03 نوفمبر 2016

مجلة الكلمة تنشر الرواية الثانية للكاتب سالم آل تويه

رواية العدد
عام 3000

سالم آل تويّه

"لا تُوقِف الكراهيةُ الكراهيةَ بل يُوقِفها الحُبُّ فقط. هذه هي القاعدة الخالدة".
                                                                    بوذا
"النَّاس نيام فإذا ماتوا انتبهوا".
                              علي بن أبي طالب

"وحدهم الأموات شهدوا نهاية الحرب".
                                أفلاطون

"وَسَيَمْسَحُ اللهُ كلَّ دَمْعَةٍ مِنْ عُيُوْنِهِمْ، وَالْمَوْتُ لا يَكُوْنُ فِي ما بَعْدُ، وَلَا يَكُوْنُ حُزْنٌ وَلَا صُرَاخٌ وَلَا وَجَعٌ فِي ما بَعْدُ، لأنَّ الأُمُوْرَ الأُوْلَى قَدْ مَضَتْ".
                      سفر رؤيا يوحنَّا الحبيب 4:21

إلى أرواح الغائبين سُكَّانِ منازل الأبديَّة:
أحمد راشد ثاني
عبدالله أخضر
علي المعمري
حمَّادي الهاشمي
علي الزّويدي
حمد الخروصي
حسن شريف

