للنيل منه. كل من حوله يصبح عامل تحطيم نفسي لأن سلوكه اللاواعي عرَّضه لسلسلة تأنيب وتهشيم وإحباط متتابعة أفقدته الاتزان والمقاومة وأخمدت جذوة الفرح التي لم يكد يقترب منها في ليلة العرس تلك حتى استحالت أشد ضراوة من قبل: «بينما إحدى المرأتين أمرت جميع الأولاد بالخروج ولكن قبل ذلك تناولت زجاجة عطر وأخذت ترش في ملابس الجميع ولكنها لم تقترب من ناصر ولم تعطره كالبقية، حينها شعر بأنه كائن منبوذ وأنه يكره الخناجر والسيوف، كما يكره الدخان الذي يتحول إلى مارد ضاحك وغريب الأطوار»(ص 31).
شخصيات يحيى سلام المنذري –حسبما رأينا بعضها- محبطة، مكسورة، هلِعة، حزينة، تعاني أوضاعًا مادية مزرية، يؤسس القلق والاضطراب طفولتها وصباها لينموا في دمها وتكبر بهما. بين تارة وأخرى، في قصص عديدة، تسلك الشخصيات مسالكها بناء على "شر البلية ما يضحك"، إذ يصيب سوء الحظ صاحبه بخفة –وربما استخفاف- تُعلي نبرة سخرية يضمرها السرد ولا يلبث أن يسم بها أغلب القصص، محوِّلًا إياها، أحيانًا، واقعًا معتادًا تجري الأحداث في إطاره.
الحزن ميزة أغلب الشخصيات إذن، ليس هذا فحسب، بل إنه يصبح ميزة الفضاء الذي يحتويها أيضًا. في قصة "البيوت الحزينة" نقرأ كابوسًا واقعيًّا ونراه رأي العين وهو يحصد الأرواح ويُفرِغ البيوت من ساكنيها. في هذه القصة يحضر الموت بصيغ عديدة يستدعيها السارد بحس المفارقة والتكرار العبثي الذي يسفر عن الموت في حوادث السيارات، موت يفضي إلى هزيمة كل الأسلحة ويوجج الغموض والارتباك والغضب ولا يصل سوى إلى نتيجة واحدة: الحزن والفجيعة العصيين على الفهم الواضح. البيوت تحزن على من غادرها ومات ولن يعود إلى أحضانها ثانية. ينبش الموت الذكريات البعيدة ليتذكرها من بقي على قيد الحياة، لكن، كأنما الأمر ينطوي على تحدٍّ لاإنسانيٍّ سافر، لا تكف حوادث السيارات عن حصد المزيد من الأرواح. هناك طفولة وصبا يمزقهما الحزن دون تفسير، وهنا من يشب عن الطوق ويصعد سلم العمر دون أن يتمكن من السيطرة على أي وعي أو فهم لدرجة السلم الأعلى المثلمة فجأة، أو يستطيع التشبث بطمأنينة أو راحة. الحياة كلها سلسلة مراحل يحقن الآخرون والأحداث أوردتها بمحلول الحزن والقلق والاضطراب والأرق.
الطفولة والصبا مرحلتان تتداخلان كثيرًا في مسار شخصيات قصص يحيى سلام المنذري. يروي الكبار القصة أحيانًا لكنهم لا يستطيعون الابتعاد كثيرًا عن إحدى المرحلتين، أو كلتيهما في أثناء تداخلهما وصعوبة فصل إحداهما عن الأخرى. لنتذكر قصتي "زكريا" و"حبات البرتقال المنتقاة بدقة" من أولى مجموعات المنذري "نافذتان لذلك البحر" –على سبيل المثال-، ففي الأولى حزن شفيف منقوع بالفقر وشر البلية المضحك، وفي الثانية أب وأطفال ينتظرونه ورصيف حارق ما زال يشعل القلق والهواجس حتى هذه اللحظة.
