13 يونيو 2008

الرِّوائي السعودي عبده خال: ما زال لديّ مخزون حكائيٌّ كبير جدًّا وشخصياتٌ مختلفة

عبده خال أثناء إجراء الحوار في حانة تشرشل بمسقط
عبده خال أثناء إجراء الحوار في حانة تشرشل بمسقط
الرِّوائيّ السعودي عبده خال: ما زال لديَّ مخزونٌ حكائيٌّ كبيرٌ جدًّا وشخصيَّاتٌ مختلفة

- كل شيء تستطيع أن تحوله إلى كتابة متى ما خلقت عمقًا فكريًّا للقصة التي تريد أن تكتبها

- المكان المغلق لا تتجدَّد فيه التَّهوية، ويكون بؤرة للأمراض والفساد ومركَّبات النَّقص البشريّ جمعاء

- أوغاد العالم ليسوا صغارًا بل كبار بدءًا بصدام وانتهاءً ببوش
- حرب الخليج أدت إلى تمزيق العُرى بين الناس البسطاء

- أُعنى كثيرًا بالشَّخصيَّات وأستحضرها كما تُستحضَر العفاريت!

- المكان يصنع الشخوص، يترك بصماته عليهم
- مشكلة الشخصيات جميعها أن لديها نوعًا من الشك في كل شيء

- الشَّخصيَّة تحمل تاريخها السِّياسيّ والاجتماعيّ والاقتصاديّ والنَّفسيّ

- رواية "نباح" كانت مجرد مذكرات لي في مدينة صنعاء غبتُ عنها سنوات، ثم عدت
فوجدتها طازجة

- في الثمانينيَّات كنا نبارك حرب أفغانستان ولا نعرف أنها أتون نضع فيه كميَّاتٍ كبيرةً من
 الجمر لكي تلتهمنا في هذه الأيام

- في "فسوق" كانت مؤسسة هيئة الأمر بالمعروف هي التي تتابعني

- مشكلة القصة العُمانية ليست في مستواها الفني لكنْ في تواصلها مع الآخرين

- لماذا تتركون صنع الله إبراهيم يأتي من الخارج ويكتب عنكم رواية؟


حاوره: سالم آل تويه
      وُلِدَ عبده خال عام 1962م في قرية المجنة بمنطقة جازان السعودية. أنجز شهادة بكالوريوس في العلوم السياسية بجامعة الملك عبد العزيز عام 1987م، ويكتب في العديد من الصحف والدوريات الثقافية، ويُشارك في إحياء أمسيات وجلسات حوارية، كما يُشارك في تحرير دورية "الراوي" المعنية بالسرد في الجزيرة العربية والتي تصدر عن نادي جدّة الأدبي، ويُشارك أيضًا في تحرير مجلة "النص الجديد" التي تنشر الأدب الحديث لكتَّاب المملكة العربية السعودية، وحاصل على مجموعة من الدروع والميداليات والشهادات من الأندية والجمعيات الثقافية التي شارك فيها، وتم تكريمه في جمعية الثقافة والفنون بالدمام، وقُدِّمت دراساتٌ عن تجربته الروائية.
      عام 1984م صدرت "حوار على بوابة الأرض" مجموعته القصصية الأولى التي قدَّمها بروح تجريبية يسري السرد في دمائها، ويستحوذ على حواسِّ القارئ، خالصًا للقصة وبإمكانيات أكثر تدفقًا في ثالث مجموعاته القصصية "ليس هناك ما يُبهج" (القاهرة 1988م)، وفيها يكتب عبده خال قصصًا طويلة شديدة التماسك والإدهاش ستسلمه بعد ثلاث سنين إلى روايته الأولى "الموت يمر من هنا" (بيروت 1991م)، خالقًا ذلك العالم المرير الذي هو في الحقيقة ليس إلا الواقع المنغرز في بؤبؤ العين، يبنيه بتفاصيل دقيقة واشتغال سردي يحفر فرادتَه وتميُّزَه.
      وبعد سبع سنوات من صدور روايته الأولى، أي في 1998، صدرت عن دار الساقي في لندن روايته الثانية "مدنٌ تأكل العشب" لتؤكِّد مضيَّه في مشروعه الروائي بصبر وإصرار إبداعي على الإنتاج المشتغل عليه بعناية والغزير في الوقت نفسه، كما سيتضح جليًّا في توالي صدور رواياته اللاحقة.
      وفي "مدنٌ تأكل العشب"، كما في "الأيام لا تُخبِّئ أحدًا" (كولونيا 2000) أو "نباح" (كولونيا 2003) على سبيل المثال، يؤسس عبده خال مادته السردية الخام على المجتمع السعودي وتحوُّلاته، بمختلف شرائحه وتعدُّد سكَّانه وما يحدث في جهره وخفائه.
      وفي قصص وروايات عبده خال شخصيَّاتٌ تنفصم العُرى بينهم وبين العالم، وعاشق ينام تحت نافذة حبيبته فيطلع عليه فجر القرية والناس ذاهبون إلى الصلاة، ثم تسحق حرب الخليج حبَّه بلا رأفة، ودم ينفجر أمام العيان من يدٍ يُنفَّذ في صاحبها حدُّ السرقة، وقريةٌ يحكمها أعتى جلادي الأرض، وفواجع تنتصر لأن الأقدار أو الحظوظ أو اللَّعنات لا تُخطئ الطريق إليها.
    من أعماله المنشورة أيضًا: "لا أحد" مجموعة قصصية.
"حكايات المداد" مجموعة قصص للأطفال.
"مَنْ يُغنِّي في هذا اللَّيل؟" مجموعة قصصية.
الأيام لا تخبئ أحدًا
ً "الأوغاد يضحكون" مجموعة قصصية.
"الطِّين (ذلك البعيدُ كان أنا)" رواية.

     تنبغي الإشارة هنا إلى أن هذا الحوار أُجري عام 2006م عندما زار الروائي عبده خال عُمان مشاركًا في أسبوع القصة الأول الذي أقامته أسرة كتَّاب القصة في النادي الثقافي بمناسبة اختيار مسقط عاصمة للثقافة العربية، ومحييًا إحدى أماسيه، ولأسباب لا داعي لذكرها هنا بقي الحوار حبيسَ الشريط المسجَّل، إلا أنه- بالرغم من عدم نشره قبل الآن- ما زال حيًّا محافظًا على طزاجته، وذلك من خلال حديث عبده عن كتابته للرواية وربطها بالواقع السعودي على أصعدة عدَّة تشترك في خلق الشخصيات وإنتاج النَّصِّ الروائي. كما يجب الإشارة إلى أن أحد الأسئلة يرد فيه ذكر "حلقة نقاش"، وهي الحلقة التي أُقيمت في أيام أسبوع القصة على نطاق محدود، وشارك فيها كل من الروائيين السعودي عبده خال والمصري إبراهيم عبد المجيد والعراقي صلاح عبداللطيف، بينما شارك من العُمانيين كل من القاصين: يونس الأخزمي ومحمود الرحبي وعلي الصوافي وحسين العبري وسالم آل تويه.


المشروع الرِّوائيّ

 
- الملاحظ أنك منذ عام 1991م، تاريخ نشر روايتك الأولى "الموت يمر من هنا" التي كانت بالفعل عملاً لافتًا- بشكل يستدعي ليس الاحتفاء فقط- إلى أن صدرت روايتك الثانية "مدن تأكل العشب"، بدأت تعمل على مشروع روائي، أو اتَّضح أن لديك مشروعًا يتبلور. بعد 10 سنوات (أي منذ روايتك الأولى وانتهاءً بروايتك الأخيرة "فسوق") أصبحت لديك ست روايات في الوقت الذي نشهد فيه تراجعًا على أصعدة عدة، فكثير من الكتاب العرب يعملون بلا مشاريع، وهناك من يتوقف، ومن يصدر بين فترة وأخرى، أي أنَّ هناك تذبذبًا في نتاجهم. هلا حدثتنا أكثر عن مشروعك الروائي؟ وكيف سيكون مضيك فيه في السنوات المقبلة؟
* إذا آمنا بأن الرواية هي المجال الخصب لاحتواء كثير من الفنون وإحداث كثير من التفاعلات في المجتمع، الوقوف مع المجتمع في مفاصله التي يتغير فيها، أو من خلال المتغيرات التي تنشأ في المجتمعات، إضافة إلى وجود متغيرات متلاحقة وسريعة، وأنت شخص تعيش في هذه الحياة وتمثل شاهد عصر على هذا الواقع، وأي كاتب يعتبر شاهد عصره على واقعه...
      لا أخفيك كنت في البدء مهمومًا بمسألة الحنين إلى الشخصيات التي عبرتُها في طفولتي، أو إلى الشخصيات التي تأثرت بها في شبابي، وبالتالي زخم هذه الشخصيات وكثرتُها وممارستُها لسلوكيات ما تحت السطح، أو من يمكن تسميتُهم بالشخوص الهامشيين الذين يمتلكون حريتهم وفق معطياتهم الثقافية ومعطياتهم الحياتية ويُمارسون حياة تبدو أنها على السطح، لكنها معبرة بشكل كامل عما يدور وعما يحدث في المجتمع، وانعكاسات السياسة والاقتصاد عليهم.
      كنت راغبًا في... وقبل أن أقول كنت راغبًا: إضافة إلى ذلك نحن جميعًا نسمع حكاياتٍ، نسمع عن شخوص؛ بدأ المجتمع السعودي يتحدَّث. إلى وقت قريب كان الماضي شبه غائم كثيرًا بالنسبة إلينا. مع الانفتاح وتقارب الناس من بعضهم بعضًا والحديث وبدء الحوارات تتكشف لك أشياء كثيرة تستطيع أن تُحوِّلها إلى بؤر روائية، وتستطيع من خلالها أن تقدم كثيرًا من الروايات.
      أعود وأقول: ربما، ربما لأنني أحمل كثيرًا من الشخصيات التي عبرتني أو عبرتها وأرغب في أن أقدمها، وهي شخصيات لا تسير وفق السائد لكنها شخصيات مشاكسة وشخصيات قلقة، والروائيُّ المعنيُّ تُعتبر هذه الشخصياتُ كنزًا روائيًّا مهمًّا له. على مستوى القرية تلاقي هناك شخصيات مشاكسة وقلقة وجوديًّا وقلقة حياتيًّا؛ إذا جاز لي التعبير فإن هذه الشخصيات شبيهةٌ بالشخصيات العالمية التي تستطيع أن تتحوَّل من واقع محلي إلى فضاء إنساني عالمي في تقديم هواجسها، في تقديم حياتها، في تقديم... ربما قدَّمتُ جزءًا من هذه الشخصيات من خلال "الموت يمر من هنا"، ثم في "الطين" أيضا ظهر الجزء الآخر، هذه الشخصية القلقة التي لا ترتهن إلى السائد ولا ترتضي به، وأيضًا لا تنظر إليه بالتقديس الذي ننظر به نحن على سبيل المثال.
إضافةً إلى المتغير السريع الذي حدث من تسعين القرن الماضي إلى الآن مرت على البلاد هزَّات عنيفة، هزَّات على المستوى السياسي، على المستوى الاقتصادي، على المستوى الاجتماعي، خروج الناس... لم يكن أحد يتصور أن يٌصادَر سلاحٌ من المواطن السعودي، فإذا بها مجموعات كبيرة تخرج بشكل مسلسل، بشكل دموي.
     أنت ككاتب عليك بمراجعة هذه الشخصيات: كيف خرجت؟ من المتسبِّب في خروجها؟ وبالتالي تكتشف أن حرب أفغانستان- على سبيل المثال- في الثمانينيات كنا نباركها ولا نعرف أنها أتون نضع فيه كميات كبيرة من الجمر لكي تلتهمنا في هذه الأيام.
     11 سبتم
بر مثلت هزة أيضًا، حرب العراق، مساندة المملكة للكويت، استنزاف المالية أو الدخل القومي أو مديونية البلد؛ كل هذه الأحداث ثمة شخصيات شاهدة عليها ولها موقف منها. المعترك الاجتماعي، دخول المرأة في الحياة، كلها مادة صالحة للكتابة. أكون مجانبًا للحقيقة لو قلت لك إن لديَّ مشروعًا ضخمًا وكبيرًا، وإنما هي مسألة شعور داخلي ينتابني عندما أريد أن أكتب، ثم أبدأ العمل. وأقول في البدء شعور ينتابني أو شخصية تلاحقني أُفرِّغ نفسي لها سنتين لكتابة ما يجول في داخلي بسبب تلك الشخصية. ربما اكتسبت الحكي من الطفولة الأولى بحكم الأساطير وهكذا. إلى الآن أشعر أن هناك كثيرًا من الشخصيات لم أستطيع أن أكتبها، وشخصيات أخرى أجد أنها طازجة وحية في داخلي. ما زال لديَّ مخزون حكائي كبير جدًّا وشخصيات مختلفة.


الخيالُ الواقع!

 
- هذا بالنسبة إلى الشخصيات التي استقيتها من الواقع. كان واضحًا في "الموت يمر من هنا" أن السرد في جزء كبير منه تدور أحداثه في منطقة الخيال وإن انطلق من الواقع، صنع عالم أو قرية وقيامها على القسوة والطغيان... الخيال كان يعمل أكثر من الواقع. طبعا في النهاية بالتأكيد هناك إسقاطات، هناك هذه اللعبة الروائية. بالنسبة إلى الروايات الأخرى كان...
* يمكنك أن تقول إن "مدن تأكل العشب" منتقلة من الواقع... معاكسة تمامًا للـ"الموت يمر من هنا".
- ما أقصده الحديث عن الشخصيات. أنت قلت قبل قليل إنك تستذكر أو تكتب في نهاية الأمر عن شخوص عبروا في طفولتك...
* أو في حياتي الآن.
- نلاحظ أن هناك شبهًا بين بعض شخصيات رواياتك، في "الموت يمر من هنا" و"الأيام لا تخبئ أحدًا" و"نباح" مثلاً. ماذا يعني ذلك على صعيد تحولات المجتمع السعودي، تحولات الشخصيات وارتباطها بتحوّلات الواقع؟
* المكان يصنع الشخوص، يترك بصماته عليهم. "الموت يمر من هنا" بيئتها مختلفة كثيرًا عن "الأيام لا تخبئ أحدًا" أو "نباح". "الموت يمر من هنا" فضاؤها المكاني قرية معزولة.
- السوداء.
* السوداء قرية معزولة بإرادتها أو بإرادة الآخرين. هذا الفضاء المعزول غالبًا ما تسيطر عليه الأسطورة، وغالبا تسيطر عليه القسوة، قسوة الحياة. المكان المغلق عادة لا تتجدَّد فيه التهوية، ويكون بؤرة للأمراض والفساد ومركبات النقص البشري جمعاء. أيضًا اللغة المستخدمة في الأماكن المغلقة، أو في الأماكن المؤمنة بالأسطورة، لغة تحتفل بالشعر، هي استلهام للهاجس الشعري، المواراة أو الاختباء خلف الشعري؛ أحلامهم أو حياتهم عبارة عن حلم مستمر للخروج من هذا الانغلاق، والحلم أقربُ التعبيرات إليه لغةُ الشعر، وبالتالي تجد في "الموت يمر من هنا" لغة شعرية تحاول أن تعبر عن المكان بالصياغة الشعرية، أو بصيغ الكُهَّان، سجع الكهان، بالترنيمات، بالشيء الخافي غير الملموس، بينما تجد- على سبيل المثال- في "نباح" أو "الأيام لا تخبئ أحدًا" اللغة عارية، لأن المكان انتقل إلى المدينة، والمدينة بطبيعتها عارية وتحتاج إلى لغة مثلها عارية ومستفزة وصادمة. ترتيبات الشخوص تختلف من رواية إلى رواية أخرى؛ في القرية الثقافة سمعية، ثقافة تعتمد على الموروثات، تعتمد على المحفوظات، على أقوال السحرة وتحويل كلام الزعيم إلى كلام واحد لا يُثنَّى، الخشية، الخوف، الاعتقاد بأن هذا الشخص متناسق في كل الأزمان وكل الأماكن. هذه الأمور كلها كانت تسيطر على الشخصيات وتصنع منها شخصيات وإن كانت مشاكسة أو قلقة فهي شخصيات قلقة تحت سطوة هذا القويّ، وأيُّ خروج عن هذه السطوة يقوم به نفر أو نفران، ويتم التعذيب والإسكات، كما حدث مع "أبو شبرين"- على سبيل المثال، فعندما خرج "أبو شبرين" خارج القرية اكتشف أن هناك عالمًا أجمل، حياة جميلة، وعندما عاد ليبلغ الناس أن خلف هذه القرية حياة أخرى وناسًا آخرين، بحرًا، وشمسًا، وناسًا يتحدثون في جميع المجالات ولا أحد يمنعهم، عودته- "أبوشبرين"- إلى المغلق أدخلته في المغلق.
- من جديد.
* من جديد لأنه أصبح مسجونًا. في "الأيام لا تخبئ أحدًا" أو في "نباح" المدن يُفضي بعضُها إلى بعضها الآخر، وبالتالي تجد شخصيات تنساب كالمياه، تتحرك وفق قوة الدَّفع، تجدها هنا وهناك، قد تحمل ثقافة مغايرة لكن هذه الثقافة أيضًا ثقافة لا يُعتدُّ بها، ثقافة السَّقَط، ثقافة الهامشيين، وبالتالي يُعتبر الصراخ هو التعبير الوحيد الممتلك في حياتها. عندما يصعد هذا الصراخ إلى الأعلى يتم الزج بهؤلاء الشخوص في السجن. وعلى سبيل المثال تم تنفيذ القصاص في أحد أبطال "الأيام لا تخبئ أحدًا" أمام الناس؛ ميتة بشعة وحزينة.
- وهذا ما يقع في السعودية بالضبط.
* هو واقع في الواقع الاجتماعي أو الواقع الموجود عندنا لكن الموضوع أنْ تُصوِّر مشهد القصاص واجتزاز رقبة هذه الشخصية التي تعتبرها كل الشخصيات بريئة، هذه البراءة التي يحملها له الأصدقاء والأقربون وفي الأخي
ر يقع تحت سُلَط سامته سوء العذاب، والثأر للكرامة العربية والثقافة العربية التي رسَّخت فينا أن الرجل لا يُمسّ وهذا الرجل مُسّ فأراد أن يثأر لكرامته. وأنا أتصور أن هذه شخصية مهشَّمة نفسيًّا بسبب الواقع الاجتماعي الضاغط عليها، وبالتالي تعبيراتها تأتي عنيفة لكون الضغط- ضغط السُّلط عليها- قويًّا أيضًا، سواء السلط الاجتماعية أو السياسية أو الاقتصادية، فحتى الاقتصاد يتحول إلى سلطة. أنا أُجاري الشخصية؛ لا أجاريها بمعنى أنقاد لها لكني أتبنى آراءها في محاولة لإظهار أن كثيرًا من الشخوص التي تبدو مجرمةً لها عذرها في أحيان كثيرة، أو التي تبدو سارقة لها عذرها الاجتماعي، أو التي تبدو مخذولة...