1
معملُ البشرِ عابرُ الزَّمان والمكان
في السابع من يناير عام 3000 للميلاد عاد نذير راحل عبد الرحيم إلى الحياة الدنيا مرة أخرى.
في الثاني من يناير عام 2015 للميلاد فارق الحياة وهو في الثمانين من عمره. كان قد أوى إلى فراشه باكرًا، في بيته ببلدة سْدَاب الساحلية، لكنه لم يستيقظ. ولأنه كان وحيدًا لم يعرف بموته سوى الجيران، فبعد مرور أيام فاحت رائحة جثمانه، فأبلغوا الشرطة، وفي اليوم الخامس جاء أربعةٌ من قسم المباحث والتحقيقات الجنائية ومعهم ابناه وابنتاه، ووضعوه داخل كيس، وحملوه على نقالة، وكان في حال لا يمكن معها غسله، فصلوا عليه ودفنوه في مقبرة بلدة العامرات.
حين فتح عينيه من جديد أوحشت الصدمة إدراكه ووخزته بقلق مضت 985 سنة منذ فارقه. كان إدراك العودة ينزعه ببطء فاجع من السكينة التي خبرها في العالم الآخر. كمن يتعافى من مرض عضال أصاب بصره، بصعوبة بالغةفتح عينيه. كما كان عليه الحال حين نام على سريره في تلك الليلة القاصية في بيته ببلدة سداب، كان مستلقيًّا على ظهره. أول ما رأى كان أضواء ملونة شديدة الحدة، وما كاد حتى سمع أحدًا يناديه فتلفت، فإذا برجال ونساء طوال القامة يتحلقون حوله ويمعنون النظر فيه. سمع اسمه مرة أخرى.
       نذير راحل عبد الرحيم.
       نعم.
       أهلا بك في عام 3000.
       استولى عليه ذهول ضخ في وعيه حيرة لا متناهية. أين هو الآن وأين كان؟ سأل نفسه. تردد صوته فزعًا داخله. لم يكن قد رأى بعد كل ما بداخل ما بدا له مصنعًا كبيرا جدًّا أو مستشفى بلا نهاية ولا سقف ولا جدران، بل إنه الآن يرى سماء ونجومًا أيضًا، أما الرجال والنساء الطوال الذين بدا عددهم غير معقول فلم يكن قد رأى بعد من ناداه باسمه منهم.
قال الصوت: أنت الآن في معمل البشر عابر الزمان والمكان. ليس هذا مصنعًا ولا مستشفى، لكنك محق: معملنا بلا نهاية، وكما ترى، تحت السماء والنجوم، وباختصار يمكنك القول إن الكرة الأرضية بل وبعض الكواكب أيضًا تتمة لـمعمل البشر عابر الزمان والمكان. أدوات معملنا نحملها معنا متى تطلب الأمر وأينما كان، إنما ليس كما قد تعتقد ويشتط بك الخيال، مع أن هذا مطلوب أيضًا! فما يلزمنا فقط هو استدعاء الفضاء القديم إلى أرضنا وسمائنا لتوليد الظروف الموضوعية اللازمة لتحقيق عملية البعث. إننا نذهب إلى كل الأزمنة الماضية، إلى كل الأمكنة الماضية بينما نحن في الواقع في عام 3000، في معمل البشر عابر الزمان والمكان، وعلى هذا النحو بعثناك من جديدلتعيش في عصرنا.
أخذت الحيرة تنمو بوتيرة أعنف في نذير راحل عبد الرحيم، وأصبح فؤاده فارغًا.
قال الصوت: لأعد إليك، قف، در إلى الخلف، هنا، أنا من يحدثك.
ببطء ووهن وتلقائية وخنوع جمع نذير راحل عبد الرحيم جسده وأطرافه ووقف، وببطء أخذ يدور. عدد هائل من فريق المعمل كان يملأ عينيه، وكان الصوت مستمرًّا، وكان يصغي إليه، وفجأة أصبح قبالته.
نحن بشر عام 3000 كلنا طوال القامة. هذا تطور طبيعي ومعملي قادت إليه أساسًا خريطة الجينات البشرية الكلاسيكية التي اكتُشِفت في عصركم الغابر. كان الأمر صعبًا في عصركم المتخلف مقارنة بعصرنا المتفوق قاهر المستحيل، إنما ينبغي لي القول أيضًا إن العلم لا تحده حدود!
عصركم؟ سأل نذير راحل عبد الرحيم نفسه، لماذا خاطبه الرجل بصيغة الجمع؟ غير أن الرجل التزم الصمت. لعله لم يسمعه. كيف إذًا أجابه عن أسئلته السابقة التي أسر بها لنفسه؟ أدرك أنه يستطيع معرفة ما يفكر فيه! كان طويلًا اضطر إلى رفع رأسه كي يتمكن من رؤية وجهه. كان وجهه ضخما أكبر بثلاث أو أربع مرات، وربما خمس مرات، من وجه نذير راحل عبد الرحيم، بملامح متجمدة صارمة أشبه بقناع أو صورة مُكبَّرة. كل أعضائه، ­وكذلك الآخرون، يفوق حجمها أعضاء البشر أمثاله الذين كانوا يعيشون في زمنه القديم. كان الرجل ذو الوجه الصارم يرتدي حذاء جلديًّا يغطي ساقيه الطويلتين وسترة بيضاء تنسدل حتى ركبتيه. الآخرون نساءً ورجالًا كانوا يرتدون مثله. وتذكر نذير راحل عبد الرحيم لحظةً اللِّباس الأزرق الموحَّد لعمال البلدية الذين كان يشرف على عملهم في بعض نواحي العاصمة عندما كان يعيش حياته الماضية في القرن الحادي والعشرين.
تحت أشعة القمر والنجوم، عندما رمى نظره بعيدًا خلف ظهر المتحدث العملاق، لاحت له سكك كان يعبرها كل يوم حتى وفاته في حياته الدنيوية الأولى. ما لبثت السكك أن تبخرت. بدت كأنها مرسومة بالماء. كان ظهورها يستغرق وقتًا ضئيلًا لكن بقدر يكفي لأن يأنسها ويكمل استدعاءها من ذاكرته القديمة.
حار وتشتت ثم خطف الرجل العملاق ذو الفم الذي قدَّر أنه ضعف فمه خمس مرات أو أكثر انتباهه مرة أخرى.
نعم أستطيع أن أقرأ شفرة أفكارك. هذا أمر بسيط جدًّا لا يعدو أن يكون استنساخًا، والشيء بالشيء يذكر فقد كان الاستنساخ من أعظم إنجازات الزمن الذي عشت أنت فيه، بيد أن الاستنساخ الذي أقصده هنا هو استنساخ الأفكار، سبر ما يحدث في العقول. في الحقيقة، هذا أمر سهل أيضًا في عام 3000، بل، لمعلوماتك، كإنسان يعود إلى الحياة بعد 985 سنة من الموت، هذا الاكتشاف يعود إلى ثلاثة قرون خلت، وبالتحديد إلى عام 2797 للميلاد، حين تمكن العالم إدريس تكرار من السيطرة على مجال حركة إشارات الذاكرة وفَكَّ رموزها المستغلِقة، الأمر الذي جعل قياس مسار الذبذبات الخفية ممكنًا، وهو ما قاد البروفيسور إدريس تكرار إلى اختراع جهاز عُرف منذ ذلك الأوان باسم جهاز تكرار. القرون اللاحقة شهدت تطويرًا منقطع النظير لهذا الجهاز الذي حلت مكانه إبرة ثم حبة ثم أخيرًا شعاع ذري غير قابل للرؤية بالعين المجردة. أمَّا عملية الخلق، كما في حالتك، فإن زرع جهاز تكرار في ذاكرتك أمر أكثر تعقيدًا إذ يجب أن يأخذ مجراه عبر الأمواج والذبذبات الخفية نفسها وليس بمادة ملموسة كالإبرة أو الحبة ولا حتى بالشعاع التقليدي الفعال للأحياء. هذا الأمر وحده يتطلب تخليص الوصفة الخام من شكلها السائل أو الصلب وتفريغ محتواها من خلال حلِّ شِفار المخ والنظام العصبي ومجاري الذاكرة ومحاور التماثل وطاقة الإشارات اللامرئية ونطاق حركتها في الأثير كما شرحها إدريس تكرار. مؤكد أن هناك عمليات موازية تأخذ في الاعتبار العوامل البيولوجية إنما شأنها أهون ويمكن القول بأنه تحصيلُ حاصلٍ فهي كذلك مبرمجة سلفًا.
كان نذير راحل عبد الرحيم لا يزال حائرًا ومصدومًا، وبينما كان الرجل الصارم يواصل حديثه كانت حدة حيرته وصدمته تتصاعد، وصور من حياته الماضية تظهر في أضواء مائية ملونة تمحو معالم المعمل وذلك الحشد الغريب وتصبح واقعًا يعيشه بوجدانٍ مسلوبٍ مضطربٍ أو تخالط الحشد بقوة غبشية تشبه ما يراه نائم مذعور، ثم تذوي، تختفي، ثم تعود بوتيرة تمد بأس الحيرة حتى أقصاه، ثم تتبخر من جديد.
وكما حدث قبل قليل، رأى أربعة حيطان بيضاء غطت حشد أعضاء معمل البشر عابر الزمان والمكان. بحنين يلم شمله من حياته المنقضية في الثاني من شهر يناير عام 2015 أدرك أنها حيطان غرفة نومه التي مات فيها في تلك الليلة البعيدة قبل 985 سنة.
