16 ديسمبر 2010

مثقفون وحقوقيون خليجيون يصدرون بياناً بشأن الأحداث الأخيرة في دولة الكويت( ديسمبر- 2010م)

by Gulf Discussion Fuorm on Thursday, December 16, 2010 at 7:02pm
Your note has been created.
 خاص: GDF 
 
      تابع المثقفون والحقوقيون والمهتمون بالشأن العام  في دول مجلس التعاون الخليجي، بقلق بالغ الأحداث المؤسفة التي جرت في دولة الكويت خلال الفترة القليلة الماضية، والتي تمثلت في قيام القوات الأمنية الخاصة باستخدام العنف خلال اعتدائها على نواب ومواطنين خلال ندوة عن أهمية التمسك "بالدستور الكويتي".
    ونظرا لما لدولة الكويت وشعبها من مكانة غالية في قلوبنا، وأيضا لمكانتها الرفيعة بين دول الخليج في مجال الديمقراطية وحقوق الإنسان،  ولما يتمتع به الشعب الكويتي الشقيق من دستور ودولة مدنية مارست الديمقراطية على مدى نصف القرن المنصرم، فإننا نعبر عن عميق ألمنا واستنكارنا لهذه الأحداث التي لم تعهدها دولة الكويت.
     لقد جبلت حكومة الكويت على معالجة الاختلافات السياسية وفق الأطر القانونية والتي ليس من بينها استخدام العنف الذي لم تعتد عليه الحياة السياسية، لذا ومن منطلق حرصنا على الهدوء واستمرار العملية السياسية بمنهجيتها الدستورية والقانونية فإننا نعرب عن أسفنا واستنكارنا لما حصل من استخدام للعنف المفرط سواء ضد مواطنين أو نواب البرلمان الذين يمثلون السلطة التشريعية وهم مصدر السلطات كما نص على ذلك دستور عام 1962 الذي ارتضاه الحاكم والمحكوم ليكون المرجع القانوني لتسيير شئون الدولة التي نراها نموذجا متقدماً بين  دول الخليج.
     إن أسفنا لا يتوقف عند هذه الأحداث المؤلمة لنا كمثقفين بالخليج، وإنما يمتد ليشمل كل ما نشهده من تراجعات على مستوى الإصلاح الديمقراطي وحقوق الإنسان، في دول مجلس التعاون الخليجي وفي العديد من الدول العربية، حيث ارتفعت وتيرة تكميم الأفواه ومصادرة حرية التعبير عن الرأي والزج بالحقوقيين والمهتمين بالشأن العام والمدونين في المعتقلات بدون وجه حق، بما يعد تعدياً صارخاً على الدساتير والقوانين الصادرة في تلك البلدان، وانتهاكاً واضحاً للمواثيق والأعراف الدولية المتعلقة بحقوق الإنسان، التي وقعت عليها والتزمت بتطبيقها هذه الدول.
    إننا إذ نكرر التعبير عن أسفنا  لما آلت إليه الأوضاع بدولة الكويت، فإننا ندرك في نفس الوقت أن هذه الأوضاع ما هي إلا جزء من تحديات مسيرة التطور الديمقراطي لكل المجتمعات الحية التي تكافح من أجل ترسيخ دولة القانون ودولة المؤسسات والدولة المدنية.
     إن كافة المحاولات التي استخدمت في الآونة الأخيرة في الكويت، ومنها أسلوب التعتيم الإعلامي الداخلي لحجب معرفة الحقيقة أو سماع وجهة النظر الأخرى، وإغلاق مكاتب فضائية الجزيرة التي غطت الأحداث، لم تعد قادرة على إخفاء الحقيقة في عصر الاختراقات التكنولوجية من إنترنت وفضائيات، والتي بمقدورها استخدام كل الوسائل البسيطة والمعقدة لتغطية كل الأخبار والمستجدات في أي بقعة من أرجاء العالم.
