23 أبريل 2011

المرضى بلقب (شيــــــــــــــخ)

                                              عادل الكلباني

       منذ أن قامت الحكومة بتوزيع الألقاب في المجتمع العماني منذ أكثر من نصف قرن كوراثة من كابر عن كابر كما يدعون للحفاظ على ما يسمونه بالتسلسل القبلي، بمعنى أن أي مواطن لا يتعدى حدوده بوجود كبير له يمثله أمام الحكومة، كون ان هذا الكبير يسعى في مصلحته او مصلحة القرية او البلاد التي يعيش فيها، ولو كان هذا الشيخ حلقة وصل بين المواطن والحكومة التي يرفع اليها مطالب المواطنين في كل ما يمس حياتهم اليومية اذا لم يكن قادرا على حلها بطرق سلمية بين افراد المجتمع الذين يعيشون حوله لكان الامر فعلا ذا مصداقية يلزمنا احترامه وتوقيره والاشادة بما قدم من خدمات، لكن ما يحدث هو العكس تماما فما من هؤلاء الا من رحم الله سار في مصلحة المواطن واثبت جدارته للناس بأنه أهل لهذه الامانة التي حملته اياها الحكومة فما نعرفه ويعرفه الجميع دون مواربة او التباس أنهم انفضوا الى مصالحهم الشخصية، ولم يهتموا قيد أنملة بما يعانيه المواطن سواء في حياته او الاشكاليات التي يلزم بأن يضع لها حلا عدا طبعا توقيع الاوراق. تستطيع ان تبحث عن آخر اذا ماطلك فهم كثر كي يختم لك، فكأن هذا الشيخ في واد وجماعته في واد آخر، وانا هنا لست بمعرض مهاجمة من يسمى تحت هذا اللقب، من كونه صغيرا او كبيرا بقدر ما هي ربما قراءة نفسية وتحليل لبعض المواقف في مثل هذا الشأن، فحين آمنا بالأقدار الجبرية كما خلفتها لنا سنة الأمويين بتوريث السلطة للأبناء وتوريث القوم من الشيخ الكبير الى ابنه سواء كان يستحق ان يحمل هذا اللقب من عدمه، ونحن نسير على خطى (إنا وجدنا آباءنا على ملتهم وإنا على آثارهم لمقتدون).
***
     