قال الرجل الصارم: في حالتك، الحيرة أمر طبيعي. تحتاج إلى بعض الوقت لتألف حياتك الجديدة، وذلك لأنك قدمت من عام 2015، العام الغابر المنقرض الذي ما عاد له وجود إلا في كتب التاريخ والآثار، وما ستراه وتسمعه وتحسه من الآن فصاعدًا سيكون برمته في عام 3000، وسيكون مختلفًا كل الاختلاف عما أدركته حواسك المحدودة وتجربتك الفقيرة ومعرفتك الجاهلة.
في تلك الليلة التي صرمتها مئات السنين كان نذير راحل عبد الرحيم قد عاد منذ ساعات من مشيه اليومي الذي واظب عليه طيلة عشرين عامًا منذ بلوغه الستين وإحالته إلى التقاعد من عمله في البلدية. في ذلك المشوار المسائي الأخير أَبْعَدَ نطاقَ جولته المعتاد بين سِكك حارته القريبة من الساحل. مشى على الطريق البحري المرصوف بمحاذاة الشاطئ، ووقتًا طويلًا عصر ذاكرته ليستحضر بيت الشعر الوحيد الذي كان يحفظه فلم يستطع. وعند عودته كان هناك صيادون يطوون شباكًا، وكانت هناك أكداس سمك، أطفال، سيارات دفع رباعي تسحب قوارب صيد نحو اليابسة، ونسيم معتدل يدفع رائحة البحر النفاذة الممزوجة بسَهَكِ سمكٍ متفسِّخ. عندما قطع شارع البحر لمح داخل سيارة عابرة طفلة تحمل وردة حمراء، وفي سكة في حارة الساحل حيث يقطن دخل دكانًا وشارد الذهن تفقد أرففه فوجد وردة بلاستيكية وابتاعها. ومن مخبز التنور المجاور اشترى خبزًا ساخنًا. وحالما وصل بيته وضع ربطة الخبز على طاولة الطعام في المطبخ. أكل خبزة واحدة فقط والربع المتبقي من صحن عدس كان قد اشتراه قبل أربعة أيام من مطعم هندي ليس بعيدًا مطل على شارع البحر. تناول حبة الضغط، ومن أحد أدراج المطبخ أخرج قنينة زيت زيتون فارغة وضعها تحت الصنبور وصب فيها ماء حتى منتصفها ثم غمس ساق الوردة داخلها دون اكتراث لكونها بلاستيكية. فعل كل ذلك تلقائيًّا كأنه يفعله كل يوم مع أن بديهته كانت غائبة.
أخذ نذير راحل عبد الرحيم يتذكر. امتلأ أنفه برائحة البحر. كانت الصور المائية تظهر وتخفي أعضاء المعمل وتضعه في غرفة نومه.
هل كان ميتًا أم حيًّا؟ لقد أحدثوا شيئًا في دماغه خلخل إدراكه وأعمى بصيرته وشحن ذاكرته وفي الوقت نفسه أخواها، طمرها، فكيف لم يعد بمقدوره تذكر العالم الذي جاء منه قبل قليل؟ على هذا النحو راح يفكر وتغشَّى تفكيرُه مرة أخرى.
وضع قنينة الوردة على حافة النافذة، بجوار صورة أرملته تقوى التي غادرت الحياة قبله بخمس سنين. كان مريضًا بحبها، لم يجد لشوقه إليها دواء، ومنذ رحلت كان فقط يعد العدة للقائها في العالم الآخر.
كتلةٌ مائية صقيلة أحاطت به وأخفت فريق المعمل مرَّة أخرى، ورأى سريره الواطئ وقوائمه القصيرة المنغرزة في سجاد غرفة نومه في سداب، ورأى الوردة الصناعية الحمراء على حافة النافذة أمامه والستارة الخضراء القصيرة المسدلة التي مع ذلك لم تكن تشغل حيزًا واسعًا من الحافة، ورأى صورة تقوى المعلقة على الجدار. وتذكر أنه قبل استسلامه للنوم الذي أسلمه إلى الموت في تلك الليلة كان يحاول تذكر بيت شعر أخفق في تذكره في أثناء مشيه قرب البحر، وتذكر أنه في حياته الدنيوية الماضية لم يكن يحفظ شعرًا سوى ذلك البيت الوحيد. يعود سبب هذا إلى مساء حزين لم يكن حزينًا لولا بيت الشعر ذاك، ووصْفُه بالحزين، في الوقت نفسه، لم يكن منكرًا بل حميمًا، شادًّا، غامضًا ومرهِقًا، لأنه يرتبط بأحياء، وأكثر من ذلك بأسْرة، ولعل الأمر لا يستحق كل هذا التأويل ـمتذكرًا فكَّر نذير راحل عبد الرحيم في سره ـ وفي أي حال، كان عائدًا من عمله في البلدية، ودخل بيته، ولم يكن هناك أحد عدا إحدى ابنتيه تراجع دروسها في البهو المغلق، هاتفةً ببيت الشعر ذاك مُقطِّعة إياه عروضيًّا كي يسهل عليها حفظه وحفظ بحره، مُتَفَاعِلُنْ مُتَفَاعِلُنْ مُتَفَاعِلُنْ، مُتَفَاعِلُنْ مُتَفَاعِلُن مُتَفَاعِلُن، وهكذا سمعها تردد البيت عشرات المرات مُنغِّمة إيَّاه وفق بحر الكامل. لم تكن له علاقة بكل هذا غير أنه شغف به، وحفظ البيت، وأخذ هو الآخر يردده في سره كل يوم، وطوال حياته الدنيوية الماضية لم يذكر لابنته ولا لزوجته تقوى ولا لأي أحد شيئًا عما جرى، والآن كم تقترب نغمة البيت من ذاكرته وكم ينأى البيت نفسه مثلما أخفق في تذكره في مشوار مشيه الأخير في ذلك الزمن! شلَّه هلع، وأوَّلَ مرَّةٍ منذ عاد إلى الحياة الدنيا سمع نبضات قلبه تدق، تدق، تدق، وأنشأ تنفسه يثقل ورأسه يدور وخرَّ من وقفته.
إنها أعراض العودة إلى الحياة، قال الرجل الصارم ومن أحد جيوب سترته أخرج جهاز تحكم عن بعد وكبس بضعة أزرار.
سكنت سَوْرة اضطراب نذير راحل عبد الرحيم. انتظم نَفَسُه. وقف على قدميه ثانية.
تبخر السَّرير والوردة والنافذة والستارة الخضراء والصورة. حنين إلى زوجته كان يساوره في السنين الخمس الأخيرة التي قضاها وحيدًا بعد رحيلها عاد الآن يدب فيه. ريبة دخلت عينيه، صعدت إلى رأسه، ومثلَ خُذْرُوف دارت بأقصى سرعة وملأته رعبًا. قال في نفسه إن عليه ألا يثق في هؤلاء، يجب أن ينأى عن التفكير في زوجته وابنته وأولاده كي لا يعرفوا أفكاره ويصلوا إليهم! ظهرت منضدة سريره الجانبية وساعة يده التي وضعها هناك آخر مرة بعدما أطفأ مصباح الغرفة واستسلم للنوم الذي لم يستيقظ منه. إنه الآن يستيقظ منه! تبخرت المنضدة والساعة.
عاد صوت العملاق الصارم: نحن لا ننتهك خصوصيتك، فكر كما تشاء وفي من تشاء! لكنك تعرف أن أغلب الأفكار طاقة سالبة بذلُها لا جدوى منه!
غضبٌ تمكن من نذير راحل عبد الرحيم، صرخ في وجه الرجل العملاق: لماذا أعدتموني إلى جحيمكم هذه؟
هذه مشكلة تجربتنا الأخيرة. حدث خطأ بسيط في تجميد الذرات وحصرها لجعلها تتكثف وتعود إلى الحياة. دعني أشرح لك، هناك عددٌ لامتناهٍ من الخلايا والذرات إذا تداخل فإنه يعيد إلى الحياة إنسانًا آخر غير الإنسان المُراد ومن زمن ومكان آخرين ليسا هما المرادان، ومع ذلك فإن قاعدة بيانات معمل البشر عابر الزمان والمكان تحتوي معلومات لا أبالغ إن قلت إنها تشمل كل البشر، أو دعني أقل كل من وُجِد لهم أثر مادي بأي صيغة كانت، عظم، سن، خصلة شعر، تدوين من نوع ما، وهكذا فإن مجيئك غير المتوقع عالجته قاعدة البيانات على الفور بالتحول من الذبذبات التي رفضت الانصياع لعملية إعادة الخلق إلى عرض المعلومات المتصلة بك أنت بالذات. العملية تخضع لمعرفة دقيقة بكل المعلومات والأبعاد الزمنية، وفي الوقت نفسه تدمج عدة علوم تقيس نسب مسح الأجهزة وجس الفراغات وقدرتها شديدة الحساسية على جذب الذرات المبرمجة سلفًا، عملًا على نظرية مغنطة الروح التي تُعَدُّ إجراءً متفرِّعًا لسلسلة اكتشافات إدريس تكرار، وقد أحدثت قفزة هائلة في مسيرة علم الأحياء خصوصًا، وفسَّرتْ لماذا كان غيرَ ممكنٍ تجميعُ الذرات الفارَّة والذبذبات المتقطعة والمفقودة من محاولة الاحتواء، وأثبتت تجاربها العديدة كفاءة عالية لولا أنها باهظة الثمن. لقد نجحنا مرارًا في بعث شخصيات تاريخية عظيمة. ما أريد أن أؤكده لك أن الخطأ لا يشمل عمل الروح وأعضاء الإنسان فهذه بعد كل شيء تقوم بأدوارها كما ينبغي، بدقة وبلا أدنى قلق.
تلبَّد نذير راحل عبد الرحيم، وفي غضون ذلك سمع هدير أمواج البحر الذي كان قريبًا من بيته.
إنك الآن لا تقوى على شد ولا إرخاء. قُواك العقلية والبدنية تؤوب إليك تدريجًا وفي طيِّها ذكرياتك، أواصرك، عاداتك وكل ما كنت تفعله في حياتك الماضية، لكن بسبب اصطدامها بفراغ يملأ زمانها ومكانها المعهودين فإنها بمرور الأيام تتحول إلى خبرة تغذي تجربتك الجديدة في الألفية الرابعة.