- ربما لأن الشخصية هنا واضحة بما يكفي للقارئ بما يعتمل داخلها حتى إن كانت شخصية شريرة.
* نعم، لكن حتى شريرة، لا لا؛ الإنسان لم يُولد شريرًا لكن نحن نصنع المجرمين، كلٌّ منا يصنع أو يساهم في خلق مجرم، حتى على مستويات أخرى، فعندما يكون الإنسان نزيهًا... أو دعنا نستخدم كلمة مناضل أو مطالب بحقوق الناس، هذا إذا زج به في السجن تُسقط عليه كل التهم بالرغم من أنه كان يدافع عن بشر كثر ويطالب بحقوقهم. دخوله السجن من قبل المجتمع إشارة إلى أنه فاسد، وهذه النظرة القاصرة للأمور بالنسبة إلى المجتمع كثيرة. من منا يُثبت أنه ليس مجنونًا؟ كلنا مجانين بنسب مختلفة. دخولك مستشفى الأمراض النفسية ليس دليلاً على أنك أنت المجنون الوحيد؛ ثمة مجانين آخرون في الخارج. الرواية تغوص... أنا مغرم كثيرًا بالغوص داخل النفس البشرية، أو الغوص في هذه النفس التي أتحدث عنها.

عائدٌ من الموت

 
- نسمع ونقرأ بشكل مستمر عن مهام تُناط بالأدب، بالكتابة، وبالرواية. ما رأيك في هذا الأمر: أن يصبح للأدب أو للرواية تحديدا مهمة ينقلها الكاتب إلى القارئ، أو أن يصبح الكاتب صاحب هذا الدور؟
* أشياء وأمور كثيرة ملتبسة في حياتنا الثقافية. هل هذا القول يعني أنني بالضرورة أحمل قيمة اجتماعية أوصلها للآخرين؟ قد يوصل السياق العام للرواية إلى هذا الأمر. الرواية ليست شخصًا واحدًا؛ هي مجموعة شخصيات تقدم تناقضات المجتمع وصراعه وبعضه بعضًا، تقدم احتدام هذا الصراع، تقدم "الإيمانات" المتعددة لكل فرد في الرواية، وهناك الرافض، والقابل، والمؤمن ، والملحد، والخيِّر، والشِّرير. هذه النفوس المتصارعة داخل العمل تريد أن تخلق حالةً ما داخل الرواية، ربما تكون مقدِّمة لأشياء لكنها ليست مستهدَفة؛ أنا لا أستطيع أن أكتب رواية عن محاربة المخدرات، أو رواية عن تخفيض مهر الزواج. المسألة لا تأتي هكذا؛ تأتي في ظل احتدام داخلي. مشكلة الشخصيات جميعها أن لديها نوعًا من الشك في كل شيء، وهي أشبه بالباحثة عن الحقيقة، وكل شخصية تتبنى آراء مختلفة قد تكون في صدام مباشر مع المجتمع في سائده وثوابته. أيضًا هذا الثابت كيف تحرِّكه داخل الرواية؟ في أوقات معينة تكون شخصية ما ثابتة طوال الأحداث وفجأة تنفجر عن أشياء داخلية لا يمكن أن تتصور أن هذه الشخصية السوية تحملها. الرواية عندما تقرأ يستطيع كل قارئ أن يأخذ منها ما يريد، ربما يقرأ للتسلية، آخر يقرأ للبحث عن صورة المجتمع داخل الرواية، أو يبحث عن نفسيات الأبطال، أو يبحث كيفية تحرك البلد من خلال شخوص الرواية، أي أن الرواية لم تعد تلك الرواية المكتوبة للتسلية، إنها تحمل في داخلها كثيرًا من سمات المجتمع تريد أن تقدمها للآخر. أنت كروائي ربما تنجح وربما تفشل لكن في الأخير ثمة قارئ آخر يتماسّ معك، ربما يصل إلى أشياء أنت لم تقصدها لكنها كُتبت أثناء اللاوعي، واللاوعي لا أقصد به أن تُكتب الرواية أثناء الهذيان؛ أقصد أن كل كلمة معبأة بمخزونها الثقافي، وأنت تكتب تخرج الكلمة محمَّلة بمعتقداتها الأولى من مخزونها الأول، وبالتالي تتشكل في ذهنية القارئ وفق ثقافته، وهذا ما نطلق عليه "تعدُّد القراءات"- على سبيل المثال.
- قلت إنك تلاحق الشخوص وهكذا تمضي في كتابة الرواية. سؤالي بالتحديد عن شروعك في كتابة الرواية؛ هل يتم هذا عن طريق تخطيط معين؟
* بالنسبة إلى تجاربي التي وصلت إلى سادس تجربة ألاحظ أن شخصية واحدة تلاحقني، بمعنى أن هناك شخصية في كل رواية؛ في "الموت يمر من هنا" كانت الشخصية التي تؤرقني هي شخصية السَّوادي، شخصية السيد، المسيطر، الدكتاتور، كانت تلاحقني وتظهر في كل مرة، وعندما شرعت في الكتابة عن السوادي تناسلت هذه الشخصيات كلها. في شخصية "مدن تأكل العشب" كان يطاردني يحيى (يحيى الغريب) بطل الرواية.
في أثناء الكتابة تنفجر شخوص أخرى، حالات أخرى موازية أو متفقة أو متضادة. في "الأيام لا تخبئ أحدًا" كانت شخصية عبدالله (أبو حية) تتابعني. في "نباح" كانت تتابعني وفاء. وفاء كانت تتابعني بشكل ملح. في "فسوق" كانت مؤسسة هيئة الأمر بالمعروف هي التي تتابعني. الشخصية تحمل تاريخها السياسي والاجتماعي والاقتصادي والنفسي، شخصية تخلق أجواءها المتعددة، وبالتالي عندما أبدأ في الكتابة أُعنى كثيرًا بالشخصية التي طاردتني، أستحضرها كما يتم استحضار- وإن لم يكن هناك وجه تشبيه- استحضار العفاريت. عندما أستحضر الشخصية الأولى تأتي الشخصيات الأخرى وفق مكانه
ا.

- في رواياتك نجد إحالات وفضاءات تعود إلى فترات تاريخية مختلفة. هل تلجأ إلى البحث والمعلومات من أجل استكمال الصورة؟
* البحث يأتي تاليًا للكتابة، بمعنى أنني في "الموت يمر من هنا"- مثلاً- تعبت كثيرًا في البحث عن العملة وأجزائها في فترة معينة، فقد كانت المنطقة الجنوبية في المملكة العربية السعودية تستخدم عملات مختلفة. أيضًا بحثت عن الأزياء...
- تقوم بهذا البحث بعد الانتهاء من الرواية فقط؟
* نعم أو حتى في أثناء الكتابة. تشعر أن هناك أجزاء ناقصة لا بد أن تدعم ببحث أو سؤال كبار السن، نوعية اللباس والأشياء المستخدمة، هل تستخدمون الذهب أم الفضة؟ السيدات كن يستخدمن الفضة، اللهجة كيف تنطق؟ لأنها تختلف من قرية إلى قرية، الجانب الوثني في "الموت يمر من هنا" وفترة استمراره؛ كيف تذهبون إلى زيارة القبور؟ ما الأقوال التي تقال عند السيل؟ أمور كثيرة. على سبيل المثال أيضا في رواية "مدن تأكل العشب"؛ أنا من مواليد الثورة اليمنية في 1962 و"مدن تأكل العشب" تتحدث عن الحرب اليمنية السعودية، كنت محتاجًا إلى أن أسأل، أذهب إلى جيزان أكثر من مرة لأن جيزان ليست مدينة لكني أسأل لأعرف أين كانت "الضربة"، نوعية المواد المستخدمة، الحيل التي استخدمت للضرب، البدر أين كان في جيزان؟ الجيش السعودي من أين تحرك؟ الجيش اليمني من أين تحرك؟ بناء المكان أيضا هل هو "عشة" أم مربع أم...
أكبر جزء بحثي قمت به كان في رواية "الطين". "الطين" دخل في كتابتها أساتذة أكاديميون سجلتُ أسماءهم الحقيقية وشاركوا في كتابة الرواية.
رواية الطين
رواية الطين

- بأي معنى شاركوا في كتابة الرواية؟ في النهاية رواية "الطين" منشورة باسم عبده خال.
* بعثت إليهم بمعضلة البطل فشاركوني في حلها، بمعنى أن البطل كان طبيبًا نفسانيًّا ولديه حالة مريض يراجعه ويقول له: أنا توًّا عدت من الموت. ويؤمن الطبيب بأن هذه الشخصية عادت من الموت. في البداية لا يصدق لكن المريض يسحبه في الظهيرة ويرقص معه تحت الشمس ويقول له: انظر؛ فيكتشف الدكتور أن البطل بلا ظل! وهكذا يبدأ في تبني قضيته، ويراسل علماء النفس، والأسطورة، وعلماء الاجتماع. ثم يحضر البطل جلسات جن! أنا حضرت أربع جلسات جن خرجت في إحداها. لأنني أدَّعي أنني... لا، لا؛ القصة أن البطل مصر أنه للتوِّ عاد من الموت، أي أنه مات وعاد من الموت. من أجل كتابة هذه الرواية حضرت مجالس تحضير وإخراج جن شارك فيها شيوخ؛ تَعَبُ البحث يأتي تاليًا للكتابة، بعد الشروع فيها أو في أثنائها عندما تبدأ في مواجهة المصاعب.


أوغادٌ وكلاب!

 
- قلتَ إن الشخصية تطاردك ومن خلالها تتناسل الشخصيات الأخرى والأحداث، مع هذا هل بعد اتضاح المعالم الأساسية أو الرئيسة في الرواية (الشخصيات والأماكن...) تعيد غربلة الأوراق أو خلطها من جديد؟ فعلى سبيل المثال في الصفحة الأولى لهذه الرواية التي بين أيدينا (نباح) هنا عالم يبدأ، بمعنى أن هذه الصفحة تخلق الجو العام للرواية... فيها- مثلا- الراوي وطائرة ومدينة وشخص آخر. هذه تفاصيل فيما بعد تتفرق...
* تعاد.
- نعم. كيف يحدث هذا؟
* الرواية لديَّ لا تكتب بشكل واحد، لا تكتب بالتنظيم الذي تذهب به إلى النشر. كانت تعنيني "وفاء" في هذه الرواية. عليَّ أن أقول أولاً إن رواية "نباح" كانت مجرد مذكرات لي في مدينة صنعاء غبتُ عنها ما يقارب خمس سنوات، ثم عدت إلى تلك المذكرات فوجدتها طازجة، شعرتُ بأنها ما زالت حية. حرب الخليج أدت إلى تمزيق العُرى بين الناس البسطاء. "وفاء" رمزٌ لكثير من الناس الذين غادروا البلد وهم يشعرون أنها بلدهم، وذلك بسبب حرب سخيفة انعكست على حياتهم فغادروا المكان.
- تقصد مغادرة اليمنيين السعودية بعد أحداث حرب الخليج الأولى...
* نعم. المحيط الذي ذهب إليه الراوي محيط التقاء دولي. المستهدف "وفاء" لكن وجد الراوي أن هناك أهم من "وفاء"، وجد أن الشخصيات- وأنا دائما أكرر كلمة "المهشَّمة"- وجد شخصيات ثقافية مهشَّمة داخل المجتمع. العالم كله يحتفل بالديمقراطية في اليمن والراوي يصطاد مشاهد محددة ليفضح هذه الديمقراطية، أو يفضح تبنِّي الديمقراطية الكاذب، كما اصطاد البطل هيلاري كلينتون، والشخصية التي تحدثت عن تاريخ السودان... هي محاولة لمحاكمة الأنظمة العربية في جلسة من قبل ممثلين لهذه الدول منهم صحفيون ومثقفون، وبالتالي يتَّضح أن كل شخصية لا تقبل بك ولا تقبل بنظامها، فهي شخصية تُراوح أيضًا بين الضياع وبين الحلم، ثم إنَّ انتهاء أو غياب "وفاء" في الرواية انقلاب، وبمعنًى آخر إنَّ تدنُّس هذه الشخصية الطَّاهرة هو تدنُّس سياسي، هو عقر سياسي للأفراد والأنفس؛ ربما
استطعنا ببساطة أن نقول إن "وفاء" حبيبة وانحرفت ووو، لكنْ عندما تقرأ المحتوى الذي أدى إلى انحراف "وفاء" ستكتشف أنهم كلهم كانوا معقورين؛ العقل معقور والبطن معقور والفَرْج معقور؛ عقل متخلِّف وبطن جائع وفرج بدأ يمتهن البغاء، يعني أن ثمة عقرًا كاملاً لهذا الإنسان بجميع مستوياته العليا والدنيا والسفلى، سيطرة الجانب الاقتصادي على حياتنا وتحويلنا عاهرين. "وفاء" عاهرة بجسدها لكن الذين مثَّلوا مؤتمر الديمقراطية الناشئة والمعنيين به يُمثِّلون العهر السياسي حقيقة، فهي صورة مقابلة للزَّعامة الديمقراطية أو توزيع الديمقراطية على العالم العربي.

- وما دلالات مفردة "نباح" هنا؟
* استخدمتُ هذه المفردة المستفزِّة لكون الكلب أداةَ الصوت أو المنبه عند العربي، وبالتالي عندما يَصْدُرُ"نباح" فذلك يعني أن ثمة خطرًا في البيت، فهي "نباح"، وتكملتها الإهداء: إلى كل أوغاد العالم لعنة كبيرة.
- دعنا نتحدَّث عن هذا الإهداء تحديدًا الذي تُصدِّر به رواية "نباح"؛ بعيدًا عن الخلط بين ما يكتبه الكاتب وبين ما يكتبه ككاتب، بمعنى آخر بين الكتابة الإبداعية وبين السيرة الروائية؛ في "نباح" شخصية البطل صحفي وأنت صحفي والإهداء الموقَّع باسم عبده خال يتماهى تماما مع أحداث الرواية ("لكل أوغاد العالم لعنة كبيرة"). مبدئيا هل يمكن قراءة "أوغاد" على أن المعني بهم العشَّاق؟
* لا، لا.
- انطلاقا من قصة وفاء.
* لا، لا.
- "لكلِّ أوغاد العالم لعنة كبيرة".

كلمةٌ منبسطةٌ وأخرى قاحلة

 
* محتوى الرواية يترك فضاء... كانت وفاء وسيلة للوصول إلى هذا التهشيم، هي رمزية العقر النهائي: الوصول إلى الجسد، لكن قبل ذلك تم عقر العقل وتم عقر الثقافة. محتوى الفضاء المكاني لم يكن المدينة؛ كان الفضاء هو "مؤتمر الديمقراطيات الناشئة". لو لاحظت كم من الكلمات التي دُلقتْ! كم من الشخصيات التي ظهرت: على مستوى رؤساء، على مستوى وزراء كانوا متواجدين في النص. الراوي يقدم اللقطات ويُعلِّق عليها. الشخوص المشاركون في صناعة الحدث أيضا... الشخصية السودانية العجيبة هذه التي تمسك بكاميرا وتعشق امرأة من خلال صورة. المسألة كلها كانت أن كل شخصية كانت وغدة، وكل شخصية سياسية بالذَّات. أوغاد العالم ليسوا صغارًا بل كبار، بدءًا بصدام وانتهاءً ببوش، هؤلاء هم أوغاد العالم، هؤلاء الذين عقروا الدنيا ولم يعقرها "الغلابة" المساكين، حتى إنهم استسلموا في الأخير وأخذوا "ينكتون" على زعماء بلدانهم.
- بالنسبة إلى تقنيات كتابة الرواية دائما نجد تقنيات يوظفها كلُّ كاتب حسب اختياره. في ظنِّي الشخصي أن الحياة عمومًا ومراقبة البشر- طبعًا ليس بالمعنى السلبي للمراقبة- لكن أنت كروائي تستطيع من خلال متابعة حديث معين بين عجوزين- مثلاً- ولو من خلال...
* ولو من خلال كلمة، أو وجه، أو حركة.
- من هنا أنت الذي تخلق التقنية الخاصة بك بعيدًا عن التقنيات المتعارف عليها أو عمَّا هو مكتوب في الكتب...
* صحيح، كما قلت؛ الروائي فيه جزء كبير من الفضول، فيه جزء كبير من المتابعة، من محاولة اصطياد الوجوه والأحداث، وبالتالي هذه كلها تتحول عنده إلى نوع من التقنية الداخلية داخل العمل. تصبح المقاربة بين التقنية والنص مقاربة يُحدثها المكان والشخصية. التقنية هي أيضا مزاجيتك وأنت تكتب، تحتِّم عليك شكلاً معينًا من المداخل، شكلاً معينًا من الكلمات؛ شكل الوجه يعطيك مظهرًا معينًا. المكان أيضًا يتحكم فيك، يعطيك انبساطه أو وعورته؛ عندما كتبتُ عن جدّة كانت الكلمة منبسطة تماما، وعندما وصلتُ الرياض صارت الكلمة قاحلة، كلمة جافَّة، كلمة مداها طويل؛ هذا لاشعوريًّا وأنت تتكلم عنها أو وأنت تكتب. التقنية يُحدثها أيضًا هيامك بالخروج من الأسر، تُحدثها أمورٌ كثيرة.
مجموعة "ليس هناك ما يُبهج" القصصية
ثلاث مجموعات في كتاب واحد

- كنت ضيفًا على ملتقى القصة الأول في عُمان. من خلال ما سمعته و من خلال قراءاتك أو متابعاتك السابقة عن القصة والسرد في عُمان بشكل عام ما رأيك في ما هو موجود الآن، وتوقعك لمستقبلها؟
* كما تم تصدير أسماء مهمة في المجال الشعري يمكن أيضًا تصدير أسماء مهمة على المستوى القصصي والروائي. مشكلة القصة العُمانية ليست في مستواها الفني لكن مشكلتها في تواصلها مع الآخرين، تواصلها يشترط أن تحضر أو يحضر كتابها الملتقيات العربية، المؤتمرات، معارض الكتب؛ نصوصهم لا تقل مقدرة عن بقية النصوص العربية، مثلها مثل بقية النصوص العربية. لن أكون مجاملاً إذا قلتُ إن كثيرًا من النصوص في الخليج العربي تفوق مثيلاتها في العالم العربي لكن لشعورنا دائمًا بأنه لا
يُلتفت إلينا وأننا نمتلك فقط آبار النفط والحياة الرغدة ينظر إلينا بدونية. وهذا الكلام أثبتت التجارب أنه ليس صحيحًا بالمعنى الدقيق، لأن الكتَّاب في العالم العربي عندما يكتشفون اسمًا أو يقرؤون لاسم عربي ويجدون فيه مادة أو فنيات عالية يُرحبون به ويقدمونه من خلال المؤتمرات والمجلات الأدبية.
      لا أعرف ما سبب تخوُّفكم من التواصل مع المجلات المنتشرة في العالم العربي. أعود وأقول إن النصوص التي كُتبت أو التي سمعتُها أو التي قرأت بعضها نصوص لا ينقصها كونها من عُمان، بل تتعامل معها كأيِّ نص عربي، معاملة النِّدّ، بمعنى أنك لا تحاول الانتقاص منها وتتعامل معها نقديًّا بحدِّة تعاملك مع كاتب كبير أيضا، فهي قابلة لأن تدخل في معترك النقد، وقابلة لأن تبرز نصوصها الجيدة والمتمكنة، وعلى ذلك ذلك أقول: لديكم- وأنت حدَّثتني- كثيرٌ من التفاصيل الحياتية لم يُكتب بعد، وكثير من المفاصل الحقيقية داخل البلد لم يُكتب بعد، فأتصور أن الكتابة في هذه الفواصل قادرة على أن تقدم رواية قوية جدًّا.
     لماذا تتركون صنع الله إبراهيم يأتي من الخارج ويكتب عنكم رواية؟ كان من الأجدر بكم أن تُحدثوا العكس: أن تُصدِّروا أنتم عُمان من خلال الرواية، وقد سبقتكم إلى ذلك سالمة في "مذكرات أميرة عربية"؛ قدمت مذكرات عظيمة جدًّا في أواخر القرن التاسع عشر.