إلى أين ستذهب الشخصيات عن طفولتها وصباها؟
في قصة "يوم واحد يتلألأ في عينيّ" تسقط الشخصية المحورية في القصة سقطة مدوية على الأرض تكاد تكون سببًا لموتها. ولأنها سقطة ليست كغيرها وتصيب الرأس خصوصًا فإنها تعبر بالشخصية برزخًا بين الحياة والموت، وكأنها تتردَّد في ترجيح أحدهما والإفضاء إلى أمر حاسم في أي حال، منتصرة في نهاية أمرها المرعب الغامض إلى أحد السرين من جديد: الحياة!. لأن السقطة كانت على ذلك النحو المتماهي في الأسرار والأسئلة يعود الراوي (الكبير) إلى طفولته: «سألني ذات مرة أحدهم: "كيف كانت طفولتك؟" أجبته: "لم أكن طفلًا ذات يوم" فاعتبر إجابتي استفزازًا له وتحديًا.. تناول حجرًا وشجَّ رأسي به وهرب. لم أعبأ بالدم الذي تدفق بغزارة.. لأنه تدفق قبل ذلك مرتين في المكان نفسه.. هكذا على مدار العمر يتدفق كالنافورة ويبلل ملابسي بلزوجته الحارة. بعد أن هرب ذلك الشخص هربت أنا من دمي.. ولم يكن أول هروب.. ولا أريد أن أحصي أيام هروبي.. أسأل كيف وقعت في تلك الحفر النتنة؟»(ص 79، 80).

الطفولة والصبا باب الحياة المفضي إلى درب الحزن والقلق المزمن الذي مهما تعددت مَفارِقُه يتناسل من تلقاء نفسه ويسم الشخوص بسيمائه؛ هذا هو درب قصص يحيى سلام المنذري. حواجز لا تنفك تقف في وجوه الشخصيات، أطفالًا وصبية ويافعين وشبانًا وكبارًا في السن. يكفي هنا تذكر عناوين بعض القصص وربطها بتأويل معنى الزجاج والمرايا/ الألم/ الممنوع/ العقبة/ الانعكاس/ الجوهر/ الحقيقة/ الزيف/ الهشاشة: «من جدار أبيض إلى جدار أسود"، "جدران ومرايا"، "الطيور الزجاجية"، "الباب الزجاجي"، "القطط الزجاجية».  
في قصة "من جدار أبيض إلى جدار أسود" تنبني تقنية السرد على درجة حرارة السارد المريض، وبمهارة مُحْكَمَةٍ ينتقل السرد من الواقعي إلى الخيالي والعكس دون تكلف تبعًا لحمى المريض واستفحالها بسبب الانتظار الإجباري وتصاعد سخونتها حتى تسليمها إياه إلى الهذيان. في هذه القصة تُنار بعض عتمات القصص الأخرى. في هذه القصة قصص أخرى أيضًا وليس قصة السارد فقط، السارد المثقف الغضوب الثائر المضطهد الموظف العائد إلى مرحلة الطفولة أيضًا. روح مأساوية عبثية تنطلق من الواقع المنهِك لتنفصل عنه وتلجأ إلى الخيال صانعة واقعها الخاص متماهية فيه على نحو غير مقحم تختفي فيه الحدود ودون شعور يصبح القارئ بدوره في قلبه النابض بالغرابة واللامعقول (أيهما اللامعقول: الواقع أم الخيال؟).  ولنمعن النظر في ما يقوله السارد (الكبير) هنا ونتذكر الأطفال الآخرين في قصص المجموعة الأخرى. في قصة "ليلة الخنجر" –مثلًا- يسرد السارد ما يقع لـناصر وشعوره بالنبذ والحزن، أما في هذه القصة فالسارد (كبير السن) يسرد في "مشهد (5)" مشهدًا لطفل في ردهة انتظار بمستشفى. السارد منغمس في ملاحظة الآخرين ووصف أفعالهم ونقدها، وفي الوقت نفسه يسرد ما يتعلق به هو شخصيًّا كونه الشخصية المحورية في القصة، مراوحًا بالتتابع بين العام والخاص. يقول السارد: «الطفل القلق يخرج من جيب دشداشته الصغير منديلًا ورقيًّا مشرذمًا.. يأخذ منه قطعة صغيرة.. يدببها بعناية.. ثم يدخلها في أنفه وينظف.. وبعد أن ينتهي يرمي بها على الأرض.. ثم يقطع أخرى.. وهكذا. لا بد وأن أباه يفعل الشيء نفسه في البيت(ص 86، 87). تحت تأثير الحمى يسرد السارد مشهد الطفل وما يقوم به، مستنتجًا، وبانتقاد ضمني، أن الطفل يقلد والده، فهو يدين فعل الطفل ملقيًا التبعة على والده. بعد ذلك مباشرة يبدو أن حرارة حمى السارد ترتفع فينتقل مباشرة من الواقع الذي يشاهده أمامه إلى الخيال الذي تستحثه الحمى، دون شك، وتجعله واقعًا مرئيًّا في خضمِّها يستشعره القارئ، أيضًا، ويراه، ولا يبدي استغرابًا من سرعة الانتقال بين العالمين، لأن ما يحدث هو إحلال كلي تلقائي يخلقه الاستغراق خلقًا لا يصمد الشك أمامه ولا يُذكَر أساسًا، وكأن الأمر تتمة لما سبقه وليس استطرادًا وانتقالًا.