حين استنشق نذير راحل عبد الرحيم رائحة ثياب زوجته تقوى أخذته وهلة، وتذكر دولاب السِّنديان في غرفة نومهما الذي بقيت فيه ملابسها إلى جوار ملابسه حتى يوم وفاته. انفجر يبكي. ولما أغمض عينيه وفتحهما مرَّةً ثانيةً هذا اليوم رأى فريق معمل البشر عابر الزمان والمكان، رأى الرجل الصارم يتفقده باهتمام أكبر فيه خليط من الانشراح والقلق! امرأة عملاقة هناك تطبع بلا توقف على آلة مفاتيح ضوئية، آخرون يراقبون عمل أعضائه الداخلية على شاشات. القريبون منه يحملون أجهزة تحكم عن بعد يضغطون أزرارها بين حين وآخر.
انقطع ظهور صور حياته الماضية.
أصبحتَ الآن في عام 3000 بشكل خالص. لقد أعدناك إلى الحياة كما كنت في الثاني من يناير عام 2015. عمرك الآن ثمانون عامًا كما كنت عند موتك. العملية في أحد أشد أجزائها تعقيدًا تستند إلى جريان الزمن، بتر النهاية ودفع النَّفَس الأخير ليعبر زمنه ويستمر في زمن مستقبلي مقارنة بزمنه الفيزيقي والميتافيزيقي الماضي، أيْ إجراء عملية رتْق، سلب وجذب للأثير الخامل لإزالة لحظة صعود الروح، سدِّ فجوتها واستئصالها نهائيًّا من بين الفراغين السابق واللاحق، وتكثيف أنفاس الحياة، أنفاس حياتك، إعادة لئم الذرات الفارَّة في الأثير، اكتشاف الروح مرة أخرى، محاصرتها، أسْرها، تحويل مسارها المشتت وتركيز طاقة نفخه في الجوف، كما كان، بعْثها من جديد، وأخيرًا ها أنت ذا ماثل بيننا.
في أواخر حياته الماضية كان نذير راحل عبد الرحيم يتعاطى بانتظام حبة خفض ضغط الدم. في ليلته الأخيرة تلك تناول عشاءه في المطبخ ثم بلعها. كل أعراض ماضيه الطبي انتقلت إليه الآن، قال الرجل الصارم. كانت أجهزة الفريق الطبي ترصد حالته الجسدية والذهنية. ماء، صاح عملاق آخر بصوتٍ لا يمكن من يسمعه مرَّة واحدةً أن ينساه، فجاء من فوره إنسان آلي وقدم كأس ماء لنذير راحل عبد الرحيم. ولأنه أدرك توًّا أنه ظمآن مد يده ورفع الماء إلى فمه، جرعه وطلب المزيد لكن العملاق الآخر الذي لمحه نذير راحل عبد الرحيم الآن صاح صيحة ثانية حاسمة بأن كأسًا واحدة تكفي الآن. كان الوحيد من بين ذلك العدد الهائل من أعضاء المعمل الذي يرتدي سترة حمراء، وكان الوحيد الجالس، وبدا أنه أطولهم جميعًا.
ولمَّا كانت الصدمة تفعل فعلها في نذير راحل عبد الرحيم وتجهده ففي هذه اللحظة فحسب فطن إلى الخدر الخفيف الذي يثقل يده اليسرى، وفي لا وعيه اعتقد أن ذلك قد يكون بسبب نومه عليها في ليلته الأخيرة على سرير نومه في حياته الدنيوية الأولى!
عاد الرجل ذو الملامح الصارمة: شيئًا فشيئًا تؤوب إلى جسدك. الصدمة الفيزيقية أضعف من الصدمة الروحية التي يمكن القول حسب مجاسِّ الأجهزة الدقيقة ذات الحساسية العالية إنها انتهت. بعد أربع ساعات أخرى سوف تشرب كأسي ماء. صوت العملاق ذي السترة الحمراء أضاف: كأسين اثنتين، 400 ملليلتر فقط، لا أكثر ولا أقل. وبعد أربع ساعات أخرى ثلاثة كؤوس، ثم كأسًا واحدة. تسلم الرجل الصارم دفة الحديث من جديد: بعد ست عشرة ساعة أنت حر في أن تشرب عندما تشاء. لا تقلق، سوف نتولى تذكيرك آليًّا. في ما يخص الضغط فإننا سنحقنك بدواء يجعله معتدلًا على مدار الساعة، وللأبد لن تكون في حاجة إلى تناول دواء ضغط مرة أخرى. منذ زمن بعيد انتهى قلق الطب من مرض سخيف كهذا كان يعقد حياة ملايين البشر في زمانك البدائي. أما خدر يدك اليسرى فأنت محق، ذلك فقط لأنك طويتها تحت جانبك ونمت فوقها عدة ساعات عندما كنت لا تزال حيًّا قبل 985 سنة، وحيث إنك استيقظت من رقدتك الآن فمن الطبيعي أن تشعر بالخدر! لا تقلق، إنه يتبدَّد.
جاء إنسان آلي آخر. انتبه نذير راحل عبد الرحيم إلى أن الأول، الذي ناوله كأس الماء، قد اختفى. كان طول الاثنين يوازي طوله لكن قاماتهم معًا قصيرة بشكل ملحوظ، أو قزمة، إزاء قامات فريق المعمل. كانت حركة الإنسان الآلي سريعة وبلا صوت تقريبًا. وبينما كان نذير راحل عبد الرحيم منشغلًا يفكر في أن هذا الإنسان الآلي قد يكون نفسه الأول سمعه يقول: استعدّ سيدي، ودار حوله كمن يتأكد من مقاسات زوايا حيِّزٍ ما، وقف خلفه، وبخفة حقنه بإبرة في عضل مؤخرته وانصرف. شعر نذير راحل عبد الرحيم بمحلول قوي ومُجهِد ينتشر في عروقه. دهمه استغراب: لماذا لم يستدعوا إحدى آلاتهم المتحركة هذه عندما ارتفع ضغط دمه وكاد يغمى عليه قبل قليل؟ كيف عادت إليه قواه حينها؟ بيد أنه بتر أسئلته الملحة وأدرك شيئًا آخر: لقد حقنته تلك الآلة المتحركة دون خلع ثيابه، ليس عليه أي ثوب يستره! إنه عارٍ!
كل ذلك الوقت كانوا ينظرون إلى هذا المخلوق العاري الغريب الذي أعادوه إلى الحياة الدنيا خطأ ورغمًا عنه! قال نذير راحل عبد الرحيم في نفسه، وغضبٌ وشعورٌ بالمهانة يتأججان داخله كونه مجرد مادة معروضة في معمل!
أنت فقط من يعود إلى الحياة من جديد، روحك وبدنك، أما عوالقك، بما فيها ملابسك وما كان بحوزتك، فإننا نستعين بإنجاز علمي آخر يسمى المغنطة العكسية يتولى التشويش على ذراتها كي لا تتجمَّع وتعود هي الأخرى. فضلًا عن التكلفة المادية الباهظة لإعادة خلق العوالق ونتائجها التدميرية المتوقعة فإننا في الحقيقة لسنا بحاجة إليها.
ازداد غضب نذير راحل عبد الرحيم.
لا تغضب، لا تشعر بالمهانة، إن حال إنسان عائد من الموت تختلف تمامًا عن حال أي إنسان آخر. ثم إنك لن تحتاج إلى وقت طويل لتكتشف أُبَّهة العري وأنه من أبرز علامات التحضر الإنساني التي لم تُقدَّر حق قدرها حيث كنت تعيش في حياتك الأولى!
هذا فوق ما يمكن احتماله، قال نذير راحل عبد الرحيم لنفسه. كان كل ما يقوله الرجل الصارم يؤذيه، يضايقه، يُسعِّر غضبه ويعده انتقاصًا لإنسانيته. من ناحية أخرى كان عدم التصديق يحيره، يبكيه، ورهبة الإدراك تجعل كل ما يحدث مأساة لا حيلة له إلا الإقرار بوقوعها.
أتى برد وخوف ودخلا قلبه وعظامه فاضطجع وانطوى على نفسه. رأى حذاء الرجل العملاق فوق رأسه ضخمًا كأنه سيسحقه ويُسوِّي به الأرض.
إنسان آلي آخر أتى وأنهضه، وفي لحظات ألبسه سروالًا داخليًّا، بنطالًا، قميصًا وسترة، كلها كانت زرقاء اللون على مقاسه تمامًا! وأنهى مهمته بإلباسه ربطة عنق! وشك نذير راحل عبد الرحيم في كل ما قاله الرجل الصارم، كيف يمكن أن يكونوا قد أعادوه إلى الحياة الدنيا دون قصد وهذه الملابس معدة له سلفًا؟ فكر في ذلك وراوده السؤال المتعلق بالرجل الآلي ثانية: أهو إنسان آلي آخر؟ أهم ثلاثة أم واحد؟ إن كانوا أعادوا خلقه عمدًا فمن أين عرفوا مقاسه؟ إنه أمر بعث على الجنون. شعر بأن هناك شيئًا ما غير قابل للتفسير فكل ما يقع الآن قد لا يكون واقعًا!
مرارًا ازدرد ريقه. عندما نام في ليلته الباردة النائية في حياته الدنيوية الأولى كان يرتدي ثوب نوم كتانيًّا فضفاضًا طويلًا ذا كمين طويلين. في ذلك الزمن لم يغادر بلده قط، وعدا ثوب نومه ذاك والإزار والقميص الداخلي الأبيض والدشداشة والمصر والكُمَّة لم يعرف أي زي آخر. لمس ربطة عنقه واستسلم لسطوة الأفكار المسترسلة.
أوجس في نفسه خيفة: الرجل الصارم وذو السترة الحمراء كلاهما يتحدث بلغته!
