23 سبتمبر 2020

أحمد منصور الشَّاعر والناشط الحقوقي الإماراتي المعتقل: بلدان الخليج قَبَلِيَّةٌ بامتياز وأنظمتها غير منتخبة والخلاص في الديمقراطية والأجيال القادمة ستحمل بذرة الحرية

أحمد منصور: "سأصنع لكم شمسًا بيديّ/وأعلقها على شرفة قلبي"
  أستفيد من جوهر القِصَّة في الشعر والعكسُ صحيح
ترشَّحتُ لانتخابات المجلس الوطنيِّ وطالبتُ بالانتقال من "الاتِّحاد" إلى "الوحدة"!

حاوره في دبي: سالم آل تويّه
2006م
   
        أحمد منصور ناشط حقوقي وكاتبٌ وشاعرٌ من شعراء قصيدة النَّثر في الإمارات، ورغم أنَّه عضوٌ رئيسٌ في مجلة "رؤى" الأدبيَّة (1989-1991م)، وأحدُ مؤسِّسي جماعة "الشَّحَّاتين" الأدبيَّة في الإمارات (1989م)، أي رغم علاقته المبكِّرة بالكتابة، إلا أنَّه لم يصدر كتابًا- كباقي أقرانه الشُّعراء والقاصِّين الإماراتيِّين، فمجموعته الشعرية الأولى "أبعد من عدم" ستصدر في الأيام القليلة المقبلة.
    أكمل أحمد دراستَه الثَّانويَّة في رأس الخيمة، ودرس الهندسة الكهربائية في جامعة كولورادو بالولايات المتحدة الأميركية، وفيها نال شهادة البكالوريوس، ثم، وفي الجامعة نفسها، أنهى الماجستير متخصِّصًا في هندسة الاتصالات.
    نشر في أغلب الصُّحف المحليَّة في الإمارات، وفي بعض الصُّحف العربيَّة ومواقع الإنترنت.  وفي قصائده يشترك السَّرد واللُّغة في بناء الجملة الشعرية من خلال صورٍ تتقطَّع كمشاهد مركَّزة تتَّسع لتبني مشهدًا بانوراميًّا يُجذِّر الفكرةَ ويمنحها الحيويَّة، أو من خلال مقاطع يتنامى أثرُها باشتغالها على ما يُولِّده البسيط والعابر من حالاتٍ شعريَّة.

* بدأت تكتب قصصًا وأشعارًا منذ أواخر الثَّمانينيَّات عبر جماعة "الشَّحَّاتين" في إذاعة رأس الخيمة، ونشرة "رؤى".  هل لك أن تحدثنا عن أثر "الشَّحَّاتين" و"رؤى" في تأسيسك ككاتب؟، وتأثيرهما على مجايليك؟.
 
** تجربتنا الكتابية في أواخر الثَّمانينيَّات كانت تجربة مؤسِّسةً ومفعمة بالصَّدق والتَّحدِّي.  علاوة على ذلك كانت تمنحنا الحب اللازم للحياة.  لا أدَّعي الأن أنَّ ما كنتُ أكتبه أنذاك كان شعرًا خالصًا أو قِصَّةً خالصةً، لكنَّني أشعرُ الآن، وبعد مرور أكثر من عشرين سنةً، أن تلك الجذوة لم تَخْبُ بعد، وأن ما أكتبه اليوم من نصوص ما هو إلا نتاج تلك الرِّعشة الأولى، وذلك الدَّم الأول.  وإذا كان من أثر لتك الفترة خارج نطاق الإبداع الشَّخصي فإنه بلا شك في حالة التَّواصل الحميم والجميل الذي استمرَّ بيننا كأصدقاء منذ تلك الفترة؛ صحيح أن الحياة أخذت كلاً على حدة في مجاهلها وأدغالها، لكنَّنا أبقينا على علامة نتجمَّع حولها، تلك العلامة هي نارُ الشِّعر.
       في تلك الفترة كنَّا نكتب، ومن ثم نحتفي مع الأصدقاء بعد نشر المواد أو إذاعتها.  كانت المجموعة كبيرةً، أذكر على سبيل المثال الشَّاعرين أحمد العَسَم وعبدالله السَّبَب من جانب "الشَّحَّاتين"، ومن جانب "رؤى" الشَّاعر والسِّينمائيَّ إبراهيم الملا، والسِّينمائيّ مسعود أمر الله (الذي هجر الشعر كتابةً، لكنَّه ذهب الى عمقه في السِّينما)، والشعراء عبدالله عبدالوهاب، والشَّاعرة الهنوف محمد، وانضمَّ الى مجموعة الشعر هاشم المعلم، وآخرون اختفوا من المشهد الثَّقافيِّ لأسباب تبدو مبهمة.
       لقد كانت تلك التجارب، التي تحلو لبعضهم تسميتُها بالمجموعات الأدبية، مُحفِّزةً على الكثير من الرُّدود والكتابات من قبل أشخاصٍ كانوا يحترقون وحدهم في الظِّلِّ، ولم يجدوا من يُسندون إليه أرواحَهم الضَّاجَّة، إلا أنَّ هؤلاء ليسوا وحدهم مَنْ تحلَّقوا حول نار الشِّعر التي أخذت تتَّسع، ولكنَّ آخرين من الذين أشعلوا أصابعهم بالنَّار، كـ قاسم حداد، وأحمد راشد ثاني، وعادل خزام، وإبراهيم الحسين من السعودية، وغيرهم، أرادوا أن يُخبرونا بأنَّ طريق الجنَّة يبدأ من هنا؛ ومن هذه النَّار تحديدًا، وعلى إثر ذلك كتبوا معنا في "رؤى".