السلالة

 
- دار حديث في "حلقة النقاش" حول "آباء الكاتب"، أو دعنا نقل: المصادر، وهناك من يُسمِّيها "السلالة"، نصًّا أو أشخاصًا؛ من هم؟ ما سلالتك الأدبية؟
* أولا لم يكن عبده خال يتوقع أن يكون في يوم من الأيام كاتبًا؛ كان يقرأ صغيرًا. كما قلت لك بداياتي كانت عن طريق الأسطورة، عن طريق الحكايات في القرية، ثم تحوَّلت إلى سماع، أيضًا في الحجاز في مدينة جدة سماع الأساطير أو الملاحم عن عنترة بن شداد، عن الزير سالم، عن الغولة، عن سيف بن ذي يزن. فجأةً وجدت أمامي كنزًا من الروايات الكلاسيكية.
- كم كان عمرك؟
* كان عمري اثني عشر عامًا. قرأت "بؤساء" فيكتور هيجو، "بين مدينتين" تشارلز ديكنز، قرأت مرتفعات ويذرينج، وقرأت مدام بوڤاري، بائعة الخبز؛ هذه الروايات قرأتها عندما كنت في السادس الابتدائي. أوليڤر تويست... وجدتْ أمامي فقرأتها، لكنني لم أهيئ نفسي لأكون كاتبًا.
      تذكرني الآن أيضًا: أخي أحمد سافر إلى مصر وجلب لي معه "كرتونين كتب" كانت كلها لنجيب محفوظ وإحسان عبد القدوس... لاحظ أنني قرأت أولاً "أمهات الكتب"/ الروايات العالمية المترجمة، ثم بعد ذلك قرأت نجيب محفوظ... دون تركيز. مجرَّد كتاب قدَّامي وأقرأه، وكنت أستمتع، وكنت مغرمًا بكتب التراث؛ أول كتاب قرأته منها كان "تلبيس إبليس" فيه فنتازيا عجيبة وغرائبية، ثم قرأت "البداية والنهاية"، تاريخ الطبري، قرأته في وقت مبكر، بحكم القراءة فقط. عندما بدأت أكتب، أو دخلت مجال الكتابة كتبت نصًّا قصصيًّا، ونشر لي في صحيفة، وبدأت أكتب.
     كانت وجهتي أو نصيحة من أحد الكتاب بألا تقرأ للعرب.
- كم كان عمرك؟
* 17. 17 أو 18.
- تتذكر السنة؟
* 1979 أو 1980م.
     أحد الأصدقاء نصحني وقال لي: لا تقرأ للعرب، أصل الرواية وووالغرب، اقرأها من مصادرها، لذلك بدأت بالأدب الروسي، ثم موباسان تعلقت به فترة من الفترات. وقتًا طويلاً جلست مع تشيخوف، مكسيم غوركي، دوستويڤسكي، توليستوي. بعد ذلك انتقلت إلى الروايات الدينية، ثم أصبحت هناك خارطة. بعد ذلك خليط من الفائزين بجوائز نوبل وهكذا، فالمسألة أتصور أنها أيضا توافقك مع من تقرأ لهم، يعني، على سبيل المثال، ما استطعت أن أقرأ فولكنر: "الصخب والعنف" و"الأمل"، لكني تفاعلت مع كتَّاب آخرين.
- لم تستطع قراءتها تقصد أنك لم تكمل الرواية أم ماذا؟
* أكملتها تحت الضغط، لأنها كانت مقرَّرة علينا في الجلسة لكنني لم أقرأها بعد ذلك. وجدت نفسي لا أستطيع أن أتواصل معها.
     أجد أنه مهمٌّ جدًّا للكاتب أن يكون كل شيء أستاذًا له، حتى الجماد يصبح أستاذًا إذا ركَّزت فيه وتأملته جيِّدًا يمكن أن تخرج بشيء جديد. الصورة الفوتوغرافية في المجلة، الصورة التشكيلية، الناس الجالسون هؤلاء، الكلام ممكن أن يكون أستاذًا لك. أنت تحدثني عن جزء من حياتك أنا تمنيت أن أكتبها، فكل شيء تستطيع أن تحوله إلى كتابة متى ما خلقت عمقًا فكريًّا للقصة التي تريد أن تكتبها.

مجموعة "ليس هناك ما يُبهج" القصصية

رواية الطين

الأيام لا تخبئ أحدًا

عبده خال أثناء الحوار في حانة تشرشل بمسقط

25 مايو 2008

محكمة القضاء الإداري تحكم بـ"عدم الاختصاص"!

       في الجلسة المنعقدة بمحكمة القضاء الإداري صباح اليوم الاثنين 26 مايو 2008م برئاسة القاضي ماجد العلوي رئيس المحكمة صدر حكم الاستئناف في قضية إلغاء سعود بن إبراهيم البوسعيدي وزير الداخلية مسمَّيي "آل خليفين" و"آل تويه"، واستبدال مسمَّى "الحارثي" بهما.

      جاء الحكم كسابقه الابتدائي، أي قبول الدعوى شكلاً والحكم بعدم الاختصاص وإلزام المدَّعيَين بمصاريف الدعوى.

      للقراء متابعي المدونة سنقوم بنشر الوثائق الأخيرة المتعلقة بآخر التطورات وحكم الاستئناف الصادر هذا اليوم، وذلك حالما نتمكن من الحصول عليها في الأيام القليلة المقبلة.

     

في محكمة القضاءالإداري اليوم.. النطق بالحكم في قضية إلغاء وزير الداخلية مسمَّيي "آل خليفين" و"آل تويه"

اليوم 26 مايو تنطق محكمة القضاء الإداري بحكم الاستئناف في قضية إلغاء سعود بن إبراهيم البوسعيدي وزير الداخلية مسمَّيي آل خليفين وآل تويه واستبدال الحارثي بهما.

وفي هذه الأثناء ينتظر المتضررون ما سيُسفر عنه حكم محكمة القضاء الإداري، وتراود بعضهم تخوُّفات من أن يتم الحكم بـ"عدم الاختصاص"، ويقول هؤلاء: إن حكمت المحكمة بـ"عدم الاختصاص" فمن سيكون المختص بهذا الموضوع يا ترى؟ فهذا المبدأ يتعارض كلية مع المبدأ القانوني القائل "إن حق التقاضي مكفول للجميع".

وفي كل الأحوال، ومهما كان الحكم، لا يزال المتضررون يؤمنون أنهم مظلومون من قبل أطراف استغلت مناصبها لتخلق لهم فجأة قضية عنصرية تُعاقب عليها جميع اتفاقيات ومعاهدات حقوق الإنسان والقضاء العادل في العالم المتحضِّر الحُرّ.

وبالنسبة للمتضررين فإنهم لن يعدوا هذه القضية العنصرية منتهية إلا إذا تحققت العدالة الفعلية من خلال محاكمة ومعاقبة كل من له علاقة بافتعالها وتواطأ أو شارك أو تآمر في سبيل إنفاذها بالرغم من الرفض القاطع لها من جميع المتضررين الذين يرون أن أسماءهم شأن خاصٌّ بهم وحدهم، وليست موضوعًا عامًّا قابلاً للتداول والنقاش والتغيير ممن يرون أنهم لن يرتدعوا أبدًا حتى يُحاكموا ويُعاقبوا على جرائمهم وتطاولاتهم التي تجاوزت كل الأعراف الإنسانية وكل القوانين المحلية والدولية.

12 مايو 2008

الطين

إيليا أبو ماضي


نسي الطين ساعة أنه طين ............حقير فصار تيهًا وعربد

وكسا الخز جسمه فتباهى ..............وحوى المال كيسه فتمرد

يا أخي لا تمل بوجهك عني .............ما أنا فحمةٌ ولا أنت فرقد

أنت لم تصنع الحرير الذي .............تلبس واللؤلؤ الذي تتقلد

أنت لا تأكل النضار إذا جعت ..............ولا تشرب الجمان المنضد

أنت في البردة الموشاة مثلي ................في كسائي الرديم تشقى وتسعد

لك في عالم النهار أمان .............ورؤى والظلام فوقك ممتدّ

ولقلبي كما لقلبك أحلامٌ ...................حسان فإنه غير جلمد

*********

أأمانيَّ كلُّها من ترابٍ .................وأمانيك كلها من عسجدْ؟

وأماني كلها للتلاشي .................وأمانيك للخلود المؤكَّد؟

لا ، فهذي وتلك وتمضي ................كذويها. وأي شيء يؤبد؟

أيها المزدهي! إذا مسك ...............السقم ألا تشتكي؟ألا تتنهد؟

وإذا راعك الحبيب بهجر ..............ودعتك الذكرى ألا تتوجد؟

أنت مثلي يبش وجهك للنعمى ..............وفي حالة المصيبة يكمد

أدموعي خل ودمعك شهد؟ ...............وبكائي ذل ونوحك سؤدد؟

وابتسامي السراب لا ريَّ فيه؟ .................وابتساماتك اللآلي الخرد؟

فلك واحد يظل كلينا ...............حار طرفي به وطرفك أرمد

قمر واحد يطل علينا .................وعلى الكوخ والبناء الموطد

إن يكن مشرقًا لعينيك إني .................لأراه من كوة الكوخ أسود

النجوم التي تراها أراها .................حين تخفى وعندما تتوقد

لست أدنى على غناك إليها ...............وأنا مع خصاصتي لست أبعد

ألك القصر دونه الحرس الشاكي .................ومن حوله الجدار المشيد

فامنع الليل أن يمد رواقًا ..................فوقه، والضباب أن يتلبد

وانظر النور كيف يدخل لا يطلب .................إذنًا ، فماله ليس يطرد؟

مرقد واحد نصيبك منه ................أفتدري كم فيك للذر مرقد؟

ذدتني عنه، والعواصف تعدو ...............في طِلابي ، والجو أقتم أربد

بينما الكلب واجدٌ فيه مأوى ...............وطعامًا ، والهر كالكلب يرفد

فسمعت الحياة تضحك مني ...................أترجى، ومنك تأبى وتجحد

*********

ألك الروضة الجميلة فيها ...................الماء والطير والأزهار والند؟

فازجر الريح أن تهز وتلوي ....................شجر الروض، إنه يتأود

والجم الماء في الغدير ومُرْهُ .....................لا يصفق إلا وأنت بمشهد

إن طير الأراك ليس يبالي ....................أنت أصغيت أم أنا ؟ إنْ غرَّدْ

والأزاهير ليس تسخر من فقري ......................ولا فيك للغنى تتودد

*********

ألك النهر، إنه للنسيم الرطب ...................درب وللعصافير مورد

وهو للشهب تستحم به في ...................الصيف ليلاً كأنها تتبرد

تدعيه! فهل بأمرك يجري ....................في عروق الأشجار أو يتجعدْ؟

كان من قبل أن تجيء وتمضي ...................وهو باق في الأرض للجزر والمد

ألك الحقل؟ هذه النحل تجني ......................الشهد من زهره ولا تتردد

وأرى للنمل ملكًا كبيرًا ......................قد بنته بالكدح فيه وبالكد

أنت في شرعها دخيل على الحقل .....................ولص جنى عليها فأفسد

لو ملكت الحقول في الأرض طرًّا ....................لم تكن من فراشة الحقل أسعد

أجميل؟ ما أنت أبهى من الوردة ......................ذات الشذى ولا أنت أجود

أم عزيز وللبعوضة من خديك .......................قوت، وفي يديك المهند

أم غني؟ هيهات تختال لولا ....................دودة القز بالحباء المبجد

أم قوي؟ إذن مر النوم إذ يغشاك .....................والليل عن جفونك يرتد

وامنع الشيب أن يلم بفوديك .....................أو مر تلبث النضارة في الخد

أعليم؟ فما الخيال الذي يطرق .......................ليلاً؟في أي دنيا يولد؟

أيها الطين لست أنقى وأسمى .......................من تراب تدوس أو تتوسد

سدت أو لم تسد فما أنت إلا ......................حيوان مسير مستعبد

إن قصرًا سمَّكته سوف يندك، ....................وثوبًا حبكته سوف ينقد

أنا أولى بالحب منك وأحرى ...................من كساء يبلى ومال ينفد


09 مايو 2008

وزارة الداخلية العُمانية وممارسة التمييز العنصري.. رؤية دينية اجتماعية ثقافية



بقلم: الكشَّاف


لا تزال المهزلة مستمرة، والمقصود بالمهزلة هنا ما أقدمت عليه وزارة الداخلية في سلطنة عُمان عبر اللجنة المنبثقة عنها والمسماة بـ"لجنة تصحيح مسميات القبائل والألقاب والأسماء" بإلغاء مسميات بعض القبائل، وإجبار المنتسبين إليها على التسمي بمسميات قبائل أخرى، في خطوة تنم عن الاستكبار والاستعلاء على فئة من أبناء الشعب تكريسًا لمبدأ "رعايا لا مواطنين"، وتأكيدًا لنزعة التمييز العنصري والإعلاء من قيم العصبية القبلية التي تنتهجها هذه الوزارة، في إصرار واضح لا مواربة فيه على إحداث شرخ في جسم الوحدة الوطنية، والتعدي الصارخ على حريات الناس وحقوقهم، من خلال طمس هويات بعض الفئات في المجتمع وتفتيتها وتذويبها باعتبارها- وفقًا لمخططات هذه الوزارة- مجرد أتباع يجب أن يتبعوا ويلحقوا القبائل التي ألغت قبائلهم كي يحملوا مسمياتها، وهو ما يؤكد الرغبة في تأكيد (فوقية) بعض القبائل و(تسيدها) على القبائل الأخرى، ما يعني بالنتيجة أن المعيار الذي تحتكم إليه هذه الوزارة في معاملة البشر والنظر إلى الناس هو (الانتماء القبلي)، الأمر الذي يتناقض ويتصادم مع مبادئ الشريعة الإسلامية السمحاء وغيرها من الشرائع، بالإضافة إلى تعارض ذلك مع القوانين والنظم ومن بينها (النظام الأساسي للدولة) ومواثيق واتفاقيات وعهود حقوق الإنسان الصادرة عن الأمم المتحدة وسائر المنظمات الدولية التي تُعد سلطنة عُمان عضوًا فيها، كما يدل هذا الفعل البدائي الرجعي على خلل في الفطرة السليمة لدى من يقفون وراءه، وينم عن قصور أخلاقي يتجسد في استباحة الآخر والحط من كرامته تحت تأثير تضخم الذات والشعور المفرط بـ(الأنا)!

ومن نافل القول التأكيد أن ذلك منافٍ لمبادئ الدين الإسلامي الحنيف ومناهض لتعاليمه السمحة التي تؤكد وحدة الأصل الإنساني مصداقًا لقول الحق سبحانه "يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم إن الله عليم خبير"

(الحجرات:١٣)، وقوله سبحانه "يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالاً كثيراً ونساء واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام إن الله كان عليكم رقيباً" (النساء: ١)، وقد قرر سبحانه ذلك من أجل تحرير المجتمع الإنساني كله من الاحتكام الخاطئ إلى المعايير المصطنعة في النظر إلى فئات الخلق والحكم على أقدار الناس؛ يرى الدكتور مصطفى الرافعي في مقال له بعنوان "الإسلام والمساواة" منشور على الإنترنت، ويعد مبدأ المساواة- الذي ضربت به (وزارة الداخلية) ولجنتها سيئة الذكر عرض الحائط- من المبادئ الأساسية التي يقوم عليها الدين الإسلامي الحنيف، إذ إنه بعكس كل من ادعى أنه من نسل ملائكي نقي وكل من تصور أن دمه أزرق نبيل وهو أرقى من بقية الشعب- كما تصور أعضاء اللجنة الأشاوس- جاء الإسلام ليساوي بين جميع البشر في المنشأ والمصير، فإلى جانب الآيات المتقدم ذكرها والتي تفيد هذا المعنى، يقول تبارك وتعالى: "ولقد كرمنا بني آدم وحملناهم في البر والبحر ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلاً" (الإسراء: 70)، والتكريم هنا يشمل جميع بني آدم وليس مسؤولي تلك الوزارة ولجنتها. وهناك الكثير من الآيات القرآنية التي تؤكد المساواة بين الناس وتنفي التمايز بينهم لأية اعتبارات سوى التقوى، وما التفسيرات المغلوطة التي يؤمن بها بعض أنصاف العقلاء وذوو الفهم الناقص لمقاصد الدين الحنيف من أن الناس درجات ومقامات كما جاء في بعض آيات القرآن من قبيل "ورفعنا بعضهم فوق بعض درجات" (الزخرف: ٣٢) سوى قصور في الفهم الصحيح، إذ المراد بذلك هو ما يتعلق بأمور الدنيا المتمثلة في حض كل واحد من الرزق الذي وهبه الله إياه، بدليل أن قال الله تعالى في قرآنه "أَهُم يقسمون رحمة ربك نحن قسمنا بينهم معيشتهم في الحياة الدنيا ورفعنا بعضهم فوق بعض درجات ليتخذ بعضهم بعضاً سخريا ورحمة ربك خيرٌ مما يجمعون" (الزخرف:٣٢)، ومعنى ذلك أن الله قدر لإنسان أن يكون غنيًا وقضت مشيئته سبحانه أن يكون آخر فقيرًا، وأن يكون أحد صحيحًا وأن يكون آخر مريضًا...إلى آخره، أما التفاخر بالأنساب و(الدرجات) فذلك من دعوى الجاهلية، وقد تبرأ النبي- صلى الله عليه وسلم- ممن يفعلون ذلك، فأين أعضاء (اللجنة) الأشاوس بصنيعهم المتعجرف ذاك مما يقوله الله؟!.