    لذلك نؤكد على أن احترام الدساتير والقوانين والالتزامات الدولية لحقوق الإنسان، والتي تنص على حق حرية التعبير السلمي عن الرأي في الكويت وفي كافة دول مجلس التعاون، هو صمام الأمان للحفاظ على الاستقرار والأمن والسلم الأهلي، وبناء القدرة الذاتية من أجل تطوير الأوطان والدفاع عنها أمام كافة التحديات.  وفي هذا السياق نطالب بإطلاق سراح سجناء الرأي والضمير في كافة دول مجلس التعاون الخليجي، مركزين في هذه الحالة على إطلاق سراح الأستاذ محمد عبد القادر الجاسم والدكتور عبيد الوسمي اللذين يحاكمان ويسجنان بتهمة عفا عليها الزمن وخاصة في  دولة الكويت التي اعتدنا منها احترامها للدستور، وعدم سجن أصحاب الرأي والضمير، بل وتركت المجال مفتوحا أمامهم للتعبير عن آرائهم، لا أن يجرجروا – كما يحدث الآن -  في أروقة المحاكم، وكأنهم من عتاة المجرمين.
     وفي الختام نتمنى على الحكومة الكويتية أن تراجع سياساتها مع الشعب الكويتي الذي  لم يخذل الأسرة الحاكمة الكريمة في أشد أوقات الضيق، لا بل أصر على التمسك بها كعنوان لمستقبل زاهر في مؤتمر "جدة" الشهير عام 1990 إبّان فترة احتلال الكويت حين تعهدت الأسرة الكريمة بالالتزام بكافة أحكام الدستور والعمل به.
      وحيث أن إعادة الأمور إلى وضعها الطبيعي في الكويت هو من أولوياتنا ومطالبنا التي نتمنى أن تؤخذ بعين الاعتبار من قبل سمو الأمير الشيخ صباح الأحمد الجابر الصباح حفظه الله ورعاه، وهو الذي عودنا بدبلوماسيته المعهودة بالعمل على حلّ أعقد الأمور الإقليمية على مدى الستين سنة الماضية، فإننا نعول على حكمته في إعادة الهدوء والأمن والاستقرار إلى ربوع أرض الكويت وشعبها المعطاء.
الموقعون:
1-  الدكتور علي الديري -كاتب وناقد
2-   عبد الوهاب صالح العريض -صحفي وشاعر
3-  لميس ضيف -كاتبة صحفية
4-  أنور الرشيد -كاتب صحفي وناشط حقوقي وسياسي
5-  طاهر البغلي -ناشط حقوقي
6-  طيبة المعولي -ناشطة سياسية ومدافعة عن حقوق الإنسان
7-   سعيد الهاشمي -كاتب وباحث
8-  محمد التاجر -محامٍ ومدافع عن المعتقلين السياسيين
9-  سالم آل تويه -كاتب ومدافع عن حقوق الإنسان
10-عبدالله آل تويه -كاتب ومترجم
11-سالم موسى الطنيجي -مدون وناشط حقوقي
12-سكينة عبد الله المشيخص -كاتبة وصحفية
13- زكي أبوالسعود -ناشط حقوقي
14-عبد المحسن مظفر -ناشط حقوقي
15- زايد الزيد -كاتب
16-محمد الصميخ -ناشط حقوقي
17- الدكتورة ابتسام الكتبي -أكاديمية
18-الدكتور عبد الله الدرازي -أكاديمي وناشط حقوقي
19- عبد النبي العكري -ناشط سياسي
20- سلمان كمال الدين -ناشط حقوقي
21- علي الدميني -ناشط حقوقي
22- حمد الحمدان -ناشط حقوقي
23-عدنان الشويحان -كاتب ومدون
24- وجيهة الحويدر -كاتبة وحقوقية
25- ذاكر آل الحبيل -ناشط حقوقي
26- عقل الباهلي  -كاتب وناشط حقوقي
27- عبد العزيز إبراهيم السويلم -ناشط اجتماعي
28-عبد الرحمن فهد السويس -رجل أعمال
29- حمد إبراهيم الباهلي -كاتب سياسي
30- عبد الرحمن علي العلولا -كاتب وناشط اجتماعي
31- عبد الله الحركان -ناشط اجتماعي
32- نجيب الخنيزي -كاتب وباحث
33- ابتهال مبارك صحفية
34- عبد الرحمن موكلي
35- الدكتور أحمد عبد الملك -كاتب وإعلامي
36- عيسى الغائب -ناشط حقوقي
37- فوزية العيوني -ناشطة حقوقية
38- عبدالله الفاران -ناشط حقوقي
39- علي الظفيري -إعلامي
40- حسن دويس -صحفي
41- عبدالله الفريحي -ناشط حقوقي
42- علي محمد العنيزان -مستشار مالي
43- نشمي مهنا- شاعر وكاتب صحفي
44- عبد الله حسن العبد الباقي- كاتب وحقوقي
45- د.عبد المحسن هلال - أكاديمي وكاتب وحقوقي
46-عبد الله فراج الشريف - باحث وكاتب وحقوقي
47- أسماء المحمد ناشطة حقوقية – و إعلامية
48- عبدالرضا حسن -ناشط حقوقي
49-جليل يوسف - ناشط حقوقي
50-محمد فضل- ناشط حقوقي
51-سيد يوسف المحافظة - ناشط حقوقي
52-محمد الزامل- ناشط اجتماعي
 