لنعد قراءة الجملة الأخيرة الآن ونكمل: «لا بد وأن أباه يفعل الشيء نفسه في البيت. تحرك الطفل وطار من النافذة ناحية غابة أشجار.. أخذ يقطف أوراقًا خضراء وينظف بها آذان الناس. أردت أن أناول الطفل منديلًا ورقيًّا نظيفًا وجديدًا( ص 87). هكذا نلاحظ عودة السارد ثانية إلى الواقع بالتلقائية نفسها دون أي فصل بين صورة الغابة والأشجار والأوراق التي يقطفها الطفل وينظف بها آذان الناس وصورة الطفل والمناديل الورقية في المستشفى. هذا فعل الحمى. إن الإبداع هنا هو جعل المشهدين مشهدًا واحدًا مستمرًّا. صحيح أن هناك استحالة من مشهد إلى آخر لكنها تحدث بسلاسة تمحو عنها صفة التحول وتكسبها صفة الوحدة والتتابع والتلقائية.
مرة أخرى، ولتبيان غرض اقتباسنا الأساس، لنعد لإكمال المشهد من حيث بترناه: «أردت أن أناول الطفل منديلًا ورقيًّا نظيفًا وجديدًا.. لكنني ضحكت لأنني حتمًا سوف أفتح للطفل جرحًا لن ينساه مدى حياته.. سوف يتذكر حينما يكبر أن شخصًا استهزأ بفعلة قام بها وهو طفل. لن أفعل ذلك.. دعه يفعل ما يحلو له. أسأل: لماذا عاد من الغابة؟»(ص 87).

30 يوليو 2012

في انتظار القاضي الرابع!: عن جلسة هذا الأسبوع من المحاكمات

عن الكاتب: عبد الله حبيب

نقلًا عن مجلة الفلق.

إلى الذين كانوا في قفص الاتهام في المحكمة في يوم الأحد الماضي، كانوا ولا يزالوا وسيظلوا دوماً نبض الحياة بين ضلوع القفص الصدري في كل الأيام وعلى مدار السنين.


يقول المثل العربي الشهير: “شر البليّة ما يضحك”. واستئناساً بما يحدث في “تراجيديات” شكسبير الكبرى فإنه لا بد أن يتوافر شيء من الكوميديا حتى في أكثر الأفلام التراجيدية في السينما الكلاسيكية الغربية (والأمثلة أكثر من تحصى أو تعد—تأمل في “المواطن كين” لأرسون ويلز مثلاً). أما في أفلام تشارلي تشابلن (والأمثلة أيضاً أكثر من أن تحصى أو تعد – أمعن النظر إلى “الديكتاتور” مثلاً) فإن ما يبدو في الفيلم على السطح الخارجي وللوهلة الأولى إنه كوميدي فهو تراجيدي في جوهره وعمقه (“لقد أصابني منك ما يكفي أيتها البلاد التَّعِسَة”، هكذا قال تشارلي تشابلن وهو يصعد سلّم الطائرة مغادراً الولايات المتحدة للمرة الأخيرة إلى بلاده*.
ويبدو أن قضاءنا الهمام قد تعلم هاتين الممارستين السينمائيتين مؤخراً، تماماً وبالضبط كما تعلمتهما درامانا التلفزيونية قبله!.
هكذا تنبأت إحدى كاتباتنا العمانيات المجهولات والرائيات بما سيؤول إليه مجرى الأمور، وبأن المتهم يمكن أن يعلن موقفه من الحكم حتى قبل صدوره:
  • أنا: “إني أعترض يا حضرة القاضي، وبشدة. أنا بريئة”.