وبدوره فقد بين رسول الهدى والعدل والإنسانية موقف الإسلام من هذه المسألة. وأكدت أقوال الرسول وأفعاله ذلك، فها هو (ص) يقول في خطبة حجة الوداع: "أيها الناس إن ربكم واحد وإن أباكم واحد، لا فضل لعربي على أعجمي إلا بالتقوى". ويقول: "الناس سواسية كأسنان المشط لا فضل لعربي على أعجمي إلا بالتقوى". ويقول: "إن الله قد أذهب بالإسلام نخوة الجاهلية وتفاخرهم بآبائهم، لأن الناس من آدم وآدم من تراب وأكرمهم عند الله أتقاهم". ويقول: "المسلمون تتكافأ دماؤهم، يسعى بذمتهم أدناهم، وهم يد على من سواهم". وبذلك يتأكد أن المساواة مفروضة فرضًا في الإسلام، إلا أنه وبدلاً من أن تضطلع وزارة داخلية سلطنة عُمان ولجنتها تلك بالدور الواجب اضطلاعهما به، وهو جمع المواطنين على كلمة سواء ونبذ أسباب الفرقة والتباغض بينهم، وتعمل بما أمر الله به مصداقًا ل
قوله تعالى "الذين إن مكّنّاهم في الأرض أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر ولله عاقبة الأمور" (الحج: ٤١)، أو تستشعر مخافة الله القائل "ولا يجرمنكم شنئان قومٍ أن صدوكم عن المسجد الحرام أن تعتدوا وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان واتقوا الله إن الله شديد العقاب"(المائدة: ٢)، وقال تعالى: "إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تتقون" (النحل: ٩٠)، إذا بها وفي إصرار فج تستبيح لنفسها الاستهتار ببعض المواطنين والاستهزاء بهم مشرعة الأبواب لحدوث الفتن وشيوع التنابز بالألقاب والمهاترات في مجتمع قبلي يقدس القبلية وتشكل القبيلة فيه قطب الرحى "كانت الفتنة نائمة لعن الله من أيقظها".

وعوضًا عن تفادي مثل هذا الوضع الشاذ وغير السوي إذا بها تفعل العكس، ولا تكتفي بذلك وإنما تصر على السير في هذه الطريق، بالرغم من محاولات إثنائها عن ذلك، بحيث ينطبق على صنيعها هذا قول الحق تبارك وتعالى: "وإذا تولى سعى في الأرض ليفسد فيها ويهلك الحرث والنسل والله لا يحب الفساد وإذا قيل له اتق الله أخذته العزة بالإثم فحسبه جهنم ولبئس المهاد" (البقرة: ٢٠٥،٢٠٦)، والفساد والإفساد في الأرض غاية الظلم، والظلم فيه طرفان ظالم (وزارة الداخلية ولجنتها تلك وكل من له صلة بهذا الأمر من قريب أو بعيد) ومظلوم (معشر المجني علهم الذين تم إلغاء مسمَّيي قبيلتيهم القديمين والمعروفين قبل عدة عقود من الزمن والذين يملكون الوثائق والمستندات والحجج والبراهين المؤكدة لذلك والتي تدحض مزاعم وأكاذيب لجنة وزارة الداخلية ومن تم الاعتماد عليه في الإدلاء بتلك الأكاذيب والمزاعم). وظلم الإنسان للإنسان قد يكون فرديًّا أو جماعيًّا، ولكن الظلم الأخطر هو الذي تقف وراءه (جهة رسمية)، لأن المظلوم والمجني عليه والمسلوب حقه عندئذ لا يستطيع الدفاع عن نفسه ولا يمكنه التظلم، ويزداد الأمر سوءًا إذا كان هذا الظلم ممارَسًا من قبل (جهة سيادية) ترفع سيف (أعمال السيادة) في وجه المظلومين المعتدى عليهم. وقد حذر الله سبحانه من الركون إلى الظالمين بأي شكل من الأشكال "ولا تركنوا إلى الذين ظلموا فتمسكم النار وما لكم من دون الله من أولياء ثم لا تُنصرون" (هود: ١١٣).

وانطلاقًا من أن العدالة- التي لم تتحقق للمتضررين المجني عليهم بالرغم من لجوئهم إلى كافة الوسائل والإجراءات القانونية والمشروعة، بما في ذلك رفع دعاوى لدى القضاء- تعني- وفقًا لما أورده الدكتور مصطفى الرافعي في مقال له بعنوان "الإسلام والعدالة" منشور على الإنترنت- "القواعد القائمة إلى جانب قواعد القانون الأصلي مؤسسة على وحي العقل والنظر السليم وروح العدل الطبيعي بين الناس". كما أن الشرائع القديمة استقت مبادئ العدالة من هذا المصدر الذي هو العقل وشعور العدل في النفس، والعدل يعني تمكين صاحب الحق من الوصول إلى حقه من أقرب الطرق وأيسرها- وهو ما لم يتأت للمجني عليهم في حقهم- والعدل أو العدالة واحدة من القيم التي تنبثق من عقيدة الإسلام في مجتمعه، فلجميع الناس في مجتمع الإسلام حق العدالة وحق الاطمئنان إليها، عملاً بقول الله تعالى "إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل إن الله نِعِمّا يعظكم به إن الله كان سميعًا بصيرًا" (النساء:٥٨).

والعدل في الإسلام لا يتأثر بحب أو بغض، فلا يفرق بين مسلم وغير مسلم، كما لا يفرق بين حسب ونسب، ولا بين جاه ومال.. بل يتمتع به جميع المقيمين على أرضه من المسلمين وغير المسلمين مهما كان بين هؤلاء وأولئك من مودة أو شنآن، يقول الله تعالى: "يا أيها الذين آمنوا كونوا قوَّامين لله شهداء بالقسط ولا يجرمنكم شنئان قومٍ على أن تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى واتقوا الله إن الله خبيرٌ بما تعملون"(المائدة: 8)، فالعدل في الإسلام ميزان الله على الأرض، به يؤخذ للضعيف حقه وينصف المظلوم ممن ظلمه، وفي الحديث القدسي "يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرمًا فلا تظالموا"، وأبواب السماء مفتوحة أمام الإمام العادل وأمام المظلوم على السواء؛ يقول عليه الصلاة والسلام: "ثلاثة لا ترد دعوتهم: الإمام العادل، والصائم حتى يفطر، ودعوة المظلوم"، فالله سبحانه وتعالى يجيب دعوته، وينصف من يستغيث به، ويدفع عنه مظلمته. بل أباح للمظلوم فوق ذلك الدعاء على الظالم والتشهير به وقول السوء في حقه حتى يرجع عن ظلمه، مصداقاً لقول الله تعالى "لا يحب الله الجهر بالسوء من القول إلا مَن ظُلم وكان الله سميعاً عليما" (النساء: ١٤٨).

لقد دعا الإسلام إلى عدالة اجتماعية شاملة ترسيخًا لفكرة العدل كمبدأ، وتنمية لها كسلوك، لأن العدل هو أهم الدعائم التي يقوم عليها كل مجتمع صالح، فالمجتمع الذي لا يقوم على أساس متين من العدل والإنصاف مجتمعٌ فاسدٌ مصيره الانحلال والزوال". (انتهى الاقتباس من المقال المشار إليه للدكتور مصطفى الرافعي).

وقد كان رسول العدل والرحمة والمساواة أعدل الناس وأرحمهم بعباد الله، وبعد أن انتقل (ص) إلى الرفيق الأعلى اقتفى أصحابه نهجه وساروا على سنته في تثبيت دعائم العدل وأركان المساواة، فها هو التاريخ يحدثنا عن (الفاروق) عمر بن الخطاب رضي الله عنه بأنه تقد
م له في مجلس القضاء الإمام علي- رضي الله عنه وكرم وجهه- مع خصم يهودي وقعت خصومة بينهما، فنادى عمر عليًّا قائلاً له: "تكلم يا أبا الحسن"، بينما نادى اليهودي باسمه المجرد من الكنية، فإذا بعلي يغضب، فقال له عمر: "أتغضب يا علي لأني أسوي بينك وبين خصمك؟" فأجابه علي قائلاً: "كلا، ولكني غضبت لأنك كنَّيتني فعظَّمتني ولم تفعل ذلك مع خصمي"!.

إن المرء عندما يتوقف عند هذه الحادثة، ذات المغازي والدلالات العميقة، وتمر بخاطره أطياف العنصريين لا يملك إلا أن يردد وراء شاعر الأندلس الكبير (ابن عبدون) وهو يهزأ مما وصل إليه حال "ملوك الطوائف" من تشرذم وتسابق على تحقيق (المصالح الخاصة) على حساب الوطن الواحد:

سحقًا ليومك يومًا ولا حملت ....... بمثله ليلة في مقبل العمر

كما أن قصة جبلة بن الأيهم ملك بني غسان معروفة ومشهورة مع الأعرابي الذي داس على طرف ثوبه غير متعمد، فلطمه جبلة، فحكم عمر بأن يقتص الأعرابي من جبلة تحقيقًا لمبدأ المساواة، ولكن جبلة وهو الملك لم يرض بهذا الحكم خاصة وأن خصمه شخص عادي، ولم يكن الإسلام قد تمكن من قلب جبلة بعد، ففر هاربًا من تنفيذ الحكم وعاد إلى النصرانية مرتدًّا عن الإسلام.

ولكن قرارات وزارة الداخلية الجائرة والظالمة لا يمكن إبطالها حتى من قبل القضاء الموكل إليه تطبيق العدالة والمساواة بين الخصوم، وضمان مراعاة الطرف الأضعف في الخصومة، بسبب تحصين أعمال وأفعال هذه الوزارة وإسباغ صفة (أعمال السيادة) عليها، وهو مبدأ- في ظل إساءة استخدامه من قبل من أعطيت له هذه الميزة في ظلم الناس وسلب حقوقهم وانتهاك كرامتهم والتعدي على حرياتهم تمامًا كما فعلت (وزارة الداخلية) ولجنتها سيئة الذكر- يغدو أمرًا "باطنه فيه الرحمة وظاهره من قبله العذاب"، وما (أعمال السيادة) إلا كلمة حق كثيرًا وكثيرًا جدًّا ما أريد بها باطل، و"من يأمن العقوبة يُسئ الأدب"!.

والظلم مرتعه وخيم ومصير الظَّلمة هو الخسران المبين، لاسيما إذا استعان من وقع عليه الظلم بجبار السموات والأرض وخير الناصرين، وجأر بالدعاء مستنزلاً السماء لعنات ومستمطرًا إياها نقمات ضد من ظلمه مصداقًا لقول الحق تعالى: "ربنا آتهم ضعفين من العذاب والعنهم لعنًا كبيرًا"(الأحزاب:٦٨).

ولنتدبر ونمعن التفكير في هذه الحادثة من التاريخ، إذ لا تخلو من العبرة والعظة، وتتلخص الحادثة في أن "الفضل بن يحيى البرمكي" وهو أخو هارون الرشيد من الرضاعة ومُؤدِّب الأمين، وقد تُوفِّيَ سجينًا بالرّقة سنة 808م، وكان مقربًا كثيرًا من البيت العباسي وله حظوة كبيرة عند هارون الرشيد، وكان يأمر وينهى ويستشار في كل صغيرة وكبيرة، وقد حقق شأوًا عظيمًا بحكم المنزلة التي نالها لدى البلاط العباسي، وتمر الأيام وتمضي إلى أن كان يوم وجد فيه (الفضل بن يحيى) نفسه مع ابنه سجينًا في قعر زنزانة رطبة معتمة، ومن خلف القضبان ووسط الظلمة الموحشة يناجي الابن أباه بصوت باكٍ حزين: يا أبتِ أبَعْدَ الأمر والنَّهي صرنا إلى هذه الحال؟! فيرد الأب بصوت متحشرج ينم عما يعتمل في صدره من أسًى وفجيعة: يا بُنيَّ لعلها دعوةُ مظلومٍ سرتْ بليل غفلنا عنها ولم يغفل الله!.

فهل يتعظ الظلمة والعنصريون من موقف كهذا أم أنهم معصومون من الوقوع في مثل هذه المآزق والمواقف؟ ما الذي يدعوهم إلى الاطمئنان بحيث يظلون في غيهم سادرين "وقالوا لن تمسّنا النار إلا أيامًا معدودة قل أتخذتم الله عهدًا فلن يخلف الله عهده أم تقولون على الله ما لا تعلمون" (البقرة: ٨٠).

أنتم يا هؤلاء بفعلتكم الشائنة هذه مَنْ ظلمتم الناس وأثرتم الفتنة "كانت الفتنة نائمة لعن الله من أيقظها". ولا يغرنَّكم المناصب التي تحميكم والكراسي التي أنتم تتيهون بالجلوس عليها، فلستم إلى الله أقرب!.

إن المناصب لا تدوم لأهلها إن كنت في شكٍّ فأين الأوَّلُ؟!

وحتى إن تطاول بكم الزمن وعشتم زمنكم وزمن غيركم، فلا بد يومًا أن تغادروا هذه الحياة حتى وإن لم تضعوا ذلك في حسبانكم:

كل ابن أنثى وإن طالت سلامته لا بد يومًا على آلة حدباء محمولُ

ثم ماذا سيكون وضعكم ومصيركم هناك عند رب العزة وأعناقكم تنوء بدعوات المظلومين والمقهورين، هل ستشفع لكم مناصبكم؟ وهل ستغني ("أعمال السيادة") التي استبحتم بها ظلم الناس وغمط حقوقهم من الله شيئًا؟ وهل ستنفعكم انتماءاتكم القبلية وأوضاعكم الاجتماعية التي بموجبها سخرتم من عباد الله وأنكرتم عليهم حقهم في الحياة الحرة الكريمة؟ "فإذا نُفخ في الصور فلا أنساب بينهم يومئذٍ ولا يتساءلون"(المؤمنون:١٠١). يقول الرسول (ص): "لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كِبْر. قالوا: وما الكِبْرُ يا رسول الله؟ قال: الكِبْرُ بَطْرُ الحقِّ وغمطُ النَّاس"، وبطر الحق أي إنكار الحق وجحده، وغمط الناس أي ظلمهم، وهو تمامًا ما فعلته (وزارة الداخلية) ولجنتها سيئة الذكر. ويقول (ص): "لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه"، و"الدين المعاملة"، وهؤلاء رأوا في أنفسهم الكمال والأفضلية- بالرغم من بشريتهم- وأنكروا على المتضررين حقهم في أن يكونوا أنا
سًا موفوري الكرامة كما أمر الله ودعا الرسول، ويقول النبي (ص) أيضًا: "من سن سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة لا ينقصون من أجورهم شيئًا، ومن سن سنة سيئة فعليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة لا ينقصون من أوزارهم شيئًا".

ويعد ما أقدم عليه هؤلاء العنصريون الاستئصاليون من الأفعال المستهجنة ذات الآثار السلبية المتوالدة والمتناسخة التي عقَّدت حياة من تعلقت بهم من المجني عليهم، بحيث تعطلت مصالحهم وتوقفت شؤون حياتهم، بل إنه حتى (الموتى) من هؤلاء لم يسلموا من النتائج المأساوية لهذه الفعلة، وكأن لسان هؤلاء يقول: "حتى على الموت لا أخلو من الحسد".

إن ما أقدمت عليه تلك الوزارة ولجنتها ليس له تفسير سوى شعور من يقف وراء ذلك بالتفوق العرقي على سواهم من البشر، واعتبار الآخرين- بدعوى ادِّعاء التفوق العرقي و الإيمان بنزعة التمييز العنصري والعصبية القبلية- مجرد حشرات تدب على الأرض، وبالتالي- وفقًا لهذه النظرة- يجب تقرير مصير هذا الآخر نيابة عنه عبر وضعه اجتماعيًّا في منزلة يجب عليه ألا يتخطاها حتى لا يتساوى مع من وضعه في تلك المنزلة "... النظريات التي تنادي بتفوق عرق على بقية الأعراق يمكن تسكينها تحت الخانة التي يقيم في أعلاها الشيطان، لأن نظرة الجنس المتفوق في أصلها الديني نشأت على أن الشيطان رأى نفسه أعلى شأنًا من مخلوق آخر وتعالى عليه وتكبر، ومن هذا المنطلق نشأت نظرية ثقافية تدعو أو تدَّعي أن عرقًا من الأعراق يعد متفوقًا، كما كان مثلاً لدى الفكر النازي الذي رأى أن العرق الآري عرق نقي ومتفوق ويجب أن يسود، ولا يكفيه أن يسود فقط بل من حقه إبادة غيره من الأعراق الأقل شأنا. نفس النظرية تلقى رواجًا في الفكر الديني المتطرف عند الصهاينة الذين يعتقدون أنهم شعب الله المختار وأنهم "أبناء الله وأحباؤه"، وبقية الأجناس البشرية لا شأن لها، بل لا حاجة لها أن تكون أصلاً موجودة على سطح الكوكب، وهذه ثقافة أهم عنصر من عناصرها له بعد ديني تمَّتْ أدلجته وإلباسه القداسة التي تحميه من أن يعرض على الحوار العقلي، وبالتالي تحصنه من أن ينكشف زيفه أمام الآخرين، فهي- أي هذه الثقافات التي تقوم على اعتبار الآخر حشرة يجب سحقها- تعاني عقد نقص وشعورًا بالفوقية تستبيح من خلاله كل المحرمات، متخذة لنفسها مبررات عقائدية، وعلى هذا المنحى نشأت الطبقية حتى تحت هرم الثقافة الواحدة التي قسمت المجتمع كما هو عند الرومان مثلاً إلى سادة لهم كل شيء، وعبيد ليس لهم أي شيء سوى السياط تلهب ظهورهم والسيوف تطيح برؤوسهم بسبب أو بغير سبب.

ولعل كل الحضارات التي قسمت المجتمع إلى طبقات على هذه الشاكلة تكون بذرت بذلك بذور موتها، لأن أية ثقافة تقوم على ازدراء الآخر وإلغائه هي ثقافة كراهية مصيرها الموت إن عاجلاً أم آجلاً... وإذا استمرت ثقافة الكراهية تعمل عملها فإن حركة التاريخ لن تكون في مصلحة الأقليات، وذلك هو دأبها، ولهذا فإن ما يجب الترويج له وإحياؤه هو العناصر الإنسانية للثقافة التي تكون قادرة على التواصل والحوار بعيدًا عن الإلغاء والتعالي وادعاء التفوق" (سيف محمد المري- مجلة دبي الثقافية- العدد (27) أغسطس 2007م).

إن فعلة (وزارة الداخلية) الشائنة تعد خطيئة بكل المقاييس، فمن شأن ما فعلت تشويه سمعة عُمان في المحافل الدولية والإساءة إلى سجلها في مجال حماية واحترام حقوق الإنسان، كما أن الإصرار على هذه الممارسات العنصرية بذريعة (أعمال السيادة) كفيلٌ بأن يدعو إلى التساؤل عن مدى حقيقة ما يصوره الخطاب الرسمي من أن كل شيء في البلاد بالنسبة إلى معاملة الإنسان على ما يرام، ومن ذلك ما تحدث به أحد كبار المسؤولين يومًا عندما قال ما مفاده لن تجد حرية أو احترامًا للفرد كما هو موجود عندنا، وإنه لا يوجد مكان في العالم تحترم فيه خيارات الفرد مثلما عليه الحال في عُمان، ولكن فعلة تلك الوزارة ومن مالأها تدعو إلى الشك في مدى حقيقة ذلك، ولا يملك المرء إزاء وضع كهذا إلا أن يتساءل عما إذا كانت هذه الوزارة- جراء ما تفعله بحقوق الناس وحرياتهم وكرامتهم- في حد ذاتها (دولة) داخل الدولة! وما إذا كانت لها أجندتها الخاصة في رسم سياسة البلاد؟! وإن كان الجواب بأن الأمر كما يتم التصريح به رسميًّا، فإنه يتوجب عندئذ محاسبة ومعاقبة من يريد تلويث سمعة البلاد وإهالة التراب على الإنجازات المتحققة.