* ماذا عن مجموعتك الشِّعريَّة الأولى ("أبعد من عدم")؟، وهل ترى أنَّك تأخَّرت في النَّشر؟ وماذا تُمثِّل لك كتابةُ الشِّعر إلى جوار كتابة القصة؟. 
 
** مجموعتي الشِّعريَّة الأولى الآن في المراحل الأخيرة من عملية الإخراج، وربَّما تصدر قبل نشر هذا الحوار.  لن أتحدَّث عن المجموعة كثيرًا، لكنَّني سأكتفي بالقول إنني قمت بتجميع بعض النصوص التي كتبتها على فترات زمنية متقطِّعة ومختلفة؛ أقدمها يعود نشره إلى عام سبعة وتسعين من القرن الماضي (وربما قبل ذلك كتابة)، وآخرها في العام الفائت (2006م). 
      أمَّا عن تأخُّري في النَّشر فذلك حقيقة، لكنَّني لا أشعر باستياء تامٍّ من تلك المسألة؛ ففي االنِّهاية هذه الكلمات التي كتبتُها على ضوء شرارات تلك السِّنين ستئن تحت تروس آلة الطِّباعة،  وذلك لا يخلو بالضَّرورة من ألم، لكنَّ السَّبب الحقيقيَّ في تأخُّري هو كسلي الشَّخصيُّ وقلَّة كتابتي.
مع د. ماجدة عدلي مديرة مركز النديم لتأهيل ضحايا العنف بالقاهرة
 
      أمَّا بخصوص كتابة الشِّعر الى جانب القِصَّةِ فأعتقدُ أنَّني أستفيدُ من جوهر أحدهما في الآخر؛ فالخطُّ الدّراميُّ مثلاً ثيمةٌ رئيسةٌ في القِصَّة، لكنَّني أوظِّفه بشكل كبير في نصوصي الشِّعريَّة، كما أستفيد من اللَّمحة الشِّعريَّة في تفتيت الحدث الدّراميِّ في القِصَّة، لذلك فإنَّ مَنْ سيقرأُ قصائد المجموعة سيجد بروز الحالة الدّراميَّة في العديد من النُّصوص.  مؤخَّرًا بدأت في كتابة نصوص سردية حكائية شعرية، وربَّما أعمل لاحقًا على إصدارها في كتاب يحمل ذلك الطَّابع.  هذه الكتابةُ بالتَّأكيد هي استفادة من الشِّعر والقِصَّة معًا.

شاعرٌ يترشح للانتخابات!

* رشَّحت نفسك لانتخابات المجلس الوطنيِّ في الإمارات.  ما الذي دعاك إلى ذلك؟.
 
مع جمال عيد مدير الشبكة العربية لمعلومات حقوق الإنسان
** هذا سؤال مهم؛ لقد قمت بذلك فعلاً، مع يقني التَّامِّ من عدم الفوز.  وعلى سبيل الدُّعابةِ قلتُ في أحدِ اللِّقاءات التِّلفزيونيَّة، التي لم تُذعْ بالتَّأكيد (وأقول بالتَّأكيد لأنَّ اللِّقاء كان مع تلفزيون أبوظبي، وهو تلفزيونٌ رسميٌّ لا يمكنه أنْ يحتمَّل سقف الحُرِّيَّة الذي كنتُ أتحدث من خلاله)، عندما سألني المذيع عن أوَّل موضوع سأطرحه في أروقة المجلس الوطنيِّ حالَ فوزي في الانتخابات، فقلت:  سأطعن بنتيجة الانتخابات، لأنَّني متأكِّدٌ من عدم الفوز.  كان ذلك لغرض الدُّعابة، ولكنَّها دعابةٌ لا تخلو من يقين، فلماذا قمت بترشيح نفسي إذن؟!.

"الإنسان أولاً" والدُّستور المنتهك

        لقد فعلت ذلك لأنَّني كنت أيضًا على يقين أن هناك أمورا عدة لن يتمَّ التَّطرُّق إليها في أيِّ برنامج انتخابيٍّ لأسبابٍ عدَّة؛ فقد كان بعضُها يقع في دائرة المحظور أو المسكوت عنه، فقمت بترشيح نفسي لطرح وإثارة تلك الأمور من ناحيةٍ، ولتوعية من أستطيع الوصول إليه بهذه الأمور ليتمَّ تبنِّيها ومناقشتها في المجلس الوطنيِّ لما لها من حساسية كبرى من وجهة نظري.  بعض هذه الأمور التي تطرَّقت إليها في برنامجي الانتخابيِّ الذي كان شعاره "الإنسان أولاً" هو المطالبة بإزالة مصانع الإسمنت من محيط القرى السَّكنيَّة في رأس الخيمة، التي تسبَّبتْ ومازالت تتسبَّب في زيادة مطَّردة، وبشكل مخيف، في حالات الرَّبو المزمنة في تلك المناطق، وحالات السَّرطان التي أخذت تتزايد لتشكِّل هي الأخرى ظاهرةً، لكنَّني لا أستطيع أن أجزم بعلاقتها بوجود مصانع الإسمنت لعدم تواجد أيِّ دراسة علمية لديَّ تثبت ذلك، وذلك بالطَّبع لسبب بسيط، وهو عدم قيام المستشفيات أو الأطباء بإجراء دراسات في هذا الجانب حتَّى لا تدخل في جدل أو خلاف مع الحكومة من ناحيةٍ، ومن ناحيةٍ أخرى لعدم توافر الحُرِّيَّة الكافية للبحث وجمع المعلومات.  قضيَّة أخرى أثرتُها في برنامجي الانتخابي هي قضيَّة ضرورة احترام الدُّستور الذي يكتشف القارئ له العديد من الانتهاكات الصَّارخة التي ترتكبُها شخصيَّاتٌ من أعلى المستويات؛ خاصة من الوزراء، وبالذَّات المادة 62 التي تتحدَّث عن "عدم جواز الجمع بين أيِّ منصب وزاريٍّ وأيِّ عمل مهنيٍّ أو تجاريٍّ أو ماليٍّ، أو أن يجمع بين منصبه والعضويَّة في مجلس إدارة شركة تجاريَّة أو ماليَّة"، وهذا ما هو غير متحقِّق على أرض الواقع بشكل واضح وجليّ.