لا ليس كلانا يتحدث لغتك. كلٌّ يتحدث بلغته. أنت تتحدث بلغتك ونحن جميعًا نتحدث بلغات مختلفة وبعضنا يتحدث بلغتك، إنما يجب القول بحرص ووضوح وفخر بأن مواطن عام 3000 مواطن عالمي بلا شعارات زائفة كما كان الناس يتشدقون في زمنك، وأنت الآن مواطن عالمي أيضًا. توخيًا للحقيقة عليَّ أن أضيف فورًا أن هذا الاختراع يعود إلى ثمانية عقود خلت بفضل العالم مـ.
نوبة غضب أخرى استعمرت رأس نذير راحل عبد الرحيم. زفرة حنق عدائية صدرت منه قطعت حديث الرجل الصارم. مرجل غضب غلى في رأسه. في حياته الماضية لم يُحْشَ دماغه بمعلومات بهذا القدر المحتال السمج، ولا حتى من مسؤولية في البلدية، وكأن هذا الكائن العملاق يقرأ إرشاداتٍ من كتيب ثلاجة أو يتحدث عن اختراع نادر أو يصف ميزات سيارة سباق! بطريقة أو بأخرى سيصله التهكم دون الحاجة إلى الجهر به! إنه يتباهى بالمأساة التي سببوها له، يغافله ويملأ أذنيه بترهات لا يفهمها. اضطرمت شكوك عميقة في داخله. بات واضحًا له أن الرجل الصارم والآخر ذا السترة الحمراء الفاقعة يعرفان ما يفكر فيه، غير أن ذاك يصمت وهذا يجيب عما يريد فقط ويتعمد إهمال الإجابة عن أسئلته الأخرى، وأكثر إجاباته مبهم!
ضرب الرجل الصارم صفحًا عن تهكم نذير راحل عبد الرحيم الغاضب في سره، وكي يهدئ من روعه اقترب منه ورفع يده اليسرى وأشر على رسغه وأخيرًا أجابه عن سؤاله: قبل أن تعود إليك روحك بأجزاء من الثانية، في لحظة محسوبة بدقة متناهية، زرعنا شريحة رقيقة هنا تتضمن تقريبًا كل ما تحتاج إليه لتتأهل وتصبح مواطنًا صالحًا للعيش في القرن الحادي والثلاثين. بينما كنتم تتعلمون اللغات في قرنكم الحادي والعشرين المتخلف وتنفقون سنوات طوالًا لتتمكنوا من قهر القواعد العويصة فإن إنسان عام 3000 يستطيع التحدث بكل اللغات دونما حاجة إلى تعلم أي منها! التقدم التكنولوجي الفريد الذي بلغنا أوْجَ أوْجِه يمنحنا القدرة على التحدث بأي لغة حية وميتة لأننا فقط نزود المعجم بالمعلومات، معاجم بأكملها، مكتوبة، مصورة، منطوقة، كلها مربوطة عصبيًّا ليتمكن أي شخص من استخدامها في الحال دون تفكير وكأنه يتحدث لغته الأم. في الواقع، هاتان الكلمتان ـاللغة الأم ـ ما عادتا دارجتين في الألفية الرابعة كما كان شأنهما في زمنك الغابر، فلغتنا الأم لغة عالمية تحوي كل اللغات المعروفة.
حتى الآن ما زال نذير راحل عبد الرحيم يعبر نفق الصدمة. كلما مضى الوقت كان حس المأساة يفقده الانتباه. كان ذلك العدد الهائل من أعضاء المعمل بلا وجود أحيانًا. لا يفطن إلى تحلقهم حوله. غامت السماء، غاب القمر، انطفأت النجوم وخفت وهج الأضواء الملونة. لم يتبين إلا أساه، وعلى حين غرة تذكر مسجد حارة الساحل وبعض جيرانه المسنين في بلدة سداب، وحدثته نفسه بأن يذهب ليصلي الفجر هناك مثلما كان عليه الحال عمرًا كاملًا! ارتج الكلام والظلام والأفكار. عندما آب من فزعه ورأى ما هو فيه كنس الجميع بنظرة متفحصة. كالتماثيل كانوا واقفين حوله يخفي الظلام نهم إمعانهم. أهو ساحل سداب قبل أن تقيم عليه البلديةُ الكورنيشَ الذي ردم الرَّملَ وإطلالةَ المشهد البحري من أعماق الحارات؟ أم أنهم عند الناحية الأخرى خلف البيوت حيث تجثم الجبال الصخرية الشاهقة بسفوحها شديدة الانحدار وقممها الحادة التي تطعن السماء وتحجب الآفاق والحارات والبلدات الأخرى؟
أنت في عام 3000.
أين؟
في معمل البشر عابر الزمان والمكان.
أين؟!
في مدينة الخلق.
مدينة الخلق؟
المدينة العالمية التي تجمع عباقرة علماء الأحياء والكيمياء الحيوية والفيسيولوجيا والأطباء و...
ومن أنت؟
أنا مدير معمل البشر عابر الزمان والمكان.
ما اسمك؟
أكثرُ ممَّا تتخيَّل.
ماذا؟
نعم.
ما اسمك؟
اسمي أكثرُ ممَّا تتخيَّل.
أكثرُ ممَّا أتخيَّلُ ماذا؟
اسمي أكثرُ ممَّا تتخيَّل.
أهو اسمك واسم أبيك واسم جدك؟
كلا، إنه اسمي فقط. قبل قرنين ونصف قرن وُلِدْتُ.
ماذا تقول؟ ولدت قبل قرنين ونصف قرن؟
نعم، قبل قرنين ونصف قرن وُلِدْتُ من نطفة وبويضة وُضِعَتْ فيهما خلاصة جهود التحكم بالجينات ودُمِجَ فيهما أقواها وحُيِّد أدنى افتراض لنشوء أيِّ ضعف في إحداها حتى مع تقدم العمر، بل إن لمناعتي المحصنة قابلية ذاتية لأن تُدمِّر الخلايا المُجهَدة وتُعوِّضها بأخرى تتصاعد قوتها تدريجًا.
وهذا الذي يلبس رداء أحمر؟
إنه إدريس تكرار رئيس معمل البشر عابر الزمان والمكان ومخترع جهاز تكرار منذ أكثر من ثلاثة قرون؟
ثلاثة قرون؟
نعم، يبلغ عمره الآن زهاء 400 سنة، وهو من يقف خلف جميع عمليات إعادة الخلق الناجحة. إنه رئيس المعمل ويُعرَف في جميع أرجاء الكرة الأرضية وكواكب أخرى باسم أبي علم البعث الحديث.
وهؤلاء؟
علماء، مساعدو علماء، أطباء، مشرفو أجهزة، مبرمجون، متدربون وطلبة بعضهم ضيوف حضروا من إمبراطوريات ودول وأقاليم وولايات ومقاطعات ومدن أخرى، وأكثرهم يتمتع بعضوية دائمة في معمل البشر عابر الزمان والمكان.
كم عددهم؟
3795.
ولماذا؟
ليشهدوا هذا اليوم التاريخي لإعادة خلقك.
وأنا؟
صاح إدريس تكرار مقاطعًا إيَّاه:
أنت مجهد الآن. برغم أنف خطأ الاستدعاء الأثيري الموجي عملية خلقك أحرزت تفوقًا أثلج صدورنا.
أراد نذير راحل عبد الرحيم أن يعترض غاضبًا بيد أن إدريس تكرار نهض من مقعده رافعًا نحوه يدًا طويلة حسبها مجدافًا. أتى تكرار مهرولًا. كانت عيناه زجاجيتين، ودار في خلد نذير راحل عبد الرحيم أنه ربما كان يرتدي نظارة طبية بعدستين سميكتين، ثم لاحظ أنهما كانتا مجهرين! ولاحظ كيف كانت خطوته تعادل قفزة مقارنة بخطوته وخطى البشر الذين كانوا يعيشون في زمنه، وكيف اقترب مغطيًا من تركهم وراءه، وفرد مجدافيه، وبردائه الأحمر بدا كطائر خرافي يستعد للتحليق! نزع مجهريه فبانت عيناه كبيرتين جدًّا الواحدة منهما بحجم كرة مضرب تنس الطاولة! وهتف: يكفيك ما عانيته في تجربتك الاستثنائية هذا اليوم. بصفتي باعثك، وكوني رئيس معمل البشر عابر الزمان والمكان أعرض عليك الحقن بإكسير الخلود. لن يكلفك الأمر شيئًا، مجرد فحوص سريرية بين آونة وأخرى هي في المقام الأول لمصلحتك. اليوم السابع من يناير. فكر كما تشاء وأبلغنا بقرارك بعد ستة أشهر من الآن، في السادس من يونيو المقبل. خلافًا لذلك، لو رفضت العرض، سوف تعيش، في أفضل الأحوال، بضعة أشهر ستكون في أثنائها معرضًا للانهيار ولقائمة طويلة من الأمراض والعدوى ومما لا يجدر بإنسان أتيح له العيش في عام3000 أن يرزح تحت وطأة أرزائه.
مثل قائد فرقة موسيقية رفع إدريس تكرار يده عاليًا وأبقاها لحظات قليلة هكذا، ودَهِشَ نذير راحل عبد الرحيم وابتأس وهَلِعَ وقنط وبكى وتذكر بيت الشعر الذي لم يستطع تذكره في ليلته الأخيرة في حياته الدنيوية المولية في الماضي السحيق. وعلى الفور صدرت أصوات إنذار وكُبِست أذرعة آلات، وبينما أخذ الـ3795 عملاقًا يضعون أجهزة التحكم والمراقبة عن بعد ويخلعون قفافيزهم وأرديتهم الطويلة على حوامل آلية متحركة، كانت صفائح متراكبة في الأعلى تتمدد من أقصى الجهات الأربع تجاه الداخل، وخلال دقائق امَّحى الظلام، وغطى سقف فولاذي معمل البشر عابر الزمان والمكان، وأُنيرتْ مصابيحُ سطوعُها القويُّ بدا غريبًا من نوعه لإنسان الألفية الثالثة المعاد خطأً إلى الحياة في الألفية الرابعة.