متى يبلغ البنيان يومًا تمامه إذا كنت تبني وغيرك يهدمُ؟


05 مايو 2008

حجز القضية للنطق بالحكم في 26 مايو الجاري

ترأس القاضي المستشار ماجد العلوي رئيس محكمة القضاء الإداري صبيحة اليوم الاثنين 5 مايو 2008م جلسة الاستئناف المتعلقة بقضية إلغاء وزارة الداخلية مسمَّيي آل خليفين وآل تويه واستبدال الحارثي بهما. لم تستغرق الجلسة طويلاً، حيث سلَّم مندوب وزارة الداخلية القاضي مذكرة تتضمن رد وزارته على دعوى المتضررين. وسأل القاضي مندوب الداخلية إن كانت لديهم إضافات ومطالب جديدة، فرد المندوب بأن لا إضافات وأن وزارته تطالب بالمطالب السابقة نفسها والتي تحتويها مذكرة الرد المكتوبة.

وردًّا على سؤال القاضي له قال محامي المتضررين السيد خالد المرهون إن سيُعِدُّ رده بعد أن يطلع على مذكرة رد الداخلية.

ومنح القاضي المستأنِفين مهلة أسبوع لإيداع مذكَرَة َردهم، وحجز القضية للنطق بالحكم في 26 مايو الجاري.

03 مايو 2008

في الذكرى السنوية الثانية لقرار وزارة الداخلية إلغاء مسمَّيي آل خليفين وآل تويه

تمر الشهور والأيام والساعات والدقائق ويزداد رصيد الإنجازين التاريخي والحضاري لوزارة الداخلية في إصدارها ذلك القرار العبقري المتعلق بإلغاء مسمَّيي آل خليفين وآل تويه. في هذا الشهر سيكمل ذلك القرار العبقري عيده الثاني. وتذكيرًا فقد صدر القرار بعد 2006 سنوات من ميلاد المسيح عليه السلام. وفي هذه الذكرى التاريخية للعيد الثاني لأعظم الإنجازات الوطنية وأكثرها حصافة وأميزها عبقرية وذكاء لا يرغب المتضررون في تأكيد سخريتهم وهزئهم بالقرار فقط، بل كذلك تأكيد عزيمتهم وعزمهم على دحره وإبطاله بشتى السبل المشروعة. ومع طول الوقت بات المتضررون اليوم أكثر ثقة في عدالة قضيتهم ووضوحها للناس.


إن قرارًا كهذا لا يمكنه الاستمرار أو الحياة طويلاً، لأنه قرار جائر ومتخلف ومفضوح وفي منتهى السخف والرجعية والحماقة. يا ترى كم من السنوات تستطيع وزارة الداخلية الاستمرار في فرض قرارها المتعبقر؟ الإجابة متروكة للداخلية. أما المتضررون من أفراد القبيلتين فإن كل يوم يمضي عليهم يزيدهم قوة وصلابة وعزيمة على مواصلة المطالبة بحقوقهم المشروعة والقانونية، كما أن سنتين صبروا فيهما على قرار تافه وسخيف وعنصري يسعى في باطنه إلى المتاجرة بهم، ضمن مسلسل الاتجار بالبشر، وإلحاقهم بأناس لا يمتون إليهم بأدنى صلة، وذلك بهدف إذلالهم وإهانتهم في دولة المؤسسات والقانون- وأي قانون وأي مؤسسات! وتقديمهم قربانًا مجانيًّا للسخرية من هذا وذاك- هاتان السنتان علمتاهم أن الحقوق لا تُوهب بل تنتزع، كما علمتاهم أيضًا أنهم قادرون على فرض تحدِّيهم للقرار الجائر ولمن تفتَّقت اجتماعاتهم ومواهبهم بإصداره لقرن قادم من الزمان!


هذا القرار الذي يعرف المتضررون يقينًا أنه سيذهب أدراج الرياح- عاجلاً أم آجلاً- لا يقوم على أي أساس قانوني ولا قضائي، ناهيك عن الأساس الأخلاقي والأساس الوطني الممرغين في وحل العنصرية.

إن متعلقات هذا القرار السخيف والتافه لا تكاد تصمد مع الحجج والبراهين والأدلة الدامغة التي في حوزة المتضررين، والتي لا تملك الداخلية ولجنتها العبقرية مستندًا واحدًا للرد عليها سوى قرار مكتوب بلغة سخيفة. وبالرغم من جهود البحث والتحري الجبَّارة التي بذلتها اللجنة العبقرية- كما جاء في قرارها- فقد كان مؤدَّى جهدها الخارق أنها اكتشفت متأخرة أن تحريها وبحثها لم يوصلاها إلى أيِّ شيء. ويالأسف اللجنة العبقرية فلم يكن بحثها وتقصيها دقيقين جدًّا، فقد توصلت إلى نتائج- علاوة على كونها غير واثقة منها- ناقصة ومبتورة حين قررت أن "تويه" رجل وليس قبيلة!!! النتيجة الناقصة في ذلك المبحث المهم هي أن "خليفين" أيضًا رجل يا أيتها اللجنة المتعبقرة والمعبقرة والعبقرية. نعم تويه وخليفين رجلان، ومن الطبيعي أن يكونا كذلك فهما ليسا من سلالة الديناصورات أو المخلوقات الفضائية. نحن نساعدك أيتها اللجنة العبقرية في إكمال جهود بحثك الجبار بتسجيل خليفين رجلاً مثل تويه.


هذا القرار- كما أصبح مشهورًا عنه ومعروف للقاصي والداني- مكتوب بلغة عربية مهترئة لا ينقصها النحو والصرف والبلاغة فقط، بل حتى أبسط تنسيق للعلامات والجمل والأقواس، وكان يكفي إرسال القرار إلى أحد مكاتب الطباعة في العاصمة مسقط لتُعدِّله إحدى المنسقات بنصف ريال حتى يتمكن من التماسك- ولو قليلاً- أمام سخافة وتفاهة محتواه.


ألا يا وزارة الداخلية ولجنتها العبقريتين: إننا لسنا واثقين فقط في عدالة قضيتنا، بل إننا كذلك واثقون في أن قرارًا كهذا لا يعدو كونه مولودًا جنينيًّا مشوَّهًا ومعوَّقًا، وأن كل عمليات القيصرة والقلب والشرايين والتجميل باتت تُعجِّل في موته السريري حيث لا أمل في حياته!


في هذه الذكرى التاريخية الثانية لذلك القرار العبقري نتقدم بخالص التحايا إلى شباب وشياب القبيلتين، الصامدين والصامدات، السادة والسيدات، ونقول لكم: صبرًا صبرًا آل خليفين وآل تويه، ورغم أنف العنصريين سيُلغى هذا القرار العنصري الحقير.

 

02 مايو 2008

الاثنين 5 مايو جلسة الاستئناف الأولى في قضية إلغاء وزير الداخلية مسمَّيي قبيلتين

يوم الاثنين الموافق 5 مايو القادم تنظر محكمة القضاء الإداري الاستئناف المرفوع من قبل المتضررين في قضية إلغاء وزير الداخلية مسمَّيي قبيلتي "آل تويه" و"آل خليفين" على الحكم الابتدائي الصادر من ذات المحكمة (الدائرة الابتدائية) والقاضي بـ"عدم الاختصاص".

29 أبريل 2008

أحزانٌ مُعتَّقة

الشاعر خميس قلم
الشاعر خميس قلم
 
 
خميس قلم
 
 
يباس

خمر تزرعك
قمراً
في سماء الصخب
موسيقى تسرق أحزانك
من الزمن
أرداف تراقص شهوتك
أنَّى لك أن تصحب كل هذا اللهو إلى
سريرك اليابس؟

23-11-2006



سقوط

من على قلبك
أسقط
لا تنقذيني
دعيني
أتكسر تحت قدميك
كجوزة يابسة
23-11-2006

انهماك

فتشت كثيرا
في كلام الأسلاف
فلم أجد
حكمة توازي صمتهم

23-11-2006




تحرُّر

لم أعد أخشى
أن أخلط
في طعامي
السمك باللبن
أنا الآن حر
أنا مصاب بالبرص

4-11-2006



صيد

الزمن.. ذلك الكائن الضخم
يهرب من كل الفخاخ
التي أنصبها له
يبدو أنني سأحتاج
إلى حيلة أكثر اتساعا

11-11-2006



خروج

الغريب الذي ضاقت الصحراء
بأحلامه
رهن للرمضاء ناقته
وتعلق بجناح طائر فولاذي
بأي مشيئة أسكن الريح خيمته؟
بأي ذنب أطعم لذئاب الغياب
ثغاء صباحاته؟

الغريب يكسر ناي ذاكرته برائحة التبغ
ويتدحرج على مساء مسفلت

9-3-2006



انتظار

شفتاي يشققهما الجفاف
أقضي الليلة أنتظر قصيدة رطبة..
القمر وأنا
نحرس هدوء القرية وأحلام الكادحين ..
متى ستطلين يا قطرة الندى؟




وعلى الأعراف رجال

يالغربة الروح في هذا المكان الملتبس!
لا إلى هؤلاء ولا إلى أولئك
(البريمي) مطهر الشاعر المعلّق
بين فردوس الحبِّ وجحيم الحنين

* شاعر من عُمان

الشاعر خميس قلم

23 أبريل 2008

الحقائق والتعتيم.. مواطنٌ تُفقِدُه الشرطة بصرَه ولا أحد يقبل دعواه

مؤخرًا انتشرت بين الناس أخبار عن قضايا تعذيب وقتل على أيدي شرطة عُمان السلطانية ضد مواطنين مسجونين. تُجمع تلك الروايات على أن تعامل الشرطة لم يتم وفقًا للقوانين، بل بمختلف التجاوزات التي تستغل النفوذ والسلطة من قبل صغار المسؤولين وكبارهم، وأن الأمر أصبح في حكم المعتاد. وهناك من يسرد عشرات الأمثلة على الضرب والإهانات التي يوجهها بعض الشرطة إلى أصحاب قضايا مختلفة ومراجعين، إلا أنه، وبسبب الغياب التام لأي مؤسساتٍ وجمعياتٍ مدنية وحقوقية مراقبة ومتابعة، تبقى أغلب هذه الحوادث غير مؤكدة وغير مدعمة بالأدلة، وغير متابعة، ولهذا السبب وبسبب غياب الوعي العام بالحقوق وضرورة الإبلاغ من قبل المواطنين عن هذه الحالات فإن حالات الانتهاك مرشَّحة للتصاعد.

وقبل أيام نشر موقع "فرق" خبرًا تحت عنوان "شباب يقتلهم التعذيب في مركز شرطة الخوض"، وعنوان فرعي شبه تفصيلي لفحوى الخبر "وفاة ثاني شخص بمركز شرطة الخوض في غضون شهر". وقال الخبر إن الملازم ح المقبالي رش مواد كيميائية على بعض المتهمين بالسرقة لنزع الاعترافات منهم. (خبر منشور باسم "الصمت")!
وحسبما جرت العادة لا يجد الناس أي ردود أو توضيحات رسمية من ذوي الاختصاص، ولا تتناول الصحافة المحلية تلك الأخبار، ولا تضغط من أجل توضيح الحقائق للرأي العام.
والمتعارف عليه في المجتمع- كقاعدة- أن الصمت سيد الموقف في مثل هذه الحالات، ودائمًا يتنامى حس الخوف الذي بسببه يصرف كثيرون النظر عن تقديم الشكاوى ويلازمهم يقين بأن الآية ستنقلب ضدَّهم ويتحولون من أصحاب حق إلى مدانين! وهو منطق شديد الغرابة لكنه مترسِّخ لدى أغلبية العُمانيين إلى الدرجة التي تُوهم الآخرين بأن المجتمع خال من تلك الحوادث.
إن المخيف حقًّا والباعث على القلق وما يحتاج إلى تحرُّكاتٍ عاجلة أن تلك الانتهاكات قائمة بالفعل، لكن التستر عليها يُحوِّل الضحية إلى متهم، وفي أحسن الأحوال يتولَّى التجاهل بعث اليأس والخوف المضاعف في الضحية التي تجد نفسها وحيدةً مستفردًا بها وبلا حيلة، إن لم يحدث العكس وتتحوَّل الضحية إلى كائن متوتر ممتلئ بالضغائن وقابل للانفجار في أي لحظة- وبالتأكيد لن تصيب شظايا انفجاره أحدًا سواه!
للتدليل على ذلك سنختم بالقضية التالية:
مساء أول من أمس، الثلاثاء 23/4/2008م، وبالتحديد في برنامج "البث المباشر" الذي تبثه إذاعة سلطنة عُمان بين الثانية والنصف والثالثة والنصف ظهرًا اتصل أحد المواطنين بمقدم البرنامج المذيع بدر الشيباني، وسرد عليه قصته، حيث كان متَّهمًا بقضية جنائية قضى محكوميتها في سجن الرميس. كان هذا الشخص مصابًا في إحدى عينيه ويستخدم قطورًا أوصاه الطبيب (قبل دخوله السجن) بالضرورة القصوى لحفظه في ثلاجة، إذ يخضع استخدامه لشروط صارمة دونها قد يصبح الدواء بلا جدوى.
وعبر سلسلة من المحاولات التي يقوم بها المتهم مع الشرطة، ومنهم ضابطان برتبتي ملازم ونقيب، لا يفلح في إقناعهم بالضرورة الملحة للاحتفاظ بالدواء في الثلاجة، بل إنهم يضربونه ويتسببون في تفاقم حالته وتردي بصره إلى درجة غير محمودة العواقب.
وبعد خروجه من السجن، ونتيجة لما وصلت إليه حالة عينيه، حاول الشخص مقاضاة المتسببين في تردي حالته، وعلى الرغم من انقضاء فترات طويلة على خروجه من السجن وعلى تقديمه شكاوى إلى أعلى المسؤولين في شرطة عُمان السلطانية ورفعه دعاوى إلى المحاكم إلا أن عدم الإنصاف والتجاهل كانا حصاده الوحيد.
سيجد القارئ مع هذا الخبر مرفقًا صوتيا يستطيع عبره سماع دقيقتين وست وعشرين ثانية من الحديث الذي دار في برنامج "البث المباشر" بين الشخص المتضرر والمذيع، علمًا بأن الحديث الكامل استغرق ما يقارب الربع ساعة.
لعب برنامج "البث المباشر" دورًا كبيرًا في امتصاص غضب المواطنين وشكَّل متنفسًّا لبعضهم، وهو البرنامج الذي أثار كثيرًا من الجدل، وأُوقف بثه، وبعد السماح بعودته بقي دائمًا مثار قلق للمسؤولين الذين لولا ولولا! يريدون منع بثه اليوم قبل الغد.
وفي هذا التسجيل وفي غيره ينبري المذيع للدفاع في كثير من الأحيان عن الدولة ومؤسساتها ومحاكمها، انطلاقًا من التعليمات الصارمة التي تبقيه كـ"موظف" حكومي قاب قوسين أو أدنى من فقدانه وظيفته. ويجد مذيعو ومقدمو هذه البرامج أنفسَهم في مواقف حرجة حين استقبالهم لمثل المكالمة المذكورة أعلاه ليصبح همُّهم الوحيد والأوحد التخلص من المتصل وإنهاء المكالمة لكن بطريقة لا تُشعر المتابع بتعمدهم ذلك، على الرغم من أن المذيع نفسه قد يكون مؤيِّدًا تمامًا للمتصل ويعلم علم اليقين بالظلم الواقع عليه، كما يعلم أن الدور الأساسي لبرنامجه ليس إتاحة الفرصة والحرية لطرح القضايا والبلايا التي تحصد بلادنا بل ذر الرماد على العيون والإيهام بتلك المبادئ!
إنها تناقضات لا تُحصى سببُها السياسات العُليا وانعدام الوازع الوطني والضمير الأخلاقي اللذين ينشدان الصالح العام ولا يرتاب أصحابُهما في المواطنين ولا يتخذونهم أعداءً ولا يقمعونهم ولا يتجاهلونهم.
إذًا من يستطيع أن يؤكد أو ينفي أو... أخبار التعذيب والقتل والتهديد والتجاهل والاستغلال والتخويف والأيدي الحديدية التي تبطش ولا تبالي!
ِ


22 أبريل 2008

الرجل الذي لم يحلق "شنبه" ثلاثين سنة!

شنب حافظ على تربيته ثلاثين سنة

شنب عمره ثلاثون عامًا

 

في شارع المعارض، أحد أشهر شوارع مدينة المنامة، الشارع المليء بمحال الحلويات وفنادق "الأربع نجوم والثلاث" الشبيهة بفنادق ديرة في دبي، فجأة، قرابة الثانية والنصف ظهرًا، حين كان كبد السماء عبارة عن جحيم ينصب على الأرض، وفي غمرة أخبار مزعجة وأخبار حزينة وأخبار يصبغها الدم وأخرى شخصية لا معنى لها وسط كل ذلك الاختلاط الذي يغلي في الدماغ، في تلك الساعة وذلك المكان، وبينما كنتُ أنعطف نحو فندقي البائس، فجأةً رأيتُ التمثال.
في البداية ظننته تمثالاً، لأن شاربيه بديا غير معقولين على الإطلاق، وعندما اقتربتُ منه ازدادت دهشتي وطار كل ما في رأسي؛ كان يجلس على مصطبة عالية أمام محل "مساج" تايلندي بجواره هندي اتضح فيما بعد أنه بائع البقالة الملاصقة.
هل هذا تركيب؟ سألته مشيرًا إلى أحد طرفي شاربه، فبدا عليه الضيق وحدجني بنظرةٍ مُستفَزَّة، وأجاب على الفور: لا.
- كم سنةً ربَّيت هذا الشنب؟
- ثلاثين سنة- قال والعرق يسيح على جبهته ووجهه.
كان يضع بعض المواد الكيميائية لتثبيت الشاربين وتصليبهما ورفع نهايتيهما كقرنين؛ ولطولهما لا شك أن تلك المواد وحدها لم تكف فشدَّهما من منتصفيهما بخيطين ثبتهما حول أذنيه. رأيت دمًا على أذنه اليُسرى من أثر الخيط الذي بدا كالشفرة وهو يلتفُّ حولها.
- كيف تنام؟
لم يرد. مؤكد أنه لا ينام مثلما ينام جميع الناس وإلا "تكسَّر" الشاربان وضاع مجهود ثلاثين عامًا. كان هذا تفكيرًا ساذجًا كما سيتبين لاحقًا، والأرجح أن الشمس المتعامدة فوق الرؤوس خلطت كلَّ ما في الدِّماغ. كان الأهم هو الوصول إلى غرفتي بالفندق لكن الشنب لخبط الأمور.
بثلاثة دنانير- قال وهو يشير إلى آلة تصوير وضعها بجواره على المصطبة- الصورة بثلاثة دنانير. غلت ثانية الأخبار والأفكار في رأسي. سجَّلت رقم هاتفه النَّقال، ووعدته بالعودة غدًا لأنني مشغول جدًّا الآن. ما اسمك؟ سألته وأنا أسجل رقمه في هاتفي. تحدث بعربية مكسَّرة صعبة الفهم، وفهمت منه أن عليَّ تسجيل الرقم باسم "شنب".