من "الاتحاد" إلى "الوحدة"
      كما طالبتُ أيضًا، في برنامجي الانتخابيِّ، بالتَّحوُّل من مرحلة الاتحاد من عمر الدَّولة إلى مرحلة الوحدة، وهذه مسألة حسَّاسة.  وشكَّك برنامجي الانتخابيِّ في جِدِّيَّة الحكومة في التَّعامل مع ملف الخلل في التَّركيبةِ السُّكانيَّة، في الوقت الذي تقوم فيه- الحكومة- ببناء كمٍّ هائلٍ من المدن السَّكنيَّة والتِّجاريَّة أكبر بكثير من عدد سكَّان الدَّولة من أبناء الإمارات ربَّما للعشر سنوات القادمة على أقلِّ تقدير.  زِدْ على ذلك مبدأ التَّملُّك الحُرِّ الذي يسمح للأجانب بتملُّك العقار بشكل كامل، ومن دون مدَّةٍ زمنيَّة محدَّدة!، فكيف نقول- من ناحيةٍ- إنَّ الخلل في التَّركيبة السُّكَّانيَّة خطرٌ يُهدِّد أمن المجتمع من ويرقى لأن يكون خطرًا يُهدِّد أمن الدَّولة، ثم- من ناحيةٍ أخرى- نقوم بعد ذلك بكلِّ تلك الأمور!.  هذا ما يُدهشني في المسألة، وأعتقدُ أنَّ المسألةَ لا تتعدَّى منطق المصالح قصيرةِ النَّظر.

* هل هناك جدوى من الفوز؟.
 
من اليسار لليمين: أحمد منصور، محمود عبد الفتاح، سالم آل تويّه
** إذا بقي الوضع الرَّاهن على ما هو عليه ولم تتغيَّر الأمور بشكل حقيقيٍّ وجذري، فإن الإجابة وبشكل بسيط هي لا؛ لا توجد جدوى من الفوز سوى الحصول على راتبٍ جيِّدٍ ومضمون مدى الحياة، فتشريعات المجلس الوطنيِّ الحاليِّ استشاريةٌ غير ملزِمة ومفرَّغةٌ من روح العمل النِّيابيِّ والدِّيموقراطيِّ الحقيقيِّ، وآمل أن يقوم الأخوة المنتخبون بتغيير ذلك الواقع، لكنَّني أرى أن المسألة صعبةٌ للغاية، إن لم تكن مستحيلةً في ظلِّ المعطيات الرَّاهنة.

الأسماء المستعارة والملاحقة والهاكرز!

* الملاحظ في الخليج عمومًا، وفي السَّنوات الخمس الماضية على وجه الخصوص، انخراط عدد من الكُتَّاب في الكتابة حول موضوعات حقوق الإنسان، سواءٌ أبأسمائهم الحقيقية أم بأسماء مستعارة، وذلك على مواقع الإنترنت.   وتوجد لديكم تجربةٌ إماراتيَّةٌ تتمثَّل في موقع "مجان" الذي اشتهر بتوجُّهه النَّاقد لبعض الأوضاع الاجتماعية والاقتصاديَّة والسِّياسيَّة في الإمارات عمومًا، وفي رأس الخيمة خصوصًا.  في رأيك هل تُمثِّل هذه المواقع ظاهرةً صِحِّيَّةً؟، وما الذي يدعو كُتَّابًا كثيرين الى الكتابة بأسماء مستعارة؟.
 