لقراءة الرواية كاملة:

http://www.alkalimah.net/Articles/Read/8613

01 فبراير 2016

قصة قصيرة بالعامية العُمانية: أمّ موسى

سالم آل تويّه


ولا واحد في حارتنا صدَّق السالفة، لكنَّا بعدين صدقنا واحنا خايفين من اللي صار، ولمَّا وصلنا بيت ميمونة العاقر تشاهدنا على وجوهنا. سبحان الله؛ كان كل شي بينتهي، وكلنا كنا بنموت وما يبقى أحد ولا يبقى شي: لا في حارتنا ولا في البلاد كلّها. سبحان الله.
كنت مع أبوي ماشيين السوق، ويوم اشترينا سمك قالِّي أبوي: يا ولد روح جيب كرتون وشلّ الصيد خلِّيه في دبّة السيارة. ورحت واشتريت كرتون بميتين بيسة من ولد أصغر مني كان جالس تحت سمرة حيت دكاكين بياعين الخضار، وما صدقت يوم سمعت واحد يقول: أحسن لكم تروحوا، تراها الدنيا بتحتشر. قلت في نفسي: أكيد هذا واحد مخرّف، ودفعت فلوس الولد، وشليت الكرتون وسحبت عمري، ولما وصلت عند أبوي شفته واقف وفي يدينه سمكتين وكيسة قاشع. خلّيت الكرتون على الأرض، وخلّى أبوي السمكتين والكيس داخل الكرتون، وقالِّي: خلِّي الكرتون في دبة السيارة. وبعد ما وصّلت الكرتون وسكّرت عليه الدبَّة سمعت أبو مرهون راعي دكّان البن يخرّف سليّم بو يبيع القت وعندهم حمود الشّحّامة راعي سمك المالح وناس ثانيين ما أعرفهم أظنّي جايين يطحنوا بن، انزين سمعت أبو مرهون يقول: الله بحسن الخاتمة. وقال واحد شايب: لا تعاقبنا يا رب. والحلاق الهندي كان يكلّم باكستانيين وكلّهم خايفين بس الحلاق قال انه اليوم بيحلق بلاش حال كل حدّ، وانه ما يبغى شي في الدنيا إلا انّه يرجع الهند ويشوف ولاده وحرمته مرة ثانية.
وبعد هذا حتى أنا خفت، ومشيت بسرعة، ودورت أبوي، ويوم حصّلته قلتلّه:  يقولوا انه علامات الساعة قامت وانه الدنيا بتحتشر!  قال لي أبوي وهوّه يدحّر عيونه فيّ: وهيش نابه بعد؟ تو بعدك عمرك خمسة عشر سنة ومنسبّ كرتون فيه سمكتين بتحتشر الدنيا؟ الخطرة بشلّ الصيد وحدي. أنا أحب أبوي بس هوّه شويّه قاسي ويهايني أمزح ولَّا ما عاجبنّي أجي معه السوق.  قلتلّه: يا أبوي تراه كل النّاس في السوق يقولوا انه الدّنيا بتحتشر.
غلا أبو حجاجينه وضيق عيونه مستهزي: "يا الله خلا" صرخ في، وتبعته، وركبنا السيارة، وفي الطريق بان عليه أكنّه ناسي شي ولا انّه تذكّره؛ قال:  حميد! أظني كلامك فيه شي من الصدق! وشاف على السّما وقال: عسى ما يقسّوا علينا، ولا أقولّك أحسن يقسّوا علينا فهالسّوالف ولا يكون كلامهم صحّ. ورن تلفونه رنَّة رسايل، وعطاني تلفونه وقالِّي أقرا بومكتوب في الرسالة، وقريت: إعصار مدمّر في طريقه إلى عمان. وبديت أفهم خوف الناس في السوق، وكلامهم عن الدنيا اللِّي بتحتشر.
ولمّا وصلنا البيت ما واحينا نخلّي بوشتريناه إلا والخبر منتشر في الحارة كلّها، وبعد يومين قالوا لنا لازم نخلي المنطقة لأن حارتنا ما بعيد عن البحر، وقاموا الناس يلمّوا أغراضهم ويودّروا بيوتهم وكل حدّ يروح مكان، بو راح المدارس يتخبّا وبو روح البلادين، واحنا رحنا البلاد، لأنهم قالوا انه الإعصار يجي حال المناطق القريبة من البحر بس.
كان الجو خلاص بادي يتقلّب؛ مرة أسود، مرّة رمادي، والسحاب يزيد أكنّه تو بيطيح السيل، ودرجة الحرارة نزلت، وزادت سرعة الرّيح وصار صوت أوراق الأشجار ينسمع من بعيد مثل موج البحر.