تكريمٌ بالإكراه..


محمد الحارثي

       كنتُ في رمال وهيبة مساء 11 ديسمبر 2010 في أحد المُخيمات التي بالكاد يصلها إرسال هاتفي مُتقطع، فإذا بالدكتورة سعيدة بنت خاطر تتصل بي لتفاجئني بتكريم لا علم لي به من طرف "الجمعية العُمانية للكتاب والأدباء" بمناسبة الأربعينية، وأن عليَّ حضور حفل التكريم الذي سيقامُ تحت رعاية (معالي الدكتور يحيى بن محفوظ المنذري رئيس مجلس الدولة) لاستلام الشهادة والدرع وهدية التكريم مساء الثلاثاء 14 ديسمبر الحالي في النادي الثقافي.
      قلتُ لها فوراً: اعذروني من قبول هذا التكريم الذي لا أستحقه، ولستُ في حاجة لجوجة إليه.
      لكن الدكتورة لم تتوقف عن دغدغتي بأنه اعتراف بمنجزي و"ريادتي" في قصيدة النثر، رغم أنني لست رائداً في قصيدة النثر ولا في قصيدة التفعيلة!.
تقطع الإرسال الضعيف أصلاً في رمال وهيبة، فأرسلتُ لها رسالة عبر الهاتف في اليوم التالي هذه فحواها النصِّية:
     "شكراً لجهدك المحمود دكتورة، بيد أنني لن أتمكن من الحضور. وتجاهلي قطعياً فكرة تكريم مرتجل لا يعنيني، ولم أكن يوماً في حاجة إليه".
     لكن الدكتورة مُصرَّة على حضوري الحفل، ولم تعبأ برسالتي الواضحة والمؤكدة لرفض ذلك التكريم. فإذا بها تجيب على رسالتي تلك بعد نحو أربع ساعات (كافية لاستشارة آخرين!)، قائلة في رسالتها الجوابية:
     "عزيزي إحنا خلاص، لا تراجع. سأرسل لك التكريم وانته حر ارميه في رمال الشرقية".
      حين قرأت رسالتها، لم أشأ الرَّد. وقلت لنفسي: بعض الصَّمتِ حِكمة يا فتى!
إلى أن عرفتُ أنني أُكرهتُ على ذلك التكريم، رغماً عن أنفي، في ذلك الحفل المزدوج بين "الأدباء المُكرمين من سلطان البلاد" و"المُكرمين من الجمعية العُمانية للكتاب والأدباء"، كما ظهرت الأسماء المنشورة في جريدة عُمان في اليوم التالي صبيحة 15 ديسمبر.
٭٭
     هل هو تكريمٌ بالإكراه؟..
     هل تريد هذه الجمعية التي اعتقد البعض أنها صوت الأدباء والمثقفين في عُمان، فإذا بها لا تكتفي بمزحةِ وجودها الفقير إلى الله لتستجدي من المُحسنين شهادات ودروع وهدايا تقدمها لنا عبر حماقة مبادرتها التزلفية التي زجَّت فيها بأسمائنا وسط تكريم سُلطاني لا علاقة لنا به..
     فالجمعية هي من اختارت الأسماء المرفوعة لسلطان البلاد (كما أكدت لي د. سعيدة خاطر) ليتم تكريمها، كما اختارت أسماء من كرمتهم بـشفعة الريادة، كأنما ليُخلط، عن قصد، حابلُ تكريم بنابل آخر في كتاب "تواقيع أدبية" الذي أصدرته هذه الجمعية الأسخف من فكرة وجودها وعدمه في "الوجود والعدم" السَّارتري، لنكون نحن الضحيَّة الوجودية رغماً عنا في تكريم لا ناقة لنا فيه ولا بَولة كلب أجرب في الرُّبع الخالي.