** هذا صحيح؛ لقد ازداد الوعي بمسألة حقوق الإنسان بشكل عامٍّ، وأصبح ذلك هاجسًا لدى فئة كبيرة من المثقَّفين والكُتَّاب.  بنظري:  إن هناك أسبابًا عديدة أدَّت الى هذه الفورة إن شئت؛ فقد اضمحلَّت الحدود بمعناها التَّقليديِّ، وأصبح الوصولُ إلى مراكز المعلومات أكثرَ سهولةً عبر شبكة معقَّدة من الأسلاك والحواسيب.  تلك المعلومات المتدفِّقة بشكل هائل كانت بالضَّرورةِ مقنَّنةً في السَّابق عن طريق الرَّقيب.  كلُّ ذلك ساعد في الوصول الى المعلومة من ناحيةٍ، وفي التَّواصل مع الهيئات الحقوقيَّة والمنظَّمات الدَّوليَّة من ناحيةٍ أخرى، كما أن هذه الشَّبكة العنكبوتيَّة الضَّخمة تُتيح للبؤساء مساحةً للصُّراخ فيجدون من يتضامن معهم من خارج الحدود.  وذلك حدث أكثرَ من مرَّة، ويبدو لي أن ما حدث للشَّاعر عبدالله الرِّيامي كان دليلاً على نفاذيَّة هذه الشَّبكةِ عبر الحدود.
        هذا بالتَّأكيد جانبٌ، لكنَّه ليس الجانبَ الوحيدَ أو الأوحدَ في المسألة، فهناك مسألةٌ أخرى شديدة الحساسيَّة من وجهة نظري، وتتمثَّل في استفحال الظَّاهرة الرَّأسماليَّة الفجَّة في مجتمعاتٍ أخذتْ معها الطَّبقةُ المتوسِّطةُ تنزلق ناحيةَ الفقر، وهو ما أدى إلى تفاقم الفساد والبطالة، وأحيانًا العَوَز؛ هذا طبعًا يحدث في الوقت الذي تستقطب فيه هذه الدُّول الخليجيَّة استثماراتٍ بالمليارات، وتتباهى أمام العالم بالوضع الاجتماعيِّ والاستقرار السِّياسيِّ لأبنائها، وتقوم بتقديم هبات سخيَّة في الكوارث حتَّى لأكبر اقتصادٍ عالميٍّ!، إلى ما هنالك من أمور يعرفها الجميع.
       على إثر كلِّ ذلك أخذ الإنسان يتساءل عن فحوى العدالة الاجتماعيَّة وتوزيع الثَّروات، في دولٍ (تعتدُّ) أمام العالم بأكمله بوضعها الاقتصاديِّ، ثمَّ كيف يمكن لشيءٍ كهذا أنْ يتواجد في ظلِّ حكوماتٍ لا ديموقراطيَّةٍ في الأساسِ، ولا تستمدُّ شرعيَّتها من الدَّاخل، وهي غيرُ مساءلةٍ في أيِّ شأنٍ من شؤون إدارة الدَّولة؟!.
      لقد رمت هذه الأسئلة الكرةَ مجدَّدًا في ملعب الدِّيموقراطيَّة (وهو مطلبٌ رئيسٌ وعريقٌ لكلِّ الشُّعوب، وليس لنا أن نقرنه بأيِّ حال من الأحوال بالخارج كمتطلَّب)، وبما إنَّ الدِّيموقراطيَّة كمفهوم (وليس بالضَّرورة كممارسة!) تحمل في داخلها متطلَّبات حقوق الإنسان الرَّئيسة، فقد عمل العديد من الكُتَّاب والمثقَّفين على إثارة هذه الأمور ضمن إطارِ هدفٍ أوسعَ وهو الدِّيموقراطيَّة.
       أمَّا عن ظاهرة الكتابة بأسماء مستعارةٍ فذلك لأنَّ الكتابة بالاسم الصَّريح في بعض الدُّول العربيَّة، ومنها الخليجيَّة، تُعَدُّ من أسهل الوصفات للاعتقال والمساءلة، وربَّما للهروب من ذلك، ولكسب المزيد من الوقت لطرح هذه الأمور، وإيصالها إلى أكبر شريحة ممكنة، يلجأ الكثير منهم الى الكتابة بأسماء مستعارة.
       تجربة منتدى "مجان" في رأس الخيمة تجربةٌ جديرةٌ بالاهتمام، فقد استطاع هذا المنتدى بالذَّات الوصول إلى شريحة كبيرة من المجتمع في رأس الخيمة على وجه الخصوص، والإمارات وخارجها بشكل عامّ.  وقد تم إقفال المنتدى أكثرَ من مرَّة من قبل الحكومة المحلِّيَّة، وتمَّت ملاحقة صاحبه قضائيًّا عدَّة مرَّاتٍ، وهاجمه الهاكرز أكثر من مرَّة بإيعازٍ من قبل أشخاصٍ معيَّنين.  كلُّ ذلك بسبب الطَّرح الجريء الذي تبنَّاه المنتدى في طرح قضايا الإمارةِ (رأس الخيمة) المختلفةِ بشكلٍ شفَّاف وصريحٍ، (على الرَّغم من أنَّ بعضَهم استغلَّه لتصفياتِ حساباتٍ وأغراضٍ غيرِ مهنيَّة، لكنَّ ذلك لم يُشكِّلِ الظَّاهرة الأبرزَ للمنتدى).  أغلب كُتَّاب المنتدى يكتبون بأسماء مستعارة للأسباب التي تحدَّثنا عنها، ولم تقمِ الحكومة المحلِّيَّة بإزالة الحظر عن المنتدى إلا بعد أن تمَّ الاتِّفاقُ على تزويدهم (أي الحكومةِ) بأرقامِ الـ IPs (أي أرقام برتوكول الإنترنت) حتَّى يمكن تعقُّب "المسيئين" عند الطَّلب.  وما حدث هنا له موازٍ لما يحدث في عُمان من محاكمةٍ لفريقِ "السَّبلة العمانيَّة".
      إذًا ظاهرة الأسماء المستعارة بحدِّ ذاتها ليست ظاهرةً صِحِّيَّةً في الأساس، لكنَّها إفرازٌ منطقيٌّ وطبيعيٌّ لوجود حكوماتٍ تعسُّفيِّةٍ لا تُؤمن بحُرِّيَّةِ الرَّأي والكلمةِ وكشف المستور.  هي، إذًا، من وجهة نظري طريقةٌ للالتفاف قد تؤدِّي الغرضَ المطلوب منها مرحليًّا، ولكنَّها يجب ألا تبقى كذلك لزمنٍ طويل.

خليجٌ قَبَلِيٌّ وأنظمةٌ غير منتخَبة

* هل تعاني بلدان الخليج من انتهاك حقوق الإنسان؟، وهل هي بلدانٌ مدنيَّةٌ، كما تزعم دائما، أم بلدانٌ قَبَليَّة؟، وما الحلول للخروج من هذه المآزق، أم أنَّها أنفاقٌ مظلمةٌ بلا نهاياتٍ ولا بصيصِ أمل؟.
 