2

يومين في البلاد كنا نتابع التلفزيون. الحمد لله كنا بعيد عن الخطر لكن بوشفناه في التلفزيون كان أكنّه فيلم. أبوي وامّي وخوتي الكبار قالوا انّه بوستوى ما استوى. 
رجعنا مسقط وشفنا البيوت مدمرة والشوارع منقلعة والوديان مسويّه بحر ثاني. ورحنا نطّمّن على أقاربنا وجيرانا ومعارفنا، وشفنا العجب، والأعجب انّه قصّة النبي موسى استوت مرّة ثانية في حارتنا! وقالوا رعاة الحارة انّه ميمونه العاقر حرمة عبدالرحمن الإنسان الطَّيب اللِّي يصليبنا في مسجد الحارة، قالوا انّه الله مدّها بالكرامات من خشعتها وقوة إيمانها.
كانت ميمونة ورجلها من الناس اللّي ما ودّروا بيوتهم وقالوا ان الحياة وحدة بو يموت اليوم ولا بويموت باكر تراها حياة وحدة، وأظني قالوا كذاك لانهم ما عرفوا هين يروحوا وأقاربهم بعيد وما حد يسأل عنهم.
ويوم اشتدّت العاصفة وزاد المطر وعرفوا الناس انه فيه إعصار اسمه جونو جاي سلّموا أمرهم إلى الله. كانت ميمونة وزوجها عبدالرحمن جالسين يحرصوا المجهول ورا جدار المطبخ، وقامت أصوات الريح تكبر وتعسف بكل شي، لا بقى خشب ولا حديد ولا شجرة. "شفنا نخل يطير"، قالت ميمونة، "ربع ساعة ولا نصّ ساعة وخلاف حلّت ظلمة سبعه وعشرين". "وما خزنا من مكانّا"، قال عبد الرحمن. ومن التعب وعدم التصديق والخوف ناموا في مكانهم، ويوم حلّ الصّبح شافت ميمونة منزّ في وسط حوش بيتهم، يسبح فوق الماي مثل القارب، وخاضت الماي اللي وصل إلى خاصرتها، وخافت في البداية، لكنها يوم شافت طفل راقد في المنزّ تشاهدت على وجهها.
وراحت أيّام وجات أيّام، وما حدّ سأل عن الطفل، وكلّهم قالوا انّه أهله كلّهم قتلهم الإعصار، وان الله أرسله إلى ميمونة وزوجها حتّى يكون آية وعبرة وعظة لأهل الحارة. وإلى يومنا هذا وبعدنا أكنّا تو قايمين من النوم واكنّه شي خطف قدّامنا شروى شيفة الحلم. 
ولا واحد في حارتنا صدَّق السالفة، لكنَّا بعدين صدقنا واحنا خايفين من اللي صار، ولمَّا وصلنا بيت ميمونة العاقر تشاهدنا على وجوهنا. سبحان الله؛ كان كل شي بينتهي، وكلنا كنا بنموت وما يبقى أحد ولا يبقى شي: لا في حارتنا ولا في البلاد كلّها. سبحان الله.
مارس 2008