 

وقفة تليق بالشنب الفريد

وقفة تليق بالشنب الفريد


في اليوم التالي ذهبت في جولة سريعة إلى بعض المزارات السياحية البحرينية، ومن أجل بعض الضرورات تواصلت هاتفيًّا مع الصديق الرائع عيسى الغايب نائب أمين عام جمعية حقوق الإنسان البحرينية، ونسيت الاتفاق الذي بيننا بدافع من الانشغالات التي يبدو أمرٌ كهذا لا داعي له أبدًا في خضمِّها، لكن الشمس، من جديد، كانت بالمرصاد، فبعد خروجي من أحد مقاهي الإنترنت في الشارع نفسه، والشمس تواصل مهامَّها المعتادة رأيته في الطرف الآخر حيث لا بد أنْ أعبر متَّجهًا إلى الفندق؛ كان هناك في الشارع المعرَّض تمامًا لسياط الشمس، ولأنَّ اتفاقًا كان بيننا منذ الأمس، ولأنه سيراني أعبر أمامه، وكي لا أكون هازئًا بشاربه الذي ربَّاه ثلاثين سنة، أخرجت هاتفي واتصلت به، ورأيته يُخرج هاتفه من جيبه ويقربه من أذنه ويردُّ. أنا هنا في نفس المكان الذي التقيتك فيه البارحة- قلت له بعربية مكسرة كي أستطيع التفاهم معه! ولم يبد عليه أنه فهم شيئًا، إلا أنني فهمت أنه يريد القول إنه ينتظرني في نفس المكان! أنا هنا وراءك، تعال هنا لو سمحت لأن الشمس هناك حامية وهنا ظلّ! أردت قول هذا بتلك الطريقة الخاصة التي أسَّستها العمالة الهندية عبر وجودها الطويل في الخليج على الرغم من أن صاحب "الشنب" تركي. وفي اللحظة التي التفتَ فيها إلى الخلف ورآني كنتُ قد بلغت بقالة الهندي، وكان هذا خارجًا من دكانه، فناولته هاتفي وطلبت إليه أن يطلب إليه المجيء إلينا، مشيرًا إلى الطرف الآخر من الشارع.

قلتُ له إنني لا أريد صورة بآلة التصوير الخاصة به، وإنني سألتقط له عدة صور بكاميرتي. لا بد من رفع السعر في هذه الحالة؛ قال بتلك اللغة الصعبة الفهم. حسنا. توجَّه نحو الشارع وحسبته سيقطعه إلى الجهة الأخرى مرة أخرى، وناديته، إلا أنه واصل المشي ثم وقف واستدار ووضع يديه على خصره متَّخذًا هيئة مصارع، ومن صدره المكشوف عبر عدة أزرار يتعمد تركها غير مزررة بان شعر صدره الكثيف وسحب منه "خصلات" نحو الخارج، وأشار إلى أنه مستعد لالتقاط الصور!
ولأن شاربه فريد من نوعه ليس في المنامة فقط بل في العالم أجمع كان جميع ركاب السيارات المارة خلفه والعابرون أيضًا يلتفتون إليه، ومرت سيارة شرطة رفع أحد شرطييها يده صوبي كي أكف عن التصوير ريثما يمرَّان، وتوقفت هنيهات، ومرَّا، وعاودت التقاط الصور، ثم طلب منِّي التركي أن أسلِّم الكاميرا لصديقه الهندي وأذهب إليه ليلتقط لي صورة معه.
بعد ذلك صورت معه ونح

قبل خمس وعشرين سنة

...

وقفة تليق بالشنب الفريد

شنب حافظ على تربيته ثلاثين سنة

16 أبريل 2008

قنبلة أحمد عبد الملك الصوتية!

رواية "القنبلة" للأديب القطري أحمد عبد الملك
رواية "القنبلة" للأديب القطري أحمد عبد الملك
محمد العباس

بعد أن يُخضع مجتمعه لقراءة تشريحية ساطية معرياً عيوب ومثالب الحياة/الهوية الخليجية الحديثة، يتراجع أحمد عبدالملك في نهاية روايته "القنبلة" عن كل ما استعرضه من مظاهر الاختلال الروحي والمادي في حياة عائلة قطرية، فيما يبدو إشفاقاً على تلك الذات من مكاشفتها بالحال والمآل اللذين انتهت إليهما، أو ربما لإبداء شيء من الأمل بإمكانية ترميم الخطأ، إذ يحيل كل عطالتها وبؤسها الحياتي إلى حالة فصامية، لا إرادية، ولا واعية، مردها مرض ازدواجية الشخصية (Double Personality ) التي تلبست بطلة الرواية "حياة" بمن هي - كامرأة - الصورة التصفيحية لمعنى وجدوى الحياة كما يحيل اسمها، وبما تستبطنه الرواية من دلالات في هذا الاتجاه، فكل ما تم سرده من تشوهات فادحة مجرد أعراض لوهن مجتمعي طارئ يمكن الشفاء منه، بمعنى أن الخراب الذي تولَّد عن عصر الثراء الذي أعقب اكتشاف النفط، بما هو نسق ناظم للحياة المادية واللامادية للإنسان الخليجي، لم يصل بعد إلى الحد الذي لا يمكن تفاديه.


وإذا ما تمت مساءلة ذاته التي أنتجت الرواية، التي تقيم هي الأخرى في حالة مزمنة من الإنكار كشكل من أشكال التماهي مع أبطال الرواية، يتبين أن ليس ثمة قنبلة اجتماعية حقيقية قابلة للانفجار، بل مجرد إنذار بإمكانية وجودها، أو ربما أرادها قنبلة صوتية لإثارة حالة من الفزع الاجتماعي، وتصعيد الإحساس بخطر فقدان الذات وضياع الهوية، إذ لم يغادر "ناصر" بيت الزوجية إلى امرأة أخرى على الرغم من اشتهاءاته وانحرافاته الواعية واللاواعية، ولم تسمح "حياة" لرجل آخر باقتحام مخدعها، على الرغم مما أبدته من شبق متأصل بسبب إقامتها في جسد أرادت به مناددة الحياة. ولا يعدو الأمر كونه وشاية من الخادمة "كاترين" أو مجرد شكوك ومراودات نتيجة فتور العلاقة فيما بينهما، والصقيع الذي يلف حياتهما وسط حاضن مادي يخلو من الدفء، حيث لم تقترف الخطيئة بشكل فعلي، وعليه فلا خوف من الكارثة كنتيجة حتمية حسب التصور الشكسبيري، أو هذا ما تعكسه طبيعة السرد من حيث تماهي الراوي مع المروي له والمسرود له في آن.

هكذا يبدو الأمر مجرد تمرين على التطهُّر، أو إعادة تمثيل طقس الخطيئة على الورق، حيث تقف "حياة" في مستهل الرواية قبالة الكعبة "في حضرة الله". ومن تلك الحافة الإيمانية يرتد إلى الوراء بسرد استذكاري ليعدد جملة من مظاهر التردي النفسي والجسدي والاجتماعي، ولكنه يتنازل عن معطيات الواقع، انتصارًا للعبة إيهامية، خوفاً من التجابه مع الحقيقة، أو ربما تلويحاً بخطر يمكن نزع فتيله، فالرواية المسرودة بصوت امرأة، ووعي ذات مثقفة وواعية بخطورة واتساع وعمق التحولات الاجتماعية، تعكس في شعورها ولا شعورها مأزق مثقف لم ينفصل كسارد عن شخوصه داخل السرد، إذ يعيش من خلال تورطه في الرواية إشكالية معلنة مع المجتمع، والموروث، والثقافة، والمؤسسة، والعقائد، والهوية، فهو- كمثقف- مريض في مجتمع مريض، حسب تحليل لوسيان غولدمان للعلاقة الاستبدالية بين الكاتب ومجتمعه في كتابه "الإله الخفي" حيث تكتسب الذوات العارفة عدوى علاتها من الحاضن الاجتماعي وتصارعه بمضاداتها في آن، كما يتوضح ذلك من انفصامه هو الآخر بما يبدده من رؤية إحباطية مركزية ناتجة عن سقوطه في اللاوعي الجمعي الذي قام مقام الوعي لحظة إنشاء نص "القنبلة" حيث يتجلى ذلك التيه فيما يدوِّنه في مفكرته الحمراء إزاء علاقته بحياة "هل أحب أنا هذه المرأة؟ أنا لا أستطيع تحديد مدى حبي أو كرهي أو عدم اهتمامي بها!".

ويبدو أنه قد اختار الجنس لتفسير التحول الدراماتيكي في حياتهما، على اعتبار أنه مفتاح الحقائق، بتصور ألبرتو مورافيا، فهو زاوية نظر مثل عدسة الكاميرا، وهو بمثابة اختيار زاوية للنظر إلى الأشياء، وعبر النظر إلى أشياء الجنس نرى كل الأشياء الأخرى. وهو الأمر الذي يتوضح بشكل أكثر صراحة أو بما يشبه الصدمة، ليس في استعراض مظاهر التفسخ الاجتماعي، واختلال الميزان القيمي وحسب، ولكن من خلال تعلُّقه وانئساره لزوجته "حياة" الموبوءة بنزق بوفاري لا شفاء منه، بالرغم من كل الأوجاع العاطفية التي خلَّفتها في روحه وجسده، كما يبدو ذلك جليًّا في عباراته التي تنم عن اعتناق عاطفي غير مشروط "لقد لوَّنت هذه المرأة حياتي بطلاء الشك. وقضينا خمسة وعشرين عاما نتلذذ ونتعذب بلعبة القط والفأر ... كم أحببت هذه المرأة؟ وكم تحملت أفكارها وتصرفاتها. كان هنالك رابط قوي بيننا لم تقطعه تصرفاتها وشكوكي بها ومواقفها المشينة أحيانا. لم أكن لأطيعها وأطلقها. من يطلق روحه؟ ومن يجتث يده أو عنقه عن جسده".

أن تحب امرأة مع رغبة ألا تخونك، حسب ألبرتو مورافيا، يعني أنك لا تحبها،
وإذ تحبها، يعني أن تحبها بكل رغباتها تجاه الآخرين، وبكل أخطائها، وهنا بالتحديد مكمن الانفصام الذي عاش على حافته "ناصر"، فزوجته حياة بنت الحاج عبدالرحمن زعيم القبيلة الكبيرة، وبكل ما فيها من إسقاطات تحيل إلى الاجتماعي، تعي تعلقه بها رغم كل زلاتها، كما توحي بذلك اعترافاتها "كان يضربني ويهجرني ويطردني من المنزل، لكنه من الداخل يحبني ويغار علي بشكل جنوني... أحيانا يتراءى لي أنني لا أعرفه! بل ولا تربطني به أي علاقة". وربما نتيجة ذلك اليقين المشوب بالاعتداد واليأس كانت تتعمد (فرنسة) طلتها، وتنتشي باختلاسات الآخرين لقوامها. وكانت تشتهي صديقه مشعل على وجه الخصوص، حيث افتعلت حركة غامضة لملامسة أصابعه بحجة مناولته فنجان القهوة "لقد جذبني شكله الأنيق وبشرته السمراء. زوجي أبيض البشرة وأنا أموت في السمر لأنني أصلا حنطية اللون".
أحمد عبد الملك
أحمد عبد الملك

حياة، التي أدمنت السهر عند "أم علي" مترنحة على أنغام الأغاني الراقصة، ومشاهدة المحطات الزرقاء في آخر الليل، فيما يعتقل ابنها منصور لارتباطه بنشاط محظور، يهجرها زوجها بالأسابيع ولا يلتفت إلى صدرها ولا إلى أعطافها المشتهية، ولا يشبع ارتجافاتها المخبوءة، ولذلك تفرح وتندهش في الآن نفسه من ضياع أناها، حين ينغرم بها سائق لا تكف عن التغني بأنفه الأفريقي وعينيه الواسعتين وأسنانه البيضاء، وطالما حلمت باتخاذه عبداً جنسياً، كما تتمتم باستيهاماتها "كانت أم علي ترسله لي ليأخذني إلى منزلها ويرجعني للمنزل بعد انتهاء السهرة. في بداية المشاوير كنت صامتة في السيارة وكانت عطوري دون أن أدري- تتحدث عني. كنت أغطي وجهي بغلالة رقيقة دون أن تخفي ملامحي. كنت أتعمد أن يراني رجل بكامل جمالي".

هكذا ينمو السرد من خلال جسد ظامئ تلوِّح "حياة" بسمرته ونعومته من وراء ملابسها الشفافة، لتغري أي رجل يمر بمحاذاتها، إذ لا تتصور مباهجها مدَّخرة أو منذورة لرجل واحد لا يأبه بها. وبمنتهى الجسارة والإغواء تدس ذلك الأقنوم الأنثوي داخل السرد ليترافع دفاعاً عن انحلاله، وعن حقه في الارتواء، حيث تحاكم- كأنثى- عقيدة ومسالك زوجها الذكورية، لتحمِّله جريرة إماتة حواسها "يأتي منهكاً من رحلة طويلة ولا يسمعني سوى قصص التجارة والصفقات. وأنا الثورة تشتعل تحت جلدي. يأتي يضاجع السيجار بدلاً مني، ويلثم الكأس بدلاً من شفتي!! رجل لا تفيد معه كل العطور الشرسة ولا الألبسة الفضائحية المغرية، ولا المكياج الصارخ ولا الحركات الابتذالية. لقد تجمد هذا الرجل جمود الجدران في المدينة العتيقة! وداهمته شيخوخة مبكرة رغم عدم تخطيه الخمسين".

هكذا يبدو الجسد لغة سرد محورية، فمقابل جسدها المحروم من التماس بقرينه الذكوري، العاجز عن تأجيج أنوثتها، الذي أودى بصاحبته إلى المصحات النفسية، ثمة جسد آخر يدافع هو الآخر عن برودة أطرافه وخبوء جذوته، جسد "ناصر" اليائس منها كوعي وكمكمن للذة، حيث اضطر إلى إشهار تذمره "أنا لا أستطيع أن أمارس الحب مع امرأة رددت أكثر من عشرين مرة طلقني.. طلقني.. طلقني... لا زالت هذه المرأة لا تفهمني. بل ولم تتثقف جنسياً. وهذا ما حدا بي إلى الخوف وتحاشي ممارسة الجنس معها لدرجة كبيرة. علماً بأنني سأكون من الفحول خارج الإطار الشرعي... عندما تستقر بجانبي ملحّة، يأخذني شوق جارف لاحتضانها واللعب معها. كان صدرها كريما مع شفتي. نظافتها تجعلني غير نظيف أمامها. كلها كانت تشكل وجبة شهية. لكن روح الاشتهاء ماتت بداخلي وجعلتني أصدق أن إحداهن قد عملت لي عملا!!".

إنه حوار شرسٌ بين وعيين وشعورين، وليس بين جسدين وحسب كما قد يبدو، فحياة مستعدة لإجراء عشرات العمليات التأهيلية للتقرب من ناصر، كما صارحته بذلك، لكنه كان يستشعر الخواء في مكان آخر، أي في الوعي والأحاسيس والشعور وليس في الجسد المكتظ بالرغبات، فبعد أن أجرت عملية إعادة تأهيل جنسي نتيجة إيماءة عابرة منه، كتب في مفكرته الحمراء "حاولت كثيراً التلميح لها بأن نجاح العملية ليس في ما بين الفخذين بل في داخل الجمجمة، لكنها تؤمن بمشاهد حفرتها الأيام في جمجمتها ولم تمحها حتى اليوم!" الأمر الذي لا تنكره حياة، وتقف حائرة ومقهورة أمام وضعهما المتفاقم "بعد خمسة وعشرين عاماً كان ناصر بعيداً عني بمقدار كلمات الكتب التي تتزاحم في مكتبته. كنت بعيدة عنه بطول خيوط الملابس التي أفصلها كل أسبوع، وبمقدار الأصباغ التي أضعها على وجهي".

قد يبدو نص "القنبلة" في شكله الانبساطي مجرد حكاية مجتمعية مزدحمة بذوات تحاول أن تجد مخرجاً لفتورها العاطفي، ولكن وراء هذا التجابه الجنسي الحاد دلالات اغتراب أعمق، حيث يستفز التأزم الحاصل مكوِّنات الهوية المادية والروحية، كالاعتداد بالجسد الأسمر مثلاً، الذي يتم التلويح به كعلامة جاذبة من علامات الشخصية المؤمكنة، تماماً كما تبالغ "حياة" في التباهي بأصلها القبلي، وقيم البداوة، حتى الإصرار على توظيف الحوار باللهجة القطرية فيه من دلالات التأصيل وتعزيم الهوية، حيث تستدعى كل تلك المركبات العضوية كأ

أحمد عبد الملك

رواية "القنبلة" للأديب القطري أحمد عبد الملك

10 أبريل 2008

"أرانا نموت على عَتَبَاتِ مدينتِنا".. في ذكرى الراحلة فايزة اليعقوبي

الراحلة فايزة اليعقوبي
الراحلة فايزة اليعقوبي
ملف تأبيني أعدَّه: سالم آل تويه

اليوم ذكرى وفاة فايزة اليعقوبي، الباحثة والمشرفة الثقافية وكاتبة القصة القصيرة والصديقة التي تخطَّفها الموت باكرًا قبل سنتين مع ابنها وزوجها في حادث سير فاجع.
في كتابها الصادر مؤخرًا أسئلة وتساؤلات وعلامات استفهام وموت.
هل علينا هنا أن نتجاهل تلك الإشارات؟
كثير من الناس يموتون، ولأننا لا نعلم بدنو موتهم ولا نرى أيَّ إشارة إليه فإننا سرعان ما نتساءل ونتذكر ونصاب بحنين ضاغط ثقيل حالما يُصبحون في عداد الأموات، وليس بعد زمن طويل فحسب، ولذلك نقول كما في القناعة الشعبية غير القابلة للتفلسف والاستعراض: كان يحس بقرب موته.
فرق شاسع بين الميت والحيِّ؛ إن ما نقوله عمَّن مات ربَّما ما كنَّا لنقوله عنه أبدًا لو أنه ما زال على قيد الحياة؛ الموت هنا هو المحرِّض والنَّابش والباعث والمنطلَق.
يتعطَّل النقد وتعمل طاقة الحنين، لكن هذا ليس صحيحًا حتَّى النهاية.
كتبت فايزة في نص "ارتطام": "ومَنْ حولي كانوا أشد ألما في الفترات السابقة، لأنهم لا يفهمون إلا لغة الدَّفن، لا يعلمون أن الميت إنسان يرتفع بين أيديهم ولكنه فوق رؤوسهم. لا يسمعون تراتيل السماء فلا يصلون إلى صدى الحقيقة المطلقة لأنهم يحملون أقنعة واقية عن تقرحات البشر وأصوات الاستغاثة التي تأتي من اللامتناهي".
يحضر الموت بقوة في "سغب الجذور"، ورغمًا عن الدعوة إلى الفرح وألوان البهجة التي تُصدِّر بها فايزة أوَّل نصوص مجموعتها التي رأت النور بعد وفاتها ("وإذا كان علينا أن نعيَ أن الحياة مليئة بالاختلاف والتغيير فإن ألوانها السبعة هي الأمل والحب والسفر والأماني والفن والطبيعة والعمل... فلماذا يا قريتي لا تعشقين الحياة فإن الحياة ألوان....")، رغمًا عن هذا، ورغمًا عن تذكر أصدقائها روحَها المرحة، ولقاءها بهم كلَّما جاءت من مسقط رأسها عبري إلى مسقط وفي يدها الحلوى، تبقى روح كتابتها مأسورة بالتساؤلات القلقة، ويبقى الموت ملحًّا: "تتردد فكرة الموت كثيرًا، وصار متخيلا في ذهني أكثر من أيِّ لحظة أخرى؛ إنه الاسم المضاد للأزلية، الموت في منتصف تشرين الأول أفقدني تلك الروح الباردة الجافة، الروح التي لا تستجيب للحب، الروح الخواء التي لا تستطيع الاحتفاظ بالأصدقاء؛ لأن الحب دائما يضيع في تلك اللحظات التي تشتد فيها حاجتنا إليه، ويحل مكانه الخوف".