أحمد منصور: هل توجد حرية تعبير وحقوق إنسان في دول الخليج؟!
** ربَّما تستوجبُ الإجابةُ عن هذا السؤال تحديدًا ذكرَ بعض مفردات حقوق الإنسان كما جاءت في المواثيق الدَّوليَّة، ومن ثم قياسها بالممارسات الفعليَّة لبلدان الخليج، فالعيشُ بكرامةٍ، وحُرِّيَّةُ الرَّأي والتَّعبير، والأمانُ الشَّخصيُّ، والحمايةُ من التَّمييز وعدم المساواة، وتداولُ المعلومات، والمحاكمةُ العادلة، والحمايةُ من التَّعذيب، والحقُّ في التَّجمُّع السِّلميِّ، وغيرها من الحقوق التي تكمل بعضَها بعضًا وتضمن الكرامة الإنسانيَّة، كلُّ تلك المفاهيم تنضوي تحت مفهوم حقوق الإنسان، فهل ما تمَّ سردُه هنا من أمثلة متواجدٌ في دول الخليج؟!.  في نظري إنَّ سبب كلِّ ذلك يرجع إلى عدم وجودِ أنظمةٍ ديموقراطيَّةٍ منتخبةٍ في الأساسِ، ولو أنَّ الانتخابات الدِّيموقراطيَّة وحدها لا تمنح صكًّا مجَّانيًّا لضمان كافَّةِ حقوق الإنسان، إلا أنَّها الأقربُ إلى تحقيقها وتجسيدها على أرض الواقع.
      أمَّا بخصوص ما إذا كانت دول الخليج بلدانًا مدنيَّةً أم بلدانًا قَبَليَّةً، فالمنهج العلميُّ في التَّقصِّي يفرض علينا القول إنَّها بلدانٌ قَبَليَّةٌ بامتياز، وإنْ وُجِدَ بها بعضُ المؤسَّسات المدنيَّة فإنَّها إمَّا غيرُ مُفعَّلةٍ وإمَّا غيرُ مستقلَّة، وبهذا تفقد جدوى وجودها في الأساس. أمَّا أين يكمن الخلاص فبنظري يكمن بتواجد ديموقراطيَّاتٍ منتخبةٍ في هذه البلدان، دون الدُّخول في لعبة الخصوصيَّات؛ حيث يبدو ذلك الطَّرحُ طريقةً لتملُّص الأنظمةِ العربيَّةِ من طرحٍ جادٍّ وحقيقيٍّ للدِّيموقراطيَّة، ولكنْ ما إمكانية حدوث هذا التَّحوُّل في ظلِّ الأوضاعِ الرَّاهنة؟.  هذا سؤالٌ صعبٌ ومتشعِّبٌ، ولكنَّني أُؤمن بأنَّ هناك أجيالاً قادمةً ستحمل بذرةَ الحُرِّيَّة في داخلها، وهي التي ستحمل التَّغيير، أمَّا جيلُنا هذا فلن يرى ذلك النُّور على الأرجح.
 
أجريتُ هذا الحوار عام 2006 في دبي، أما الصور فقد التقطت إحداها في القاهرة والبقية في الفيّوم (2007) في أثناء دورة "خدمة قضايا حقوق الإنسان عبر الإنترنت" التي أقامتها الشبكة العربية لمعلومات حقوق الإنسان. نُشر الحوار في منتدى "فرق" قبل سنوات ثم هنا في "مراحين" في أبريل ٢٠١١، وأعيد نشره الآن تضامنًا مع صديقي العزيز الناشط الحقوقي والشاعر أحمد منصور المعتقل الآن في زنزانة انفرادية في سجن الصدر في بلاده الإمارات. آخر الأخبار المنشورة عبر منظمات حقوق الإنسان تؤكد تدهور صحة أحمد. اللعنة على الأوغاد السفلة الذين تعنتروا عليك يا أحمد وهم صغار ناقصون دكتاتوريون دائمًا وأبدًا وأنت تلقنهم أعظم الدروس، أنت أقوى منهم وإلا لما سجنوك ظلمًا وزجوا بك في زنزانة انفرادية. في انتظارك يا أحمد، ليَغِبْ غيابُك وتدن طرقتك من باب بيتك وزوجتك وأبنائك. إليك هناك في المعتقل أمل كبير تحمله رسالة لا يراها حراس الضغينة ومربو البطش، وأنت وحدك فقط تخبئها في قلبك وتتأهَّب للعودة القريبة إلى أحبابك. 

27 ديسمبر 2018

نشكو إليكَ

إلى صديقي العزيز كامل شيَّاع الذي اغتيل في بغداد في 23 أغسطس 2008م

م. ج. حمَّادي

(2014-1964)