  • حضرة القاضي: “أحكم عليكِ بالسجن في دهاليز دماغك، والحكم غير قابل للطعن فيه إلا بكفالة مقدارها غلطة شنيعة أخرى”!. (أمل محمد).
في ما حدث في جلسة يوم الأحد، 29 يوليو 2011 تتضح أكثر – ونهاراً جهاراً — وطادة الوشائج التي اتضح انها حميمة أكثر مما ينبغي وأكثر مما كان أكثرنا تشاؤماً يعتقد، والتي تجمع فيما حِيْكَ بليلٍ بين ثلاث مؤسسات مهمة في بلادنا كان يفترض أن كلاً منها يقوم بوظيفته، كل في مجالها وفق المهام المنوطة بها. الأولى هي المؤسسة الأمنية التي تصدر القرار (والتي كنا نعتقد أن مهمتها تكمن في حماية أمن وسلامة الوطن والمواطنين، وليس اقتحام أفرادها وهم مدججين بالأسلحة والأقنعة غرف نوم المواطنين وهم راقدين إلى جانب زوجاتهم في هدأة المحبة بملابس النوم، أو اختطاف مواطنة شابة عازبة وتعذيبها ثم رميها وحيدة في العراء في مدلهم الليل في أسوأ انتهاك يمكن أن يطال حرمة المرأة واحترام كرامتها في تقاليد وأعراف وأخلاقيات هذي البلاد، التي تقول لنا السلطة نفسها في خطابها الرسمي أنها حريصة عليها، أو اعتقال المواطنين فرادى وزرافات وتعذيبهم بشتى الطرق).
المؤسسة الثانية هي المؤسسة الإعلامية بما في ذلك جانبها الصحفي التي تنفذ القرار عوضاً عن أن تحتج عليه بوصفها “سلطة رابعة” (والتي كنا نعتقد بسذاجة الأطفال أن مهمتها هي كشف المستور في كل الشرور، والانحياز إلى الحق والحقيقة، والوقوف إلى جانب المواطنين والدفاع عنهم، ونقل شكاويهم واستياءاتهم إلى المؤسسات المعنية في جهاز الدولة، وليس التشهير بهم وبعائلاتهم وقبائلهم على شاشتها وصحفها – وللمفارقة الغريبة التي، في الحقيقة، لم تعد غريبة كثيراً فإنه في نفس يوم محاكمات الأحد نشرت إحدى صحفنا الجليلة في صفحتها الأولى خبر اعتقال مواطنة “آسيوية” إذ لا يحق لنا حتى أن نعرف جنسيتها ناهيكم عن تاريخ ميلادها، ومكان وطبيعة عملها، وفي أحشائها 79 كبسولة معبأة بمخدر الكوكائين، هي التي جاءت بغرض تدمير عقول عدد من مواطنينا، بينما الذين تم نشر صورهم ومعلوماتهم الشخصية الدقيقة، وبينما الذين وضعوا في قفص الاتهام في جلسة يوم الأحد، هم من أبرز كتّاب البلاد هذي ومثقفيها وناشطيها من الجنسين، والذين حفّز مسعاهم التفكير السويِّ، وتنوير العقول وليس تخديرها بغرض تدميرها. آسيا كبيرة، أما عمان – الآسيوية أيضاً–فيمكن أن يعرف فيها سكان مسندم ما حدث في ظفار بعد دقائق من حدوثه).
أما المؤسسة الثالثة فهي المؤسسة القضائية التي يتضح يوماً بعد آخر أن قراراتها وأحكامها إنما هي مصطبغة لدرجة الإحمرار الفاقع للشفاه المُمَكْيَجة إسرافاً بتوجهات – إن لم توجيهات—مؤسسات وأجهزة من خارجها (والتي كنا نعتقد بنزاهتها وحياديتها وعدم تسييسها وأمننتها [من الأمن]). ذلك أن من ينشر في صحفه صوركم بوجوهكم المنهَكة وبملابس السجن المُهينة مرتين مع ذكر تفاصيل عن حياتكم الشخصية والعامة يمكن أيضاً أن يتلذذ بالتفرج عليكم على نحوٍ ساديٍّ في قفص الاتهام بحضور زوجاتكم وأهلكم وذويكم لأكبر عدد ممكن من المرات.
“عدم تدخل الجهاز الأمني في شؤون الحياة المدنية”، و”استقلال الصحافة” و”نزاهة القضاء”!. هه، قديمه – عطيني غيرها!.