السرد في "سَغَب الجذور" يأتي في هيئة لقطات أحيانًا، ويبتعد عن أن يكون قصة في أحيان أخرى ويتكثَّف كنصٍّ مفتوح ويقترب من البوح والإفضاء الحميمي. على القارئ أن يستدرك أحيانًا ويشارك في بناء المناخات والأجواء لأن النص يثير فيه ذلك بسبب عدم إفصاحه، وبسبب توقفه عندما يكون التوقف حرجًا، وكأن النصَّ أفضى إلى الواقع، كأنهما اسمٌ على مسمًّى!
في عام السخافة الذي مرَّ مرور اللِّئام ودَّعتنا فايزة للأبد. من حسن حظِّها أنها لم تقترب كثيرًا من الوسط السخافي المريض؛ من حسن حظها أنها لم تقترب كثيرًا من (الكبار) و(العمالقة) ومن حسن حظِّها أنها ظلت بعيدة عن "النخبة"!
في ذلك العام السيئ الذكر، وفي خضم رحيل فايزة كان تلفزيون سلطنة عُمان الملوَّن يبث برنامج "آفاق ثقافية" الذي تفتقت فكرته وانفجرت بعد توقيع عدد من الكتاب والمثقفين العُمانيين بيان تبرؤ من فعاليات مناسبة مسقط عاصمة السخافة العربية، فجن جنون بعض المسؤولين وسارعوا إلى استقطاب أكبر عدد ممكن من الكتاب للتعاون في إعداد البرنامج، وخاصة أولئك الموقعين على البيان، وذلك للحيلولة دون استفحال عدد الموقعين، ولتأكيد أن الأمور "تمام" عكس ما جاء في البيان! وقد مثَّلت وفاة فايزة صدمة لكل من عرفها عن قرب، وكمحاولة للقيام بتأبين لائق جرى إعداد فقرة موسعة في برنامج "آفاق ثقافية" بحيث تغطي الحدث في ما لا يقل عن عشرين دقيقة مع الاهتمام بتكثيف المادة المقدمة فنيًّا، إلا أن إدارة البرنامج رفضت ذلك، بل وتجاهلت الأمر من منطلق: من فايزة هذه!
إننا هنا لا نريد تثوير ما لا داعي له، لأننا أساسًا نعلم قدر الركاكة الكبير الذي يعمل أولئك الذين يمارسون الإقصاء والتهميش على قاعدته، ولا نستغرب صدور ذلك من التلفزيون الملوَّن إيَّاه الذي وضع لنا بندًا غريبًا عندما تعاملنا معه بالخطأ المقصود في عام السخافة عبر برنامجه ذاك، حيث نص ذاك البند على أن يلتزم "الطرف الثاني" بعدم إفشاء أسرار.... ولا ندري الآن هل كنَّا نتعامل مع منشأة نووية؟ أم مع وكالة استخبارات؟ في النهاية عرض البرنامج عن الراحلة فقرةً تأبينية مدتها عشر دقائق بإخراج سيئ ونص مبتور، بعد سلسلة إحراجات تعرَّض لها كاتب هذه السطور معدُّ تلك الفقرة مع أقارب الراحلة بسبب تجاهل طاقم التلفزيون الملون مراتٍ عديدةً مواعيد التصوير المتفق عليها وأماكنَها.
نريد أن نقول: إن القاعدة الدائمة هي تجاهل الإبداع وتهميشه في أفضل الظروف وأحلكها، وامتداد التجاهل سمة أخرى ت
طال المبدع حتى وهو في القبر، بحيث يكون إيفاؤه جزءًا ضئيلاً من حقَِّه أمرًا يستوجب المنَّ والأذى؛ ولنقرأ معًا ما جاء في تقديم المجموعة القصصية التي نُشرت للراحلة فايزة اليعقوبي بعد وفاتها بما يُقارب السنتين: "ونشكر مجلس إدارة النادي الثقافي على رعايته التي قدَّمها؛ لكي ترى هذه المجموعة القصصية النور، فالدعم الذي قدَّمه مجلس إدارة النادي كان كبيرًا جدًّا". وأسرة الكاتبات العُمانيات التي كتبت هذه المقدمة لم تتورَّع عن هذا المنّ وهذا الأذى بعد تأخيرها طباعة المجموعة فترة لا مبرر لها بالرغم من تسلُّمها لها مطبوعة وجاهزة بعد شهرين من الوفاة بذل خلالهما أخوة الراحلة قاسم وخديجة وسمية اليعقوبي والدكتور غالب المطلبي قُصارى جهودهما في البحث عن النصوص وتجميعها وطباعتها وتدقيقها، حتَّى إن حاتم الطائي صاحب دار "الرؤيا للنشر" بعد تلك التسويفات عرض على أهل الراحلة طباعة المجموعة وكذلك أرادوا هم أنفسهم سحبها من أدراج مماطلات النادي الثقافي ومسؤولي وزارة التراث والثقافة وطباعتها على حسابهم، فما هذا الدعم "الكبير جدًّا" الذي قُدِّم بعد سنتين؟ هل هو ألف ريال مثلاً؟ ما هو بالضبط؟
رحمة الله عليك يا فايزة. كل هذا لم يكن غريبًا عليك في الحياة والآن استرحت منه للأبد. ليتغمَّد الله روحَكِ الجنة، وادعي لنا نحن الأحياء الأموات!


"سَغَبُ الجذور" وهاجس الهُوِيَّة والموت

زوينة آل تويه
بعد ما يقارب العامين من الرحيل المباغت والفاجع تصدر "سغب الجذور" المجموعة القصصية الأولى والأخيرة للصديقة والقاصة الراحلة فايزة اليعقوبي عن مؤسسة الانتشار العربي في بيروت بالتعاون مع النادي الثقافي، حدث ذلك الرحيل في 11 أبريل 2006م إثر حادث سيارة ذهبت فيه هي وابنها وزوجها. حدث ذلك بعد أسبوع واحد فقط من آخر حديث هاتفي بيننا، وكان حديثا صديقا ومكتنزًا بالخطط والأيام القادمة، فيه قالت فايزة أشياء كثيرة عن أحلامها، وعن رغبتها في إصدار مجموعتها في أسرع فرصة ممكنة، وعن إعدادها رسالة الدكتوراه في تونس والتي كانت قد بدأتها لتوِّها، وعن طفلها، وعن زوجها، وعن أصدقائها الذين تحبهم في مسقط، وعن، وعن...، حينها بدا العمر ممتدا وكافيا لإنجاز كل ذلك وللذهاب بعيدا في الحلم، لكن أسبوعا واحدا فقط بين ذاك الحديث الحالم وبين الموت المفاجئ يضع المرء عند أقصى تخوم الذهول والرفض والانصدام.
كثيرا ما تباغتني التفاتة لاإرادية ناحية مقهى هايبرماركت "اللّولو" كلما ساقتني قدماي إلى ذلك المكان حيث لن أنسى صورة فايزة ورضيعَها في آخر لقاء لنا قبل رحيلها بشهور قليلة في آخر زاوية في المقهى.
تضم مجموعة الراحلة خمس عشرة قصة (رسم على الظلال، الرجل الذي نسي وجهه في المرآة، الرُّوع، فصام، صخب، حجر من القمر، فتحة للعبور من القنينة، دفء، بوح نتوءات الرصيف، قضمة من زبد البحر، زنبقة بلا غصون، نجمة الليل، مداد الغضب، ارتطام، مكاشفة).
سغب الجذور
سغب الجذور

يتراءى لقارئ هذه القصص أن شخصياتها تنشغل كثيرا بالبحث عن هويّة تخصها، ففي كل قصة تبرز أزمة الهوية طاغية كسؤال وجودي مؤرق، وما عنوان المجموعة إلا وصف مكثّّف لعطش هذه الشخصيات إلى الانتماء إلى جذر ما، وكذلك عناوين بعض القصص تُسرِّب انفعالات شخصيات مأزومة تخشى الظِّلال وتتوسل الصخب والدفء والبوح والغضب، والمكاشفة أطواق نجاة لا توصلها في الغالب إلا إلى الموت بشكليْه المادي والرمزي، وقليلا ما تتدخل هذه الشخصيات في لحظة ما لتقرير مصيرها، لكن أكثر الشخصيات تأزما ويأسا من إيجاد شكل واضح لوجودها شخصية (الذيب) في قصة "فتحة للعبور من القنينة"، الذي لا يعرف أبا أو أمًّا، ويقطن بيتا متهالكا في ركن منزو من القرية، فضلا عن أنه يحمل اسمًا يُعمِّق شعورَه بالوحشة والقسوة، ولمَّا لا يجد (الذيب) إجابات لأسئلته الكثيرة يقرر مصيره بترك القرية وأهلها في عمق الفجر وبصمت، لأن لا جذور له فيها. وبينما يختار (الذيب) الهجرة آخذًا معه كل شيء، جسده وروحه وأشياءه، نجد شخصية قصة "فصام" مثلاً تتلمس خروجها بإطلاق صرخة مُدوِّية علَّها تنتشل صاحبها من وجود متذبذب ومشوَّه تسكُنُه ذكرى الموت.

قد يكون من قبيل المصادفة أو المبالغة حتى أنْ تأتي نهاية شخصية آخر قصص المجموعة "مكاشفة" شبيهة بنهاية كاتبتها، حيث تنتهي كلتا الحياتين في حادث سيارة، لكنَّ المفارقة الأعجب أن تنتهيا وهما في خضم تشبُّثهما بتفاصيل الحياة وانشغالهما بفك مفرداتها، كلُّ واحدة منهما كانت تفكر "ولكنها توقفت فجأة عن التفكير في كل هؤلاء عندما قذفتها سيارة قادمة إلى الجانب الآخر من الطريق" (مكاشفة) ص 100.



د. غالب المطَّلبي
رئيس قسم اللغة العربية وآدابها
كلية التربية بعبري


إن طُلب مني أن أضع عنوانًا لهذه المجموعة القصصية فلن أختار لها سوى ذلك العنوان الذي نتجنبه عا

سغب الجذور

11 أبريل يوم ماتت على عتبات مدينتها

06 أبريل 2008

عُمان.. جنة التمييز العنصري وجهنم حقوق الإنسان

 

بقلم: الكشَّاف

 

صادف يوم (الجمعة) الموافق 21 مارس الفائت ذكرى "اليوم العالمي لمكافحة التمييز العنصري"، وقد مرت هذه الذكرى مرور الكرام على البعض الذين لم يعلموا بها إلا من خلال الفضائيات أو الصحف، ولكن ثمة أناسًا في عُمان وفي بعض الدول توقفوا كثيرًا عند هذه الذكرى، إذ تعني لهم الشيء الكثير، فهي تحل عليهم كل عام لتفجر في نفوسهم ذكريات أليمة فتحيل حياتهم إلى مرارات ومعاناة.
عندما يتردد اسم (عُمان) يتبادر إلى أذهان بعض المخدوعين أن (جميع) أهل عُمان يعيشون في (يوتوبيا) أو مدينة فاضلة من كثرة ما جملت الصورة وزوقت بوضع مختلف المساحيق والألوان عليها، وقد لعب الإعلام الرسمي دورًا بارزًا وكبيرًا في هذا الشأن، ولكن الواقع لا سيما على صعيد معاملة البشر ومدى (صيانة حقوق الإنسان) يدعو إلى الحزن والأسى الشديد، ومن هنا فإن (ذكرى اليوم العالمي لمكافحة التمييز العنصري) تعني الكثير بالنسبة إلى فئة مضطهدة ومنبوذة من العُمانيين في وطنهم، فسجل (حقوق الإنسان في عُمان) مليء بالانتهاكات والإساءة إلى بعض البشر على نحو ممنهج وممارس بشكل رسمي من قبل بعض مؤسسات الدولة، تارة باسم مقتضيات حماية الخصوصية العُمانية وصون هذه (الفرادة) التي تميز المجتمع العُماني عما عداه من مجتمعات أخرى!، ومرة باسم المذهبية الدينية التي يدعي أتباعها بأنهم (أهل الحق والاستقامة) و(الفرقة الناجية)، وتارة أخرى باسم القانون والقضاء الذي يطبق النصوص بحذافيرها تكريسًا للعدالة القائمة على تطبيق القاعدة القانونية الشهيرة "لا جريمة ولا عقوبة إلا بنص"!.
وحتى لا يكون ما تقدم إيراده من قبيل القول المرسل أو إلقاء الكلام على عواهنه، كما يقولون، فإن ما سيرد ذكره تاليًا من باب بالمثال يتضح المقال.

 

 مقبرة المجتمع المدني.. قلعة التمييز العنصري

مقبرة المجتمع المدني.. قلعة التمييز العنصري

 

- عُمان والتمييز العنصري:

يتبدى التمييز العنصري والتفرقة بين الناس في عُمان لاعتبارات الأصل والفصل والعرق واللون والقبيلة وطبيعة العمل الذي يمارسه الإنسان بشكل بارز وواضح للعيان، حيث إنه وبالرغم مما نص عليه "الكتاب الأبيض" أو ما اصطلح على تسميته بـ"النظام الأساسي للدولة"، وهو الدستور الذي يعد في جميع دول العالم بمثابة (أبو القوانين)، بالرغم مما نص عليه هذا من مبادئ وجيهة ومرتكزات نبيلة تساوي بين الناس وتؤكد كثيرًا من الحقوق التي يتمتع بها المواطنون بلا استثناء تحت حماية الدستور ومتابعة ورعاية السلطة القضائية والتنفيذية تطبيقًا للقوانين واللوائح والقرارات والأوامر والتعليمات التي يجب ألا تتعارض مع "النظام الأساسي للدولة" بأي حال من الأحوال، وإلا فإن عدم وجود هذا النظام يعد خيرًا من وجوده، إذ لا يتصور بحال أن يسمو أي قانون أو تعليمات على هذا النظام أو تكون لما عداه من نصوص وضعية ومكانة تعطل إعمال نصوصه.
غير أن الممارسات على أرض الواقع من قبل بعض مؤسسات الدولة ذاتها تطيح بهذه المبادئ وتسيء إلى هذه المرتكزات بشكل يجعل مما ورد في "النظام الأساسي للدولة" حبرًا على ورق، الأمر الذي من شأنه أن يهدد الوحدة الوطنية ويجعل من بعض التوجهات والرؤى الشخصية القاصرة ذات النزعات الضيقة الأفق البوصلة التي تحدد الاتجاه الذي يجب أن تسير نحوه البلاد، وذلك في تعدٍّ صارخ على النهج العام المفترض فيه تغليب المصلحة العامة والمتصور تحرره من إسار الرؤى الأحادية والمصالح الشخصية التي دلت التجارب ووقائع التاريخ على أنها ما أفضت إلا إلى الخراب والضياع.
كما أن هذه الممارسات، التي سيتم التطرق إليها، تهيل التراب على الجهود المبذولة لتجميل صورة البلاد في الخارج، لاسيما بعد إدراجها من قبل بعض مؤسسات المجتمع الدولي وكذلك الخارجية الأمريكية في القائمة السوداء التي تحوي الدول التي لم تتخذ الإجراءات الكافية والكفيلة بمنع ممارسات "الاتِّجار بالبشر"، والجميع يذكر تلك الجهود المحمومة التي تنادت مختلف مؤسسات الدولة للقيام بها لدفع تلك (الفرية) وإلقاء الكرة في ملعب الآخرين وتأكيد أن عُمان "جنة الله في أرضه" ولا اتجار بالبشر فيها!، ولا تزال هذه الحملة متواصلة فصولاً حتى الآن، ولا ينتظر أن تهدأ وتيرتها حتى يتم الحصول على (شهادة البراءة) و(صك الغفران) من المؤسسات الدولية إياها التي صدرت عنها الإدانة!.
إن من أكثر مؤسسات الدولة في عُمان ضربًا بالمبادئ السامية والمثل العليا عرض الحائط وركلاً لحقوق الإنسان وممارسة لأفعال التمييز العنصري بين المواطنين (وزارة الداخلية) التي ابتليت بمسؤولين لا يفقهون تبعات ومسؤولية (المواطنة الحقة)، إذ ما زالت تسكن أدمغتهم الصدئة وتقيم في عقولهم المريضة نزعات الإقصاء والإلغاء والتبعية، ولو كان ثمة خير في هذه الوزارة لما انهار مبناها دونًا عن جميع مباني الوزارات الأخرى السابقة عليها واللاحقة في حي الوزارات بالخوير.
وأما عما يستوطن ه
ذه العقول المتخلفة عن ركب المدنية والتحضر فحدِّث ولا حرج، وما خبر التزويرات التي حصلت في انتخابات (مجلس الشورى) الأخيرة عنا ببعيد رغم استماتة مسؤولي هذه الوزارة قبل الانتخابات وبعدها في الترويج لـ"مدى النزاهة" التي اتسمت بها هذه العملية، وتعكس هذه التزويرات في جانب منها مدى الفساد الذي يعشش في هذه الوزارة، وما هذه الواقعة إلا مثال فقط على حجم التضليل وطمس الحقائق في إحدى مؤسسات الدولة (السيادية)، وهو ما يعد في حد ذاته كافيًا وزيادة للإطاحة بمن يقف وراء ذلك ويعد سببًا وجيهًا لمغادرته منصبه قياسا بما يجري في الدول المتمدنة والمتحضرة من مكافأة المبدع ومحاسبة المقصر، ولكن إن عاجلاً أم آجلاً سيأتي الوقت الذي ستُكتشف فيه الحقائق وستفوح الروائح التي تزكم الأنوف!.
وفي الوقت الذي كان يتوجب فيه أن تسعى هذه الوزارة إلى الإعلاء من قيم التسامح والتعاضد وتقوية أواصر المواطنة واللُّحمة بين المواطنين تعزيزًا للوحدة الوطنية كما نص على ذلك "النظام الأساسي للدولة"، وكما تقضي بذلك اعتبارات قيام الدول واستمرارها واستقرار المجتمعات وتحضرها، إذا بهذه الوزارة تكرس لواقع أليم مختلف تمامًا يصب في اتجاه "التمييز العنصري" وإحياء النعرات والعصبيات القبلية عبر الإقدام على إلغاء مسميات بعض القبائل التي تعد أكثر قدمًا وعراقة من دهاقنة ما يسمى بـ"لجنة تصحيح مسميات القبائل والألقاب والأسماء" التي تتبع هذه الوزارة ويشارك في عضويتها ممثلون لبعض الجهات النافذة في الدولة والتي تتجلى مهمتها الأساسية في "تنقية الأصول والأعراق العُمانية" وصولاً إلى إيجاد "عرق نقي" يكرس ما يتسم به المجتمع العُماني من "خصوصية"!.
إن ما يدمي القلب ويبعث على التقزز والغثيان هو أن تنصب هذه ("اللجنة") من نفسها (حاكمة بأمرها) فتصدر ("توصيات") تنال مباركة وزير الداخلية تتضمن إلغاء مسميات قبائل قائمة ومعروفة منذ أمد بعيد بزعم (تصحيحها) وإجبار من ينتمون إليها إلى حمل مسميات قبائل أخرى رغم إرادتهم ورفضهم واستنكارهم الشديد لذلك، بل إن الأدهى في الأمر هو استناد هذه (اللجنة) عبر توصياتها إلى أكاذيب وأباطيل ومزاعم لا حقيقة لها أبدًا.
ورغم تفنيد وتكذيب المتضررين من هذه التوصيات الكاذبة، ورغم تقديمهم ما يدحض أكاذيب هذه الوزارة ولجنتها، "بل نقذف بالحق على الباطل فيدمغه فإذا هو زاهق ولكم الويل مما تصفون"، ومع أن الكذب والتزوير ممارس وبشكل رسمي هنا من قبل هذه الوزارة ولجنتها "أيتها العير إنكم لسارقون"، بالرغم من ذلك لا يلتفت إلى صراخ وصيحات المتضررين الذين تم الاستفراد بهم وظلمهم والتضييق عليهم اعتصامًا بـ"أعمال السيادة"، وكأن ما يصدر عن هذه (اللجنة) أمر لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، ولكن الله سبحانه وتعالى تكفل بالدفاع عن المظلومين ورد كيد الظالمين في نحورهم "ستكتب شهادتهم ويسألون".
إذا كانت (وزارة الداخلية) استنادًا إلى العقليات المريضة التي تُسيِّر شؤونها تنتهج مثل هذا النهج الفاشي، فقد كان يجدر بالجهات الأخرى الممثلة في تلك (اللجنة) وهي جهات متنفذة في الدولة أن تعترض على هذا الأسلوب المتجني والظالم، وأن تقول كلمتها لا أن يكتفي ممثلوها بالتوقيع على محاضر الاجتماعات بصرف النظر عما تتضمنه من تقرير لمصائر الآخرين عبر إساءة معاملتهم وتطبيق معايير لا إنسانية بحقهم تكرس نزعة التمييز العنصري، لا سيما وأن من بين هؤلاء الأعضاء من يعرف حق المعرفة أشخاص من تعلقت بهم تلك (التوصيات) سيئة الذكر، وأنه لا صحة على الإطلاق للمبررات التي استندت إليها هذه اللجنة البائسة في إلغاء قبائلهم!.