الفنان الراحل  في أثناء زيارة لمسقط  (تصوير: سالم آل تويّه)
أبطالُ كاتماتِ الصَّوتِ
يتربَّعونَ فوقَ عُرُوْشٍ
مهترئةِ الجذورِ مِنَ الجفافِ وشَحَّةِ المطر
وعلى الضِّفافِ من نهرِ الفُراتِ حيثُ تَجمَّعَ الأطفالُ الحُفاةُ
وحيث يَلتهِمُ الصَّمتُ بقايا التَّذكُّرِ ويَزحَفُ كسلاحِفَ أزمانٍ غابرةٍ
جَلَسَتِ الأُمَّهاتُ بسوادِ اللَّيلِ يَنْدِبْنَ
من آماقٍ مشدودةٍ.. تفوحُ بحرارةِ الدَّم
ما حلَّ بنا من فواجِعَ
ونكوصٍ في رِقَّةِ المعنى وعودةِ الإنسانِ
يَرْشُشْنَ الماءَ على قبورٍ تتراصُّ كلَّ صباحٍ مثلَ فيالقَ راقدةٍ
ينشُدْنَ تراتيلَ معابدَ ممزَّقةِ الأردانِ والأزياقِ
يتواصلنَ في نُواحِهِنَّ عن رجالٍ شجعانٍ.. عَنِ القتلى في الطف وشوارعِ بغداد
فكأنْ لا لُقيا تَحدُثُ عَقِبَ المنافي
إلا مع هذه الرَّملةِ التي تحتجِزُ الكونَ بالصُّفرةِ ورائحةِ القبرْ
فمَنْ يُريدُ أنْ يتغيَّرَ
ويسمو بروحِهِ الثَّكلى كأغصانِ زيتونةٍ محترقةْ
فليَمُدَّ الجسدَ قريبًا.. وأكثرَ ممَّا يتصوَّرُ
في العدمِ الكُلِّيِّ
أين ترتَعُ أرتالُ الصُّمِّ البُكْمِ.. متغيِّري الوجوه.. أقلّ من عضايا مجاعةٍ قاهرةْ
أين يُجْمَعُ دُخانُ فوَّهاتِ البنادقِ
داخلَ كهوفِ آرائهم المختمِرَةِ على تراكُمِ الدِّماءِ
من أجلِ البسالةِ وتاريخِ المجدِ الضَّائع
أبطالٌ مسومونَ بالخناجرِ وكاتماتِ الصَّوتِ
يُهيِّئونَ مجدَ هولاكو على أهراماتٍ تسيلُ دِماؤها كخيوطِ العناكب
وتسطُعُ عليها شمسُ غروبٍ مُرْهَقٍ بالنَّحيب
إذْ تَصْفِرُ خَلَلَ المحاجرِ الفارغةِ كرُعْبٍ كونيٍّ لا تتمثَّلُهُ الأرض
رياحُ الجهاتِ الأربعْ
وضمن مَيَلانِ الضِّياءِ بألوانٍ قانيةْ
تمتدُّ الظِّلالُ وتسكُنُ على الصَّرائفِ والبيوتِ الخَرِبَةِ
كأنَّ كلَّ هذه المتشبِّثةِ إحداها بالأخرى بسلاسلَ صدِئةٍ
تمائمُ يُعلِّقُها الضِّياءُ على الهواءِ
فلنتباركْ إذنْ مثلَ أشجارِ الأثْلِ وقوفًا
ما بين القُطْعَانِ وهي ترعى أفكارَ أحزابٍ موهومةْ
وترعى أعلافَ الجرائدِ والصَّديدِ الأهوجِ
بعدَ أنْ صُبَّ عليها زيتُ القرونِ ومُخلَّفاتُ التَّتر
كذلك على هدايا مُسيِّري طاقمِ القَتَلَةِ
يحلُمُونَ مُجدَّدًا بدولتِهم، البدو الفاشست، والعالمُ
يتفتَّتُ.. يحترِقُ في أروقةِ التِّيهِ البيضاءَ، ومَنْ لا يُدرِكُ هذا؟
يحلُمُونَ بالقيادةِ والقائدِ المُعمَّدِ بأصنافِ جحافِلِهِ
على الحدودِ وممرَّاتِ الهواءِ في "الأهوار وحلبجة"
يحلُمُونَ ببائعي الأعلافِ "والجت" ضِدَّ مجاعاتِ الأغنامِ والماعز
ثمَّ نأتي إليكَ مُطأطِئي الرّؤوس
يا صديقًا باعَدَتْهُ عنَّا
مسافةٌ مِنَ الرَّملِ والحجارةِ النَّديَّةْ
مسافةٌ لا يَختَرِقُها العويلُ ولا صدى التَّفجيراتِ المُتكرِّرةِ
مُكلَّلين بما لا نعرِفُ كحيواناتِ الغابِ والنُّسورِ الجائعةِ
نشكو إليك الغدرَ وسياسةَ الوجهين
وبقايا حُثالَةِ القَتَلَةِ وما جرُّوا من قبلُ ومن بعد
من مآسٍ على الشَّعبِ المسكين
نشكو إليكَ الأخوين على المقاعدِ من مدنٍ مُسوَّرةٍ
بعيدًا عن المشاعِلِ الجوَّالةِ كوَضَحِ النَّهار
يتقاتلون على أطنانِ الزَّيتِ والزِّفتِ
على ما تأكُلُهُ الطَّيرُ من قِحافِ الجماجِمِ
يتباركون كالممسوسينَ بانتظارِ الجولَةِ القادمة
نأتي إليكَ لنُصحِّحَ أخلاقَ المُلثَّمينَ بخناجِرِهِم المعقوفةِ إلى الوراء
ونُنقِذَ ما تبقَّى قبلَ أنْ يَتِمَّ الالتهامُ العظيمُ لكيانِ البساطة
فجلستَ أنتَ مثلَ مُعلِّمٍ قديمٍ لا يُعَدِّدُ أمجادَهُ أمامَ تِلالِ الرِّمال
جاء عبرَ الخِلافِ والزَّمنِ
يَضَعُ حِجارةً فوقَ أخرى
مُتأبِّطًا الأوراقَ وبطاقاتِ التَّموينِ
في شوارِعِ "الوركاء" و"أريدو"، و"أُوْر"
جالسًا في هَمِّهِ المُغرِقِ خلف الضِّياءِ
مثلما جَلَسَ السَّومرِيُّ على أعتابِ السَّماءِ
يَخُطُّ للآلهةِ جُمَلَها الأُولى على الغَرين
يُرَتِّبُ أحجارَ الطِّينِ واليقينِ الأرضيِّّ
إشارات على خُطى تقدُّمِهِ داخِلَ الذِّكرى
بينَ العوسجِ وأعذاقِ النَّخيلِ والقصبِ والبَرْدي
لكنَّنا جئنا بلا حُظوظٍ في مواطنِ الأعرابِ الأقْحاح
يأكُلوننا من أربعمئةٍ وألفِ عامٍ كثمرِ الطَّلْعِ
وما زالوا يستثمرون على أطرافٍ عاريةٍ فوقَ الرَّمل
يَشْغَِلوننا في القتلِ
واللُّصوصُ منشغلون بحَفْرِ الأرض
وما يَعترِفُ به النَّاسُ: الدَّمُ الأسودُ
يستلقي وسطَ البحرِ النِّيليِّ تنوحُ عليه الأساطيلُ
قُرْبَ أُمَّةٍ تَستعْبِدُ نفْسَها طوعًا من طولِ زمنِ الخوف
تنامُ بانتظارِ بزوغِ القمر
***
وخلْفَ الأسوارِ تُمْطِرُ السَّماءُ:  هذا هو الصَّيفُ الماحِلُ ينزِلُ.. عندَ أسفلِ النَّافذةِ، وكانتِ الأعشابُ تنمو، خضرةٌ يانعةٌ، بهجةٌ حقًّا، تَهَبُ الرُّوحَ نصيبًا آخر. واكتشفتَ- يا محاربًا نادرًا- أنَّ هناك موازينَ أخرى مِنَ الفهمِ الدِّمُقراطيِّ.. يتحوَّلُ فيها العدوُ بعيدًا عَنِ المُناكَدَةِ، إلى صديقٍ هَمُّهُ أنْ يُصْلِحَ أخطاءَهُ، ضِمْنَ روحِ العراقِ القديم، ضِمْنَ التَّسامحِ العظيم.. ضِمْنَ "سومر"؛ فكأنَّ هذا الفعلَ الإنسانيَّ الخطيرَ ما يَشْغَلُ بالَ العُتاةِ، أحفادِ جموعِ البدوِ؛ فقرَّروا أنْ يقتلوكَ، أنْ يمسُّوا جسدًا، يُطْلِقوا روحَكَ، حُرَّةً إلى الأبد. تَشارَكْنا تَبَدُّلَ السَّاعاتِ والنُّواحَِ تحتَ رحمةِ الغَسَقِ، فلن يَقلعوا الذَّاكرةَ؛ الملايينُ تنتظِرُ. لن يقلعوا الصُّورةَ التي تشرَّبها الماءُ، وجَرَى بها هناك بعيدًا.  أين النَّخيلُ والمُدُنُ العتيدةُ، ينابيعُ المطر.
***