حقاً إننا “دولة المؤسسات والقانون” بامتياز شديد، ولكن بطريقة فريدة للغاية (وفي هذا السياق فقد كان المرحوم تعوّب الكحالي، وهو أحد صيادي الأسماك في قريتي الفقيرة، يُكثر من استخدام هذا التعبير في المواقف المناسبة تماماً: “علامها بالمختلاف”؟؛ أي – لمن لا يحسنون اللهجة العمانية القحّة” في منطقة الباطنة—”لماذا هي معكوسة”؟)!.
يحاضرون علينا – بالأحرى يلقنوننا ويلقموننا وكأننا أطفال في مدرسة – عن ضرورة إطاعة القانون، أما الشهيد الأمريكي مارتن لوثر كنج فيقول لنا: “يوجد القانون والنظام بغرض تحقيق العدالة. وإن هما أخفقا في تحقيق هذا الغرض فإنهما يصبحان على نحوٍ خطِر السدود التي تعيق جريان التقدم الاجتماعي”. ويضيف:”إن من يخالف قانوناً غير عادل يقول له ضميره عنه إنه قانون غير عادل، ويقبل طواعية عقوبة السجن من أجل تحريك ضمير المجتمع فيما يخص عدم عدالة ذلك القانون، فهو في الواقع يعبر عن الاحترام الأعلى للقانون”.
وحقا: “أيها الفتى: هذه محكمة قضاء، وليست محكمة عدالة”، و”كثير من القوانين، قليل من العدالة”، و”إن هيئة القضاء العليا هي كاهن القوانين، والقضاة هم مؤِّليها. أما بقيتنا فإنهم خَدَمُ قانون، إنه يتعين علينا جميعاً أن نكون أحراراً” (ماركوس تولوس سيسرو).
وسأزيدكم من الشعر بيتاً: “إنها السلطة وليست الحكمة هي من يسن القوانين” (توماس هوبس).
شخصياً، أفضِّل أن أتذكر هذه المقولات وأمثالها، وأنسى محاضراتهم.
لم نعد نكتفي بنشر غسيلنا في بلادنا فقط، بل إننا نريد الآن لكل العالم أن يتفرج عليه. وما حضور محامية أجنبية (تحسن بعض العربية، بالمناسبة) في جلسة محاكمات يوم الأحد، 29 يوليو 2012، سوى دليل رمزي على ذلك.
إنها خطوة رائعة إلى الأمام، فنحن لدينا فندق قصر البستان، ولكن لا بساتين للحرية لدينا. ونحن “حقّقنا في سنين قليلة ما لم يحققه غيرنا في زمن أطول” كما يقول خطاب الإعلام الرسمي لدينا، ولا نزال نعدو نحو المستقبل بسرعة هي أسرع من العدّائين، لم تحدث حتى في أولمبياد لندن الأخير، أخشى أنها ستجعلنا نسقط أرضاً وتتحطم رؤوسنا “في سنين قليلة” قد تكون أقل مما حققنا فيه ما نباهي به الآخرين!.
“إن القاضي هو طالب يدرس الحقوق ويقوم بمنح نفسه الدرجات على أوراق امتحاناته”. (إتش إل منكين).
ما أشبه الليلة بالبارحة؛ ففي جلسة محاكمات يوم الأحد بسبب قيامكم بعمل سلمي ومدني في القرن الحادي والعشرين ما يجلب للمرء صدى قوياً من محاكمات العام 1971 في إثر اكتشاف خليّة مسقط التنظيمية، ومحاكمات العام 1975 في إثر الاشتباك المسلح في كمين الرستاق الذي استشهد فيه واحد من أروع العمانيين في الذاكرة السياسية العمانية على الإطلاق (أعني زاهر الميّاحي طبعاً – الإسم الحركي: أحمد علي) ، والإعدامات التي تلت تلك المحاكمات الهزليّة (المثال الأقوى هو اعتذار القاضي المرحوم إبراهيم العبري عن إجراء محاكمات العام 1975 بعد أن كان قد أجرى محاكمات العام 1971 التي في إثرها حدث ما حدث، وكان ما كان الذي يكون حتى اليوم، وأخشى شخصياً أنه سيكون حتى غداً).