       لقب شيــخ فتن الكثيرين في هذا البلد، فحتى الذين لم تمن عليه الحكومة بهذا اللقب ولم تمنحه صفته الرسمية بذلك  وهو يحاول قدر ما يستطيع ان يمجدها في العلن لحاجة في نفسه، وينتقدها في السر بكلمات كبيرة هو من الجبن والضعف ان يجاهر بها امام من يخضع  له للتكسب والنفوذ،  كون ان هذا اللقب اختطف من بين يديه كما يدعي ورحل الى الأبد، محاولين ايهام الآخرين بما اوتي من سعة كرم بأنهم اهل لهذا اللقب، مع انهم لم يقدموا دليلا واحدا  عدا ربما الاستعلاء والتفاخر الفارغ شكلا ومعنى،  الذي لم ينتج لهم الا الضغينة في الصدور والا وانا الآن اقترب من الاربعين في العمر الا يحاسب مثل هؤلاء الناس انفسهم، ويسألون ماذا قدموا من افعال الخير ومشاريع لمصلحة البلد، ومحاولة الاصلاح بين الناس بالكلمة الطيبة والعشرة الحسنة... ما اذكره أنهم كانوا وما زالوا اهلا للفتن ومرتعا للاقاويل يلقونك بالترحاب والتحيات وهم يحملون في نفوسهم كل سوء يتضح لاحقا في أي ازمة قد يمر بها البعض معهم فتسقط الأقنعة ويطفو ما يغور  في باطنهم  كالطحالب، التي تبعد الناس عنهم مهما حاولوا تلميع صورتهم بالوجاهة والكرم، والناس برغم كل هذا الهذيان لا يأبهون بهم ولا يعاملونهم الا على مستواهم الحقيقي دون تكلف او زيف، ومن يفعل منهم غير ذلك، فإما انه يستهزئ بهم من الداخل كي يقضي حاجته وبعدها لا يناديهم الا بأسمائهم مجردة من أي لقب وفي هذا غيظ لهم. اذكر ذات يوم حين كنت في عزاء بالبلد، جاء ناس كثر، وعندما كان ممن حضر يصافح شيخ القبيلة ويناديه بمسمى الشيخ كان قريبه الذي لا ينادونه الا باسمه فقط (فلان، كيف حالك فلان)، بالقرب مني فاغتاظ وارتفع ضغطه ربما، وخرج من مجلس العزاء غاضبا. حين التقيت به بعد ايام وسألته عن سبب انصرافه بهذه الطريقة أجابني بالحرف الواحد (هذيله ما يعرفوا الاحترام ولا فيهم ذرة ادب، احنا شيوخ كماه، وانا احنا.. واحنا.. واحنا)، وبدأ يتلو معلقاته، وعدد مزايا آبائه واجداده، الذين ربما خيل اليه أنهم صنعوا تاريخا ومجدا عظيما لم يعترف به الناس.
***
      حدثني احدهم قال: كنت في حاجة الى رجل ممن امرضه هذا المرض، وحين دخلت عليه في مجلسه، ولم يكن في الحضور إلاي وبعض ابنائه وناديته باسمه دون هذا اللقب، لم يبادرني الا بترحاب بسيط ولم يزدني الا بقوله (مرحبا.. تفضل، استريح كيف اخبارك، استريح تقهوى... تراني مشغول)، وكان يقلب قراطيس كثيرة امامه يوزعها عن يمينه وشماله، اخذ علومي بشيء من السخط والتذمر، وعندما انتهيت من شرب القهوة، خجلت ان افاتحه في طلبي وهو على مثل هذا الحال من اللقاء الذي لم اتوقعه  ولم يخطر لي على بال، ولكني عذرته، واستأذنت للانصراف ولم يأبه بي، وما زادني عدا حياك الله، وخرجت ممتلئا بالدهشة والغرابة من لقاء كهذا. في خروجي مبتعدا عن بيته وجدت بعض الاصدقاء الذي قصصت عليه ما حدث، وسألت ان كان هذا الرجل مريضا ام انه مشغول. تبسم بخبث، وانحنى الى اذني واسر الي بحديث، تفهمته ولم انطق بشيء، وامرني ان اعود اليه حين يكون المجلس مكتظا بالناس واوصاني بكلمة كالسحر تبسمت وانا احفظها عن ظهر قلب.
     قال والحديث له: ذات ليلة حين فرغت من صلاة العشاء، توجهت مباشرة الى بيته اذ اني اعلم بأن بعض الناس ينفضون اليه للسمر، وكان ما توقعت، مجلسه ضاج بالحضور، ألقيت السلام وتوجهت اليه مباشرة، ونطقت بالكلمة المريض بها التي يعشقها ويحلم ويحدث نفسه بها في ليله ونهاره، فلا شفاء لمثل هؤلاء ولا بلسم الا بها (مساك الله بالخير الشيخ). نهض تحمله العافية ومن فرحته لم ير ماعون الفناجين الممتلئ بالماء الذين كان قريبا منه، فركل الماعون برجله  حتى دحرجه بمائه وفناجينه، وامسك بيدي وجذبني اليه تعلوه البشاشة والفرح، واقسم يمينا بأن اجلس بقربه، آمرا احد ابنائه بتغيير الماء والتقاط الفناجين التي بعثرتها الفرحة، وخرجت من عنده وقد قضيت الحاجة والطلب.   