جلستُ أرقُبُ خاتمةَ المساءِ
لا قلبَ لي ولا عقلَ، فأنا في شحوبٍ "كامل"
جسدي ينحَلُّ في عمقِ رائحةِ التُّرابِ
وتَخِفُّ روحي من وطأةِ الألم
أُحاوِلُ أنْ أغفِرَ
فكلُّ هؤلاءِ الخُطاةِ بأرواحٍ متخشِّبة
سوف تلتهِمُهُمُ الأرضُ
رأفةً وغفرانًا لإبعادِ كيانِهِم الزَّائلِ
وفي الأُفُقِ البعيدِ
حيثُ يتصاعَدُ اللَّهبُ كان قلبي
قلبَ فتًى عاشقٍ
تَشُبُّ فيه النَّار
ويضيعُ في منفى السَّماء
رمادًا قانيًا
يغورُ في الامتزاجِ
السَّحيقِ الدَّائم
***

انْظُرْ.. آهٍ انْظُرْ
البُلْبُلُ العراقيُّ يُنْشِدُ خلفَ أسوارِ الشَّوكِ هناك في اكتظاظِ خضرةِ النَّخيلِ وسِدْرَةِ المُنتهى
يُسْمِعُ غناءَهُ مُهَجًا قد نَسِيَتْ
أنَّ هناكَ قادمًا ثانيًا.. سيأتي.. ويأتي بعدَهُ أيضًا..
سيقِفُ مليًّا واللَّيلُ يتغلغلُ في ثنايا الثِّيابِ
يستمِعُ إلى الغناءِ الهيمانِ الصَّادحِ كيف سيَطوي القِفَارَ
مُتعجِّبًا من هذهِ الأجسادِ المريرةِ والرَّمادُ
يتأمَّلُ في اتِّساعِ خيالِهِ:
أنَّ تغيُّرَ العالَمِ احتمالٌ قائمٌ
وعرائشَ الرَّبيعِ تصطفُّ كراقصي حفلٍ
يتنعَّمون فوقَ الشُّرفاتِ بمرورِ الهواءِ
وبوقوفِ الأحِبَّةِ تُشِعُّ في أقداحِهِمْ ينابيعُ الضِّياء.