حقاً: “يعيد التاريخ نفسه. في المرة الأولى بوصفه تراجيديا، وفي المرة الثانية باعتباره كوميديا” (ماركس).
“ثمَّة موتى ينبغي قتلهم” (عبدالقادر الجنّابي).
يا المادة الخاصة بما يسمى “التجمهر” في قانوننا الجزائي العتيد: ترى ماذا سيحدث لو أني عزمت عشرة من أصدقائي – وهم من مختلف الأمشاج وطرق التفكير — لتناول العشاء في مطعم، وكان أحدهم بمحض الصدفة الكارثية خطَّاطاً يريد أن يرينا ليستمع إلى آرائنا حول نماذج من لوحات جلبها معه، كتب عليها بالخط الكوفي الذي يجيده مقولات من النظام الأساسي للدولة؛ مثل المادة رقم 29 التي تنص على أن “حرية الرأي والتعبير عنه بالقول والكتابة وسائر وسائل التعبير مكـفوله…” ولكن حدث بمحض المصادفة البائسة أننا كنا الأحد عشر شخصاً في المطعم في تلك الليلة المشؤومة؟.
أليس المطعم “مكاناً عاماً” أيضاً.
آه، إنني لا أريد حتى مجرد التفكّر في الاحتمالات!.
أيكون حال وطننا من خلال هذه القضية هو حال قصيدة قسطنطين كافافيس الشهيرة “في انتظار البرابرة” أو مسرحية صمويل بيكيت الأشهر “في انتظار غودو”: في انتظار القاضي الرابع!.
——————————————-
*الاقتباسات غير العربية الواردة في هذه المادة من ترجمتي. تجيء هذه الإشارة بغرض تحمل المسؤولية الأخلاقية والأدبية فيما يخص صوابيّة ودقة الترجمة.

24 يوليو 2012

ما وراء قضيتي الإساءة والتجمهر


حمود حمد الشكيلي 

    ما أن يسعى أي إنسان في  الاقتراب من أحداث صيف عمان 2012  إلا ويجد قائمة طويلة من السلبيات التي أفرزتها قضيتا الإساءة والتجمهر، كانت أخطاء الأجهزة الأمنية أكثر وفرة، بينما المؤسسات الأخرى ظلت صامتة تهضم الفراغ بعيون نصف مغلقة، هنا إشارة إلى الجمعية العمانية للكتاب والأدباء، بينما كتاب آخرون من خارج مجلس إدارة الجمعية، وفيهم من ليس عضوا في هذه الجمعية ظلوا ينبهون على وفرة الأخطاء، وإعادة تكرارها، لذلك حدث أن تم التنبيه على الأخطاء الفادحة التي قد لا تغتفر، بعض هذه الأخطاء تتحمله وزارة الإعلام، والهيئة العامة للإذاعة والتلفزيون، ووكالة الأنباء العمانية، والصحف المحلية (عمان، الوطن، الشبيبة). وبعضها تتحمله الجمعية العمانية للكتاب والأدباء، وجمعية الصحفيين العمانية، فالأولى صمتت كثيرا، ولم تقف مع من وقف معها من الكتّاب الذين نشرت صورهم، وهم لا يستطيعون إنكار ما قدمه أحد المعتقلين للجمعية في نشاطها الثقافي أيام معرض مسقط الدولي للكتاب، لم تكتف الجمعية بالصمت، بل إنها تمادت كثيرا ولم تعلل  صمتها المريب والمعيب، والثانية اخترق أمام مرأى جميع أعضائها الصحفيين مواد من قانون المطبوعات والنشر، وبدا أن الجمعيتين راهنتا على الصمت عله يجدي نفعا... كل هذه الأخطاء جاءت نتيجة القبضة الأمنية الشرسة التي تسيطر على المؤسسات، وترهب الأفراد وتمنيهم بالمناصب بعد الصمت الطويل، أي أن الصمت نهش البلاد كما ينهش الذئب فريسته، ولم تعش عقول كثيرة حياة مستقلة، خصوصاً في ظل عدم مقدرة المؤسسات والأفراد على أن يكون لهم رأي مستقل.   