- التفرقة بين الناس في عُمان والتمييز العنصري بينهم باسم الدين:

لقد أكرم الله أمة العرب بالدين الإسلامي الحنيف الذي جاء به من عند الله الرسول محمد صلى الله عليه وسلم، والذي بفضله أخرج الله العرب من ظلم وجور الجاهلية إلى عدل ونور الإسلام، ولكنَّ تَفرُّق المسلمين شيعًا ومذاهب "كل حزب بما لديهم فرحون" أساء في بعض الجوانب في فهم الإسلام كدين سماوي خاتم جعله الله للعالمين والإنسانية جمعاء يساوي بين الناس ويحصر مجال التفاضل والتمايز بينهم في تقوى الله فقط "يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبًا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم..."، ولكن عوضًا عن ذلك فإن الدين في عُمان يُجيَّر للتفريق بين المرء وزوجه ولتكريس (عدم التكافؤ بين الناس لاعتبارات النسب)، حيث إنه وتعويلاً على حديث منسوب إلى الرسول صلى الله عليه وسلم أورده مسند الإمام الربيع بن حبيب والذي ينظر إليه باعتباره "أصح كتاب بعد القرآن الشريف"، ونص الحديث الوارد في (كتاب النكاح، 24- "باب في الأولياء) هو: 315 " أبو عبيدة عن جابر قال....، وقال صلى الله عليه وسلم: " الأحرار من أهل التوحيد كلهم أكفاء إلا أربعة: المولى، والحجَّام، والنَّسَّاج، والبقَّال"، وتطبيقًا لهذا الحديث فقد أخذ بذلك "قانون الأحوال الشخصية" العُماني الذي نصت إحدى مواده على ما مفاده أنه يرجع في قضايا الزواج إلى الدين ثم العرف، وبذلك فإنه إعمالاً لهذا الحديث وتطبيقًا لما يسمى بـ"عدم الكفاءة في النسب" فإنه يمكن التفريق بين المرء وزوجه وتطليق زوجته منه بحكم القضاء والقانون إذا ما طلب ذلك أحد أولياء الزوجة يزعم أنها "تعلو في نسبها نسب من تزوجها" تطبيقًا لمبدأ "عد
م التكافؤ في النسب". ويمكن القول باطمئنان إنه وفي ظل فهم وإدراك المقاصد الكلية للدين الإسلامي الحنيف التي تؤكد عدالة الله سبحانه وتعالى ومساواته بين خلقه فيما يتصل بالخلق والأفضلية عنده، أما ما يتعلق برفع بعضهم فوق بعض درجات فإن ذلك مقتصر على مجال العلم والمال والرزق ولا شيء آخر، وتبعًا لما جاء به الرسول الكريم- صلى الله عليه وسلم- وعمل به من مبادئ، وما جاهد في سبيل إقامته والحفاظ عليه وهو القائل "المسلمون تتكافأ دماؤهم"، يمكن القول باطمئنان إن هذا حديث مكذوب، وهو من الأحاديث التي يُبرَّأ ويُنزَّه رسول الحق والهدى والخير والإنسانية عن قولها، ولا يعد بأيِّ حال من الأحوال إنكار حديث مشكوك فيه كهذا من قبيل إنكار ما هو معلوم من الدين بالضرورة حتى تثور ثائرة بعض المتنطِّعين فترتفع عقيرتهم وكأنه تم انتهاك حرمة من حرمات الله عز وجل، مع الأخذ في الاعتبار بأنه لا يوجد إجماع بين المذاهب الإسلامية وعلماء المسلمين على ما يسمى بـ"الكفاءة في النسب"، كما ينبغي عدم إغفال أن الكذب على رسول الله- صلى الله عليه وسلم- ونسبة أحاديث كثيرة إليه هو بريء منها، يعد حقيقة واقعة، وهو القائل "من كذب عليَّ متعمِّدًا فليتبوأ مقعده من النار". كما ينبغي ألا يفوتنا أن السنة النبوية الشريفة لم يبدأ تدوينها إلا بعد قرنين من وفاة الرسول في ظل امتناع الصحابة رضوان الله عليهم عن تدوينها حتى لا تختلط بالقرآن الكريم، وقد اجتهد بعض العلماء في القرنين الثاني والثالث للهجرة في تدوين السنة الصحيحة وتنقيتها من الأحاديث الموضوعة والأقوال المنسوبة إلى رسول الله والخالية من السنة، بل يسيء بعضها إلى مقام النبوة.
وتأسيسًا على ذلك فإن الحديث المشار إليه الذي أورده الربيع في مسنده المنوه عنه مردود وينبغي عدم الأخذ به وإن تنطع بعضهم، وفي أسوأ الأحوال يجب ألا يتعدى وجوده تضمُّن ذلك المسند إليه دون العمل به وإشهاره سلاحًا ضد "حقوق الإنسان"، وحتى لا يكون العمل به سببًا في استمرارية التطبيق السيئ لتعاليم وأحكام الدين الإسلامي الحنيف، ومنعًا من أن يؤدي ذلك إلى المقارنة بشكل جائر بين دين الله الخالد والصادر عن رب العزة على نحو لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه وبين مواثيق وعهود حماية حقوق الإنسان ومنها "الإعلان العالمي لحقوق الإنسان" الصادر عن منظمة الأمم المتحدة، بحيث يخلص من يجري هذه المقارنة وكأن هذه المواثيق والعهود أكثر عدالة من دين الله، وحاشا لله ولدينه أن يكون الأمر كذلك!.
ومن هنا تبرز مسؤولية من يوصفون بـ ("العلماء") في البلاد والذين تقع على عاتقهم مسؤولية تنقية ممارسات الدين من أية شوائب، وإن امتنعوا عن ذلك فما أقاموا شرع الله ولا أدوا رسالتهم كما يجب؛ إن على هؤلاء (العلماء!)، لا سيما أولئك الذين تلقوا دراسات في الخارج ونالوا شهادات علمية وبلغات غير العربية كـ"الإنجليزية" و"الألمانية" وغيرها، حتى يمكنهم الدعوة إلى دين الله والتحاور مع غير المسلمين من غير الناطقين بالعربية أن يوجهوا عنايتهم إلى مثل هذه المسائل التي تُحدِث الشرخ في بنيان الأمة، وأن يضعوا في اعتبارهم أنه إذا كان الحوار والتلاقي على كلمة سواء بين المسلمين وغيرهم في ظل "حوار الحضارات" يعد أمرًا مهمًّا وضروريًّا في الوقت الراهن، فإن الحوار ومد جسوره مع أهل الملة الواحدة، وصولاً إلى لملمة الصفوف وتقوية اللُّحمة، يعد أولَى وأكثر إلحاحًا، مع الأخذ في الاعتبار أن من ركائز الحوار الاعتراف بالآخر وعدم إصدار الأحكام الجاهزة والمعلبة كالتجهيل والتكفير والإقصاء ومصادرة فكر الآخر.
وندعو الله أن نكون في غنى عن أن نردد وراء القائل:
أيها العلماء يا مـلــــــح البلــــدْ من يُصلِحُ المِلْحَ إذا المِلْحُ فسدْ؟
بالملح نصلح ما نخشى تغيُّرَهُ فكيف بالملح إنْ حلَّتْ به الغِيَرُ
ولكننا واستشعارًا لثقل المسؤولية ورغبة في إبراء الذمة هذه دعوة لكم لتغيير هذا الوضع الشاذ وغير الطبيعي والمشوه للوجه الإنساني للإسلام، وإن لم تفعلوا فلا نملك عندئذ إلا أن نرفع صوتنا مرددين:
هذا إبلاغ لــــكم والبعث مـــوعدُنا وعند ذي العرش يدري الناس ما الخبرُ

- القانون والقضاء وحقوق الإنسان في عُمان:

إلى جانب صدور أحكام قضائية من قبل المحاكم في عُمان بالتفريق بين بعض الأزواج وزوجاتهم لاعتبارات "عدم التكافؤ في النسب" بينهم تطبيقًا لما نص عليه "قانون الأحوال الشخصية" الذي بدوره يستند إلى الحديث الوارد في "مسند الربيع بن حبيب"- كما سلفت الإشارة- فإن هناك بلية أخرى ابتُلي الناس بها في عُمان وهي ما يسمى بـ"أعمال السيادة"، ومضمونها أن ثمة أعمالاً وإجراءات تدخل في اختصاص بعض الجهات، ومنها (وزارة الداخلية)، إذا لم تتعلق هذه الإجراءات بالموظفين العاملين في هذه الجهات فإنها تعد أعمال سيادة، وبذلك فإنه وحتى إذا ما تم الاعتراض عليها من قبل المتضررين منها عبر لجوئهم إلى القضاء لإبطال مفعولها، فإن القضاء بموجب ذلك يحكم بـ"عدم الاختصاص".
لقد قام المتضررون من إجراء (وزارة الداخلية) الظالم والجائر والشائن والقائم على أكاذيب ومزاعم باطلة برفع دعوى لدى "محكمة القضاء الإداري" مفندين تلك الأكاذيب والمزاعم بالوثائق والأدلة والبراهين، وهم بقيامهم برفع تلك الدعوى قد استندوا إلى ما جاء في "النظام الأساسي للدولة" من أن حق التقاضي م
كفول للجميع، وأن المواطنين متساوون في الحقوق والواجبات، وأخذًا في الاعتبار أن "القضاء لا سلطان عليه"، وأن "اللي يروح للقاضي يرجع راضي"، لكن مع كل أسف جاء حكم القضاء مخيبًا للآمال، حيث أصدرت محكمة القضاء الإداري حكمها في القضية بعدم الاختصاص، ومع التسليم بأن "العدالة عمياء"، بمعنى أنها تحكم بنصوص القانون بصرف النظر عما إذا كانت هذه النصوص محققة للعدالة أم لا، إلا أنه من المعلوم أن من واجبات القضاء تقدير ما إذا كانت القرارات والإجراءات المطعون فيها تعد من أعمال السيادة أم لا وتبعًا لذلك إصدار الحكم المناسب- خاصة وأنه لا يوجد تعريف أو تحديد لـ"أعمال السيادة" على سبيل الحصر- وليس اعتبار كل ما يصدر عن الجهة المصدرة لتلك القرارات والإجراءات "محصَّنة"، وبالتالي فإن ما يصدر عنها يعد "أعمال سيادة"، وبصرف النظر عما إذا كان قد روعي من خلال تلك القرارات والإجراءات "المصلحة العامة" من عدمها، علمًا بأن مراعاة وصيانة هذه المصلحة هما الرئيس وراء وجود ما يعرف بـ"أعمال السيادة".

المتضررون يتطلعون إلى ما سيُسفر عنه حكم الاستئناف

المتضررون يتطلعون إلى ما سيُسفر عنه حكم الاستئناف


لطالما أساءت "وزارة الداخلية" استخدام "صلاحية أعمال السيادة" في ظلم الناس والإساءة إليهم، مشهرة بذلك هذا السيف في وجوه أصحاب الحق، ضاربة عرض الحائط بكل مبادئ العدل والحق والخير والإنسانية والمساواة، وما كان لها بالطبع أن تلجأ إلى هذه الصلاحية لو أن مسؤوليها واثقون من أنفسهم ومطمئنون إلى أن ما يفعلونه هو الخير والصلاح، ويظهر من خلال استخدام هذا ("الفيتو")، وهو إن عبر عن قوة ظاهرة لدى من يُشهره في وجه غيره إلا أن باطنه يدل على مقدار الضعف و"حيلة العاجز"، وما "أعمال السيادة" إلا كلمة حق كثيرًا ما أريد بها باطل.
إن المشرع عندما أعطى صلاحية وميزة "أعمال السيادة" لبعض الجهات افترض استخدام هذه الصلاحية في إحقاق الحق وإبطال الباطل وتحقيق المصلحة العامة، وليس الإضرار بالناس وظلمهم والتعدي على حرياتهم وسلب حقوقهم. ومن هنا فإن على المشرع أن يضع الآليات والإجراءات الملائمة للتحقق من "عدم التعسف في استعمال السلطة" و"عدم إساءة استعمال الحق" من قبل هذه الجهات، خاصة وأن الأحكام الصادرة والمعولة في صدورها على أن القرارات والإجراءات المطعون فيها تعد "أعمال سيادة" تصدر باسم المُشرِّع، وبالتالي فإنه في حال عدم توخِّي هذه الأحكام تطبيق العدالة تحقيقًا للمصلحة العامة فإن من شأن ذلك أن ينطوي على إساءة بالغة إلى المشرع والزَّجِّ باسمه في صدور أحكام ليست عادلة.
كثير من دول العالم المتحضر والمتمدن تجاوزت ما يعرف بـ"أعمال السيادة"، إذ يتجه الفقه القانوني إلى أن المحاكم هي صاحبة الاختصاص في تقدير ما إذا كان العمل المعروض أمامها يعد عملاً من أعمال السيادة أم لا، فمن الحكم الصادر بتاريخ 29 يونيو 1963م قررت المحكمة الإدارية العليا في مصر أنه من المُسلّم به أن "للمحاكم سلطة تقرير الوصف القانوني للعمل المطروح عليها وما إذا كان يعد عملاً إداريًّا عاديًّا أو عملاً من أعمال السيادة". (انظر كتاب وسيط القضاء الإداري للدكتور أنور أحمد رسلان- عميد كلية الحقوق- جامعة القاهرة).
وإلى جانب ما نصَّت عليه القوانين من "كفالة تقريب جهات القضاء من المتقاضين وسرعة الفصل بالقضايا" فإن "كفالة حق التقاضي لكافة المواطنين، وذلك بأن يكون لكل مواطن حق الالتجاء إلى قاضيه الطبيعي". (انظر كتاب القضاء الإداري والرقابة على أعمال الإدارة للدكتور محمود سامي جمال الدين- عميد كلية الحقوق في عُمان حاليًّا).
وبناءً على ذلك يحق للمرء أن يطرح تساؤلاً على "محكمة القضاء الإداري" وهو: إذا كان حكمك هو عدم الاختصاص فإلى أين يذهب المرء كي يرفع دعواه؟، أم أنه لا سبيل أمامه حينئذ إلا تمثُّل قول القائل:
إذا حُمَّ القضاء على امرئ فليس له بَرٌّ يقيه ولا بحرُ!
وقد "هاجم الفقه المصري نظرية أعمال السيادة منذ زمن بعيد، خصوصًا القرارات أو الأعمال التي كانت بعض القوانين والقرارات الجمهورية بقانون تنص على اعتبارها من أعمال السيادة، ولقد استجاب المشرع الدستوري لنقد الفقه، فنص في المادة (68) من دستور 1971م على ".. حظر النص في القوانين على تحصين أي عمل أو قرار إداري من رقابة القضاء"، "وقد جرى قضاء المحكمة العليا على الحكم بعدم دستورية أي نص قانوني يحرم المواطنين من حق التقاضي".
وبهذا أصبح القاضي هو المرجع الأول في تقرير ما إذا كان العمل المعروض عليه عملاً من أعمال السيادة أم لا. (انظر كتاب رقابة القضاء على أعمال الإدارة للدكتور محمد محمد بدران- كلية الحقوق- جامعة القاهرة).
وإذا كان الأمر كذلك فإن الأمر بالنسبة إلينا في عُمان يتطلب إعادة النظر سواء على صعيد إعادة النظر في التشريعات والقوانين بتعديلها أو على مستوى وظيفة القضاء بأن تكون له كلمة في هذا الأمر تأ