 ***
       في احدى الدوائر الحكومية كنت جالسا كي اشرح معاملة للمدير عله يوافق عليها ولم ازد ذلك المدير الا بكلمة (الأخ). لماذا اضفي على انسان لقبا ربما لا يعجبه مني او يفسرها على انها استهزاء به ورفعه الى مكانة لا يستحقها بحال؟، وفجأة دخل علينا احد المواطنين، كان يعلم من اين تؤكل الكتف، فمازال بالمدير يكيل له الاطراء بهذه الكلمة السحرية (الشيخ) حتى علق على معاملته لا مانع من استلام الطلب، بينما حضرتي اشرح له كيفية تكملة المعاملة حال الموافقة عليها فلم يعرني اهتماما وخرجت من عنده بخفي حنين، لأنه ربما لم يستسغ مني كلمة (الآخ) او ان المعاملة فيها بعض النواقص لا ادري، فاليقين دائما في بطن الغيب.
***
       دخلت ذات ليلة محلا للحلاقة، كان مكتظا بالناس، يجلسون على ارائك منهم من ينتظر ومنهم من يقرأ في جرائد ومجلات ملقاة دون ترتيب على طاولة مستطيلة من خشب، ربما للقضاء على وقت الانتظار حتى يصل الدور، الحلاق باكستاني الجنسية يتكلم الدارجة المحلية بطلاقة وخبث، وما أن يجلس الشخص للحلاقة حتى يبادره مرحبا به بهذه الكلمة التي اتعبت واستعصت على الكثيرين، (كيف حال الشيخ، تفضل الشيخ)، ويظل يكررها في كل حديث يدور بينهما عن سبق وتعمد، وحينما جاء دوري كان معظمهم قد انصرف الى حال سبيله بعد الحلاقة، وجلست على الكرسي وقبل ان يبدأ في عمله، سألته باهتمام بالغ (ليش انت دائما تقول لكل واحد تحلقله الشيخ والشيخ والشيخ؟). اجاب مبتسما - وحين رفعت عيني الى المرآة التي كانت امامي انعكست صورته  ببسمة تشي بسخرية في وجهه-: (شوف ارباب.. نفر جاي يريد يحلق لحية، ويوم انا خبر منشان هذا نفر تفضل الشيخ، كيف الحال الشيخ، طيب الشيخ، يحلق اللحية والرأس). ضحكت من هذه المواقف التي حتى العمالة الوافدة تحاول استغلالها نقطة ضعف فينا، وأردفت: (لكن انا ما شيخ ارباب... حلق اللحية وبس).
***
     يصل الى البعض منهم دعوة لعرس او احتفال، فإذا لم تكن الرسالة الموجهة اليه مزركشة بكلمة (شيخ) فإنه لن يحضر العرس او الاحتفال، بل يصل احيانا الى حد الشتم والاستهزاء والسخرية بمن ارسل الخطاب، اذ كان يجب على المرسل ان يقرأ التاريخ اولا كي  يتأكد من هذا الرجل العظيم صاحب المجد المؤثل، والا فالأحرى عدم دعوته، لأن كتابة الآخ او الفاضل على ظرف الرسالة يعتبره انتقاصا من مكانته الاجتماعية الراقية في المجتمع كما يظن او يدعي، وبعضهم عندما تصله دعوة مدججة في غلافها (الى الشيخ فلان بن فلان الفلاني) يظل محتفظا بها الى امد بعيد في مجلسه، كي يراها الزائرون – إن كان ثمة من يزوره اصلا – بأن مجده مكتوب على الرسائل.
***   
       هؤلاء يقينا يعانون من مرض نفسي (النقص ومحاولة التعويض) حسب العالم نفسي يونج، وهم يحاولون دائما البحث عن من يمجدهم حتى لو كان هذا المجد انقاضا من الأوهام والاكاذيب، فقط كي يشعرهم بأنهم ضرورة يجب ان يتقبلها الآخر، ولكن الآخر قد مل من هذه التفاهات التي ستغدو في يوم ما من الماضي، وربما خجل الاحفاد من تذكرها لاحقا كالبشوات والبكوات والطرابيش في مصر التي غدت في خبر كان لا وجود لها الا في المتاحف كتراث، ولأنه لا توجد مصحات نفسية تعترف بأمراض كهذه في هذا الوطن، الذي يدعي فيه الكل العقل والحكمة (ولا احد يدري بما فيه من جهل) حسب المتنبي، فسيبقى هؤلاء على حالهم يراوحون مكانهم، تاريخهم مغلق عليهم كالدائرة.

هناك تعليق واحد:

أحمد يقول...

قاتل الله هؤلاء، لا أدري متى سيتخلص العمانيون من هذه الآفة، أكره ما أكره عندما أرى هذه الكلمة تتصدر الرسائل الرسمية، يخاطب بها مدير دائرة أو من هو أعلى منه وتستهل بهذه الكلمة.
إلى متى سيضل العمانيون يقدسون ويعبدون هؤلاء المتألهون ؟. فقد تعالوا علينا وتألهوا واكلوا الأخضر واليابس، ووقفوا ضد إصلاح، وكل مشروع لا ينالهم منه نصيب.
سحقا لهذه الفئة المتعالية، وسحقا لمن يعبدهم ويقدسهم.