     هنا أرجح كفة أن شخوصا من تلك الأجهزة الأمنية مارسوا ضغطا بضرورة نشر الصور بجميع معلومات أصحابها، وبضرورة إلزام بعض المؤسسات الحكومية أو المدنية/أو بعض أفرادها الصمت –ليصمت إذن كل شيء هنا/مفتتح قصيدة تمرين على كتابة يوم الجمعة 14 جانفي 2011 للشاعر العربي المنصف الوهايبي- حتى يتسنى للأجهزة الأمنية أن تعمل برؤية نظر واحدة، وهي رؤية ليتها لم تكن قاصرة، ويا ليتها لو أنبتت ثمرا حلوا لعباد البلاد.   
     أفاد أحد أعضاء إدارة الجمعية العمانية للكتاب والأدباء قائلا بالحرف الواحد: "إن الجمعية تواجه ضغطا أمنيا"، أليس هذا دليلا واضحا على تدخل الأجهزة الأمنية في مؤسسات المجتمع المدني؟.
     ليس هذا فحسب، بل إن القسم الخاص ظل يستجوب كتابا عديدين، وصحفيين كثرًا طوال الأشهر الماضية في جلسات تراوحت بين الخمس والست ساعات ثم تم/ويتم إجبار كل من أُدْخِل القسمَ الخاص على إمضاء توقيع بالبصمة يتعهد فيه بعدم ذكر كل ما دار في تلك الجلسات، وعدم الكتابة في مواقع التواصل الاجتماعي (التويتر والفيس بووك). يبدو هذا محاولة جادة  لترهيب كل من قد يفكر في الكتابة/ وهنا أقصد الكتابة المُصلحة/البعيدة كل البعد عن ما يسمى بالإعابة والقذف، وكلنا ضد هذا المبدأ، وهذا ما اتفق عليه أغلب من كتب حول هذه القضية التي لم تنته حلقات مسلسلها بعد،  فما لا يرضاه الإنسان لنفسه لا يرضاه لغيره من البشر.  نرضى لأنفسنا النقد إذا ما أخطأنا، ونرحب به أيما ترحيب، نفتح لقائله آذاننا الصاغية ونُقبِّلُ صدق نواياه، كما قد نفتح عيوننا لنقرأ نقدا نواجه به، ولنتذكر أن الإنسان رافقته الخطيئة منذ أن حرَّك قدميه على الأرض.  
     لذلك حبا في عمان؛ على الجميع أن ينبه بالكلمة إذا ما أحدث شخص ما أو جهاز ما "عسكري أو مدني" أي خطاء. "عن أبي سعيد الخدري قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: من رأى منكم منكرا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان" -رواه مسلم.
    علينا أن نكون أكثر صراحة وأكثر صدقا. على من يستطيع الكتابة أن يكتب مصححا ومصوبا ومنبها ومعاتبا، كون أننا جميعنا نستظل تحت خيمة خضراء وارفة ظلالها تسمى "عُمان"، كما آمل ممن يقرأ أي مقال أن لا تستفزه الكلمات، إن كانت فكرة الجمل والعبارات تنشد الوفاء لعمان العظيمة بماضيها وبسعة تربتها للجميع. فمنذ اشتعال نار احتجاجات الصحراء حتى صباح الغد الباكر وقعت الأجهزة الأمنية في أخطاء عديدة، هذا ليس عيبا كبيرا، إن من يعمل يخطئ، لكن الخطأ الذي لا يغتفر تكرار الخطأ ذاته، والإصرار عليه مصيبة عظيمة. إن الإنسان الحقيقي يتعلم من أخطائه، ولا يكررها، فـ" المؤمن لا يلدغ من جحر مرتين" و"خير الخطائين التوابون".  
إن نشر صور الشباب ليس علاجا ناجعا للمشكلة، وإذا ما تكرر ذات الخطأ الكبير فليعلم الآمر بالنشر والموافق عليه أنهم يأخذون البلاد والناس فيها إلى حالة غضب كبير "فاتق.. أو احذر الحليم إذا غضب". 
    في هذا الشهر الكريم  أوجه دعوة أخوية لله للذي رأى أن نشر الصور حجب وضاءل نسبة الكتابات "الغاضبة" (التعبير لإبراهيم سعيد) أو تقليص للعدد المتزايد أو كتم أفواه الشباب الغاضب أن يكف عن تكرار ذات الخطأ، وليتذكر أن هؤلاء أبناؤه، وأخوته، كما أن هذه الدعوة مفتوحة للاعتذار، وبهذا الاعتذار يؤكد الآمر بالنشر، والناشر لبني وطنه شجاعته وعظيم خلقه ونبل أصله، وبالاعتذار تصفى النفوس الغاضبة.    