10 ديسمبر 2015

سالم آل تويه في رواية «أيوب شاهين»… اللامنتمي والهجرة إلى الموت

يوسف حطيني


يطلّ العُمانيّ سالم آل تويّه على القارئ العربي برواية عنوانها «أيوب شاهين»؛ ليقدّم نموذجاً جيداً لرواية الشخصية، لا كما يشير عنوانها فقط، بل كما تشير أحداثها وعلاقاتها التي تتمحور حول أيوب، ولا تتيح للحكايات الصغيرة فرصةَ الظهور إلا بمقدار ارتباطها به.
أيوب اللامنتمي بالقوّة: البحث عن الجذور:
على مدى صفحات الرواية، حتى تلك التي تمتد عميقة في الماضي، يجتهد أيوب في الانتماء إلى بيئته عبر أقنومين إنسانيين خالدين هما الحب والإيثار، غير أنه لا يجني في أكثر الأحيان إلا الخيبة، يعمل حارساً للعيادة، كما يعمل خيّاطاً ليجني رزقاً يدّخره للآخرين، ويصوم عن الآخرين رغبة في تطهير النفس، وفي السمو بها إلى مصافّ الوجد الإنساني.
وحين يخوض أيوب تجربة الحب مع حميدة، يكتشف أنه يخوض معركة، هو فيها الطرف الأضعف، في مواجهة أهلها، فأصله من (مكران)، علماً أنه لم يرها في حياته، بينما ينتمي أهلها إلى سلالة شريفة (!!) يكشف السرد لاحقاً أنّها ليست كذلك.
ولعل طوفان النسيان الذي عاناه أيوب بالتزامن مع مرضه، مترافقاً مع ضعف الإدراك، أتاح لأيوب أن يعلن عن موقفه تجاه قضية الانتماء التي واجهته بقسوة قبل سنوات عديدة، لتقضي على مستقبل علاقته بحميدة، فقد «رفض يحيى بن صقر رفضاً قاطعاً مهيناً خطبته لابنته حميدة. كان على أيوب الإصغاء لتذكير يحيى بن صقر بأنه من مكران، وأنه ليس عربياً، ويجب أن يلتزم حدوده، ويعرف أن مقامه أضأل من أن يقترن بواحدة من هذه القبيلة النقية العرق».
وفي مواجهة هذا الاقتلاع من الجذور، وتحديداً في ذلك اليوم الذي تعرّض فيه أيوب ووالده لاحتقار يحيى بن صقر؛ إذ عيرهما بأنّ أصلهما من مكران، تولدت في نفسه رغبة في حرق العلم، وعلى الرغم من أن لا يعرف لنفسه وطناً آخر سوى الذي ولد فيه ونشأ.
مثل هذا العجز في بيئة طاردة، ولّد لديه لاحقاً (بعد أن أخذ المرض مداه في جسمه وروحه) حنيناً نحو جذور لم يكن يشعر بها، جذور تتسرب إلى (لا وعيه)، وتبرز في أوقات التجلّي، حيث تدفع التهيؤات ما استتر من المشاعر والدوافع في الباطن إلى ساحة الظاهر.
وفي مثل تلك الأوقات نرى أيوب، اللامنتمي بالقوة، يفزع إلى مكران، حيث يمكن أن يكتسب الانتماء بالفعل، وحيث يمكن أن يتزوج حميدة، في خياله فقط، ذلك أنه عجز عن القبول بعرضها حين اقترحت عليه الهرب الذي بقي يداعب لا وعيه، بوصفه فكرة حالمة للاجتماع بمن يحبّ.
المنتمي بالفعل: شبكة العلاقات الصغرى
إذا كانت قضية الانتماء قد وجدت في الحنين إلى مكران بديلاً روحياً في نفس أيوب، فإنّ شبكة العلاقات الصغرى شكّلت بديلاً مادياً، لم يبدُ في نطاق مواجهته مع ظرفه القسري الذي حرمه من حبيبته، ولكنه بدا متأخراً بعد مرض أيوب، إذ استطاع هذا الشاب من خلال طيب أفعاله أن يجمع حوله كثيراً من المحبين والأقارب الذين ازدحم بهم المستشفى، ليكون ذلك «جائزة ترضية» له قبل الوفاة. وإذا كانت اللطمة التي تلقاها الطبيب موهن من قبل دوست (زوج الخالة سكينة)، جزاء إهماله في علاج أيوب، أمراً لا تقرّه الأعراف الاجتماعية، فقد جاءت تعبيراً صارخاً عن مدى الحب الذي يحمله دوست في قلبه تجاه أيوب، وعن مدى الغضب الذي يحمله دوست، ومن معه، تجاه الإهمال والفساد اللذين أخّرا علاج أيوب، وأدّيا من ثم إلى وفاته.
لقد كان أيوب على علاقة طيبة مع الجميع، مع المعلّمة زمان، ومع الدكتور حسن الذي كان يتعاطف معه ويعالجه، ومع الخالة سكينة، ومع الأصدقاء، وقبل ذلك مع حبيبته حميدة، ومع أبيه وعمّه، ومع أمه التي لم يكن حضورها بارزاً، لا في سرده، ولا في حياته.
لم يبخل الأب بحضوره طيفاً، بعد غيابه واقعاً عن حياة أيوب، إذ ما زالت عينا أيوب «ترنوان إليه منذ أن لم يستيقظ لصلاة الفجر، ووجده ميتاً على فراشه في دعن الحوش»، وكذلك يحضر معه كل من الأم والأخ، في أكثر اللحظات صفاء وقدسية. ويطرح الروائي من خلال شخصية لقمان مراد عم أيوب نموذجاً ينتمي إلى شبكة العلاقات الصغرى في حياته، هو نموذج «الثائر المتمرد» الذي يعدّ أحد نماذج الشخصيات الجاذبة في السرد، ومن الطبيعي أن يجتذب لقمان ابن أخيه إلى أفعاله وأفكاره، فهو ينتمي إلى جبهة ثورية، وهو مثقف يتحدّث بلغات متعددة، وحريص على نقل تجربته وأفكاره إلى الآخرين؛ لذلك يتحدث أمام أيوب الصغير بالعربية الفصيحة التي يتقنها إلى جانب الإنكليزية والفارسية والأوردية؛ ولأنّ الروائي يدرك أبعاد هذه الشخصية الجاذبة، وأثرها في أيوب، فقد جعل مصيرها غامضاً، يليق بمحافظتها على ذلك الجذب، من خلال صوغ ثلاثة أخبار متناقضة حول نهايته، الأول يشير إلى أنه سجن خمسة عشر عاماً، ثم تم إعدامه بالرصاص، والثاني أنه أخلي سبيله بعد هذه المدة، والثالث أن تم إعدامه بالرصاص بعد أن تم اعتقاله بثلاثة أيام.
أما حميدة التي تنتمي إلى تلك الشبكة الصغرى من علاقاته، فقد بقيت على الرغم من زواجها الأقرب إلى التأثير في قلب أيوب وفي روحه، لأنها كانت أكثر منه جرأة، على مدى علاقتهما، وثمة إشارات سردية متعددة إلى جرأة حميدة، مقابل انكفاء أيوب، فهي تعطيه صورتها حين يأتي إلى بيتها حاملاً دشداشتي أرشد ومحمود، وهي تعرض عليه في آخر لقاء بينهما، بعد الرفض المهين لخطبته من قبل أبيها، أن يهربا معاً إلى صحار أو البريمي أو حتى مكران، وهي تنتقم من زوجها لاحقاً بإقامة علاقات جنسية متعددة، لأنه أخذها من حبيبها، وليس فقط لأنها صُدمت حين اكتشفت أنه شاذ جنسياً، وقد بقي حبّ أيوب يحفر عميقاً في قلبها، فهي حين تراه من دون أن يراها، وهو مريض، بينما كانت ترافق ابنة عمها نسرين التي خافت من هذا المجنون ذي الرأسين.
في إطار البيئة الروائية: الزمن والفضاء ووظيفة الهامش:
لقد قدّمت رواية «أيوب شاهين» أحداثها، بشكل عام، بطريقة تعاقبية، بدءاً من ظهور أعراض المرض على أيوب، وحتى وفاته، مع رصد تطور حالته، وانتقاله من عيادة البلدة إلى مستشفى إبرا، ثم إلى ديار الحق، يكتشف الطبيب الورم، ويشك به، فيحوّل أيوب إلى المستشفى، ولا يصل أيوب إلى المستشفى إلا بعد مئة صفحة (ص126 بالتحديد)، وإذا كان الروائي قد نجح في ملء تلك الصفحات عبر أحداث واستذكارات وإضاءات لها أهميتها ومسوّغاتها الفنية، فإنه بعد ذلك، خاصة بعد الزيارة الثانية للمشفى، يصبح السرد بطيئاً جداً، ويصبح كل استرجاع، على أهميته، معوّقاً لحكاية ينتظر القارئ إتمامها، ويصبح كل تفصيل من تفاصيل الفساد الإداري والروتين، على الرغم من ضرورة كشفه، عالة على السرد، ومبعثاً للسأم لدى القارئ.
على أن ما يحسب للروائي هو إفادته الذكية من نسيان أيوب وهذياته وتداعياته وتداخلاته، ليجعل من كل ذلك متّكأ فنياً ودلالياً لكثير من استذكاراته، إضافة إلى بعض الاستذكارات التي ألفنا أشباهها في السرد.
أما ما يتعلّق بالفضاء الجغرافي، فيلفت النظر أنّ الروائي كان مهتماً بتأثيث البيئة الصغرى المحيطة بأيوب، أكثر من اهتمامه بالبيئات الكبرى التي تحيط به، وهذا أمر طبيعي في رواية الشخصية، فنحن نقرأ تأثيث الغرفة التي يعيش فيها، حيث يهتم الروائي بوصف المذياع والمائدة والدراجة وغير ذلك.
وعلى صعيد الفضاء الطباعي استخدم الكاتب لغات متعددة في نصّه الروائي تعطي، بعيداً عن دلالتها، فضاء بصرياً مختلفاً عمّا ألفه القارئ العربي، كما استثمر الهامش استثماراً فعّالاً، وأناط به وظائف تفسيرية وسردية. وقد قدّم ذلك السرد عبر لغة تفيد من البعد الاجتماعي فيستخدم لغة عربية مكسّرة، نسمع بها، أو حتى نستخدمها في بعض الأحيان، من مثل الحوار الذي يجري بين أيوب والطبيب الهندي، ويستثمر الكلمات الشعبية في صياغة لغة وجدانية تلامس المجتمع المحلي، وينقل التقاليد المعروفة في مجتمع الرواية.

*كاتب فلسطيني