فنان وشاعر عراقي

01 فبراير 2016

قصة قصيرة بالعامية العُمانية: أمّ موسى

سالم آل تويّه


ولا واحد في حارتنا صدَّق السالفة، لكنَّا بعدين صدقنا واحنا خايفين من اللي صار، ولمَّا وصلنا بيت ميمونة العاقر تشاهدنا على وجوهنا. سبحان الله؛ كان كل شي بينتهي، وكلنا كنا بنموت وما يبقى أحد ولا يبقى شي: لا في حارتنا ولا في البلاد كلّها. سبحان الله.
كنت مع أبوي ماشيين السوق، ويوم اشترينا سمك قالِّي أبوي: يا ولد روح جيب كرتون وشلّ الصيد خلِّيه في دبّة السيارة. ورحت واشتريت كرتون بميتين بيسة من ولد أصغر مني كان جالس تحت سمرة حيت دكاكين بياعين الخضار، وما صدقت يوم سمعت واحد يقول: أحسن لكم تروحوا، تراها الدنيا بتحتشر. قلت في نفسي: أكيد هذا واحد مخرّف، ودفعت فلوس الولد، وشليت الكرتون وسحبت عمري، ولما وصلت عند أبوي شفته واقف وفي يدينه سمكتين وكيسة قاشع. خلّيت الكرتون على الأرض، وخلّى أبوي السمكتين والكيس داخل الكرتون، وقالِّي: خلِّي الكرتون في دبة السيارة. وبعد ما وصّلت الكرتون وسكّرت عليه الدبَّة سمعت أبو مرهون راعي دكّان البن يخرّف سليّم بو يبيع القت وعندهم حمود الشّحّامة راعي سمك المالح وناس ثانيين ما أعرفهم أظنّي جايين يطحنوا بن، انزين سمعت أبو مرهون يقول: الله بحسن الخاتمة. وقال واحد شايب: لا تعاقبنا يا رب. والحلاق الهندي كان يكلّم باكستانيين وكلّهم خايفين بس الحلاق قال انه اليوم بيحلق بلاش حال كل حدّ، وانه ما يبغى شي في الدنيا إلا انّه يرجع الهند ويشوف ولاده وحرمته مرة ثانية.
وبعد هذا حتى أنا خفت، ومشيت بسرعة، ودورت أبوي، ويوم حصّلته قلتلّه:  يقولوا انه علامات الساعة قامت وانه الدنيا بتحتشر!  قال لي أبوي وهوّه يدحّر عيونه فيّ: وهيش نابه بعد؟ تو بعدك عمرك خمسة عشر سنة ومنسبّ كرتون فيه سمكتين بتحتشر الدنيا؟ الخطرة بشلّ الصيد وحدي. أنا أحب أبوي بس هوّه شويّه قاسي ويهايني أمزح ولَّا ما عاجبنّي أجي معه السوق.  قلتلّه: يا أبوي تراه كل النّاس في السوق يقولوا انه الدّنيا بتحتشر.
غلا أبو حجاجينه وضيق عيونه مستهزي: "يا الله خلا" صرخ في، وتبعته، وركبنا السيارة، وفي الطريق بان عليه أكنّه ناسي شي ولا انّه تذكّره؛ قال:  حميد! أظني كلامك فيه شي من الصدق! وشاف على السّما وقال: عسى ما يقسّوا علينا، ولا أقولّك أحسن يقسّوا علينا فهالسّوالف ولا يكون كلامهم صحّ. ورن تلفونه رنَّة رسايل، وعطاني تلفونه وقالِّي أقرا بومكتوب في الرسالة، وقريت: إعصار مدمّر في طريقه إلى عمان. وبديت أفهم خوف الناس في السوق، وكلامهم عن الدنيا اللِّي بتحتشر.
ولمّا وصلنا البيت ما واحينا نخلّي بوشتريناه إلا والخبر منتشر في الحارة كلّها، وبعد يومين قالوا لنا لازم نخلي المنطقة لأن حارتنا ما بعيد عن البحر، وقاموا الناس يلمّوا أغراضهم ويودّروا بيوتهم وكل حدّ يروح مكان، بو راح المدارس يتخبّا وبو روح البلادين، واحنا رحنا البلاد، لأنهم قالوا انه الإعصار يجي حال المناطق القريبة من البحر بس.
كان الجو خلاص بادي يتقلّب؛ مرة أسود، مرّة رمادي، والسحاب يزيد أكنّه تو بيطيح السيل، ودرجة الحرارة نزلت، وزادت سرعة الرّيح وصار صوت أوراق الأشجار ينسمع من بعيد مثل موج البحر.

2

يومين في البلاد كنا نتابع التلفزيون. الحمد لله كنا بعيد عن الخطر لكن بوشفناه في التلفزيون كان أكنّه فيلم. أبوي وامّي وخوتي الكبار قالوا انّه بوستوى ما استوى. 
رجعنا مسقط وشفنا البيوت مدمرة والشوارع منقلعة والوديان مسويّه بحر ثاني. ورحنا نطّمّن على أقاربنا وجيرانا ومعارفنا، وشفنا العجب، والأعجب انّه قصّة النبي موسى استوت مرّة ثانية في حارتنا! وقالوا رعاة الحارة انّه ميمونه العاقر حرمة عبدالرحمن الإنسان الطَّيب اللِّي يصليبنا في مسجد الحارة، قالوا انّه الله مدّها بالكرامات من خشعتها وقوة إيمانها.
كانت ميمونة ورجلها من الناس اللّي ما ودّروا بيوتهم وقالوا ان الحياة وحدة بو يموت اليوم ولا بويموت باكر تراها حياة وحدة، وأظني قالوا كذاك لانهم ما عرفوا هين يروحوا وأقاربهم بعيد وما حد يسأل عنهم.
ويوم اشتدّت العاصفة وزاد المطر وعرفوا الناس انه فيه إعصار اسمه جونو جاي سلّموا أمرهم إلى الله. كانت ميمونة وزوجها عبدالرحمن جالسين يحرصوا المجهول ورا جدار المطبخ، وقامت أصوات الريح تكبر وتعسف بكل شي، لا بقى خشب ولا حديد ولا شجرة. "شفنا نخل يطير"، قالت ميمونة، "ربع ساعة ولا نصّ ساعة وخلاف حلّت ظلمة سبعه وعشرين". "وما خزنا من مكانّا"، قال عبد الرحمن. ومن التعب وعدم التصديق والخوف ناموا في مكانهم، ويوم حلّ الصّبح شافت ميمونة منزّ في وسط حوش بيتهم، يسبح فوق الماي مثل القارب، وخاضت الماي اللي وصل إلى خاصرتها، وخافت في البداية، لكنها يوم شافت طفل راقد في المنزّ تشاهدت على وجهها.
وراحت أيّام وجات أيّام، وما حدّ سأل عن الطفل، وكلّهم قالوا انّه أهله كلّهم قتلهم الإعصار، وان الله أرسله إلى ميمونة وزوجها حتّى يكون آية وعبرة وعظة لأهل الحارة. وإلى يومنا هذا وبعدنا أكنّا تو قايمين من النوم واكنّه شي خطف قدّامنا شروى شيفة الحلم. 
ولا واحد في حارتنا صدَّق السالفة، لكنَّا بعدين صدقنا واحنا خايفين من اللي صار، ولمَّا وصلنا بيت ميمونة العاقر تشاهدنا على وجوهنا. سبحان الله؛ كان كل شي بينتهي، وكلنا كنا بنموت وما يبقى أحد ولا يبقى شي: لا في حارتنا ولا في البلاد كلّها. سبحان الله.
مارس 2008