    إذا ما وقعنا في الخطأ فذلك ليس سبة وعارا، خصوصاً إن كانت نوايانا صادقة بالعمل ومخلصة للوطن، لكن أن نتدخل في مؤسسات البلاد فهذا أكبر خطأ، وهذا ما لحق بالإعلام مثلما أشرت سابقا، وبالقضاء، وهذا ما سأحاول المرور عليه في الأسطر القادمة. أُرْبِكَ القضاء في عمان، وأُقْلِقَ بعض أفراد الأجهزة الأمنية، حيث تم  إيقاعهم في مواقف محرجة، آمل أن يكون من أقسم بالقرآن أن لا يقول غير الحق أنه قد قال الحق وهو في رضا تام عن كل كلمة قالها، وآمل أن لا يكون قد أجبر أو أملي كلاماً غير مقتنع به.  
    إن فيما حدث تأكيد لتدخل الأجهزة الأمنية فيما ليس من اختصاصها،  وخير دليل على صحة هذا الأمر التنحي الذي أظهره القاضي يوم 22 من يوليو الجاري، جاء هذا التنحي بعد أن طلب المتهمون بالتجمهر من القاضي ضرورة التنحي؛  وذلك بعد أن صارحوه في إحدى جلسات المرافعة بأنه تناهى إلى سمعهم بأن تمت مناداته والاجتماع به من قبل بعض الأجهزة طالبين منه ضرورة إدانة المتجمهرين، لذلك فاجأ القاضي الجميع في اليوم الذي يفترض فيه أن يعلن الحكم بفتح باب المرافعة من جديد في الجلسة التي فرض فيها القاضي أن ينطق بحكمه الابتدائي من خلال إحضار شاهد في القضية وهذا ما حدث.
     كما أن اختراقات عديدة لحقت بمواد صريحة وواضحة من النظام الأساسي، وهذا في حد ذاته مخالفة علنية، أوضح من شمس صيف عمان الحار للحياة التي ينشدها الإنسان العماني، حيث يتمنى الجميع أن يعيش تحت ظل قانون يحميه من بطش أفكار تعشش في رؤوس بعض ضباط تلك الأجهزة، كما أن من بين السلبيات التي أفرزتها القضيتان تعطيل مواد قانونية صريحة وواضحة من القانون العماني، حيث تشير مواد قانونية إلى أنه يحق للفرد المحتجز على ذمة أي تحقيق أن يحقق معه مباشرة، وأن لا يرمى في زنزانة ضيقة مجهولة المكان، كما له الحق في تقديمه للعدالة في أسرع وقت ممكن، وله حق التواصل مع أهله، وله حق لقاء محاميه. إن عدم إحداث أي من هذه الأمور يوضِّح ما يفيد بأن السلطة ما عادت تحتمل أي محتج على هذه الأرض، يبدو أنها شعرت بتحقيق جميع المطالب بعد أحداث فبراير 2011، لذلك سعت جاهدة إلى تحريم أي تجمع سلمي للمطالبة بأي شأن يسعى فيه الأشخاص لتحقيق مطلب رأوا أن لهم الحق في المطالبة به، لذلك يقرأ الآخرون في تحريم التجمهر بفرض مادة قانونية تجرمه أو محاربة المتجمهرين أن السلطة تنزعج وتستفز مباشرة من أي احتجاج شعبي (مثل احتجاج المعلمين، احتجاج عمال النفط) أو نخبوي (مثل احتجاج مجموعة كتاب ومثقفين ومدوني مواقع إلكترونية على اعتقال مجموعة من شباب البلاد الأوفياء، مع بعض أهالي المعتقلين جراء كتابات على زوايا شخصية في مواقع تواصل اجتماعية)، لذلك تجد جهاز الشرطة يستنفر جل قوته العسكرية والفردية لقمع أي احتجاج.  
    إن ما حدث يعلن إعلانا صريحا أن عُمان ليست دولة مؤسسات، فالمؤسسات عُطِّلت وهمِّشت، كما أنها ليست دولة قانون، فالقانون أقصي بعيدا هذه المرة،   وبهذا أخشى وأرتعب من أن تكون الحكومة تعلن تراجعها عما أعلنته وجاهرت به مرارا وتكرارا.