      لحسن الحظ أنني لستُ في قائمة التكريم السلطانية، بل من "الرُّواد" المُكرَّمين -كما قالت سعيدة خاطر نائب رئيس الجمعية- بدرع وشهادة وهدية. لذلك لم تجد غضاضة في إهانتي بقبول التكريم مُكرهاً، وبحُريَّتي في رميِ التكريم في رمال وهيبة – (رمال الشرقية، وفقاً لتعبيرها المُلتزم باشتقاقات النهضة!).
لن أرمي التكريم، كما تقترحين، في رمال وهيبة النقية بكلِّ ذرة رملٍ فيها، هي جُزء حميمٌ من ذاكرتي.
     لذلك ارموا أنتم تكريمكم في مزبلة حوش الجمعية، فذاك مكانه الطبيعي في حَواشِي الطبيعة.
٭٭
    لا أريد الإطالة، لأنني لستُ مُتفيِّقاً لهذه الترَّهات التي لم يخجل هؤلاء "المثقفون" من فداحة ارتكابها بأسمائهم التي تناست أهم فعل ودور يقومون به، ليكونوا الضمير الثقافي الحَيّ في هذه البلاد. لتقصي، في آخر الزمان، نزاهَتنا التي أعلناها علناً على رؤوس الأشهاد، ولم تعد في حاجة لتأويل مواقف أو مواقف مُضادَّة لتُرتكبُ الجَرائرُ، هذه المرَّة، بأسمائنا التي تُنشر رُغماً عنا في الصُّحف.
     ولو كانت هذه الجمعية مهتمة بالمثقفين والكتاب، كما تدعي، ولو كُنتُ أحد "الرُّواد"، كما جاء في حيثيات التكريم.. لكانت أصدرت بياناً حين منعت الرقابة ديوان أبي مسلم البهلاني الذي حققته، ولأصدرت بياناً آخر حين ارتأت وزارة التراث والثقافة تكريمه هذا العام، رغم أنها هي من أقصى شعر أبي مسلم وحذفه وشوَّهه، كما يعلم الجميع.
يالها من مفارقات تدعو لضحكٍ كبُكاء بيت المُتنبِّي...
      ويالها من جرائر مَسَّتني وجرحت كرامتي بحجة تكريم أعلنتُ رفضه وعدم قبوله.
جرائر لم يعد لدي فُضلة من العُمر لأتفيَّق للردِّ عليها.
      وحمداً لله، حمداً لله وشكراً للمغاوير من صحفيي جريدة عُمان الذين أوردوا اسمي الثلاثي خطأ ونسبوني لأبٍ آخر لم يلدني، فبعض المثالب الصحفيَّة محمودة، ولله الحمد.
فقط، فقط اتركوني فيما أنا فيه وعليه. ولا تمتهنوا اسمي في بُهرج تملُّقكم الأربعيني المُزيَّف.

15 ديسمبر 2010

يا جمعيَّة الكُتَّاب والأدباء العُمانيِّين: تكريمك الاستفزازيُّ مرفوضٌ ملعونٌ مُحتَقر

    سالم آل تويّه

       أمر غريب ومريب ما قامت به جمعية الكتاب والأدباء العُمانيين بإعلانها تكريمي في الحفل الذي أقامته بالنادي الثقافي أمس الثلاثاء.
       إنني أرفض هذا التكريم رفضًا قاطعًا، وأتبرأ منه، وأعلن عدم علاقتي به، فهو يخص جمعية الكتاب وحدها، وبالنسبة إليَّ: لو رأيت جائزة جمعية الكتاب والأدباء العُمانيين هذه لأحرقتها ورميتها في أقرب سلة قاذورات، إذ –من وجهة نظري- لا تتعدَّى كونها قذارة من الناحيتين المعنوية والمادية، ولا يمكنني في أي حال من الأحوال أن ألوِّث نفسي بقبولها.
      لكن لهذه المهزلة حكاية يجب أن أكتبها هنا بيانًا لما قد يُعتقَد أنني راض به، فقد يوحي نشر اسمي في الصحف هذا اليوم ضمن قائمة "المكرمين" بقبولي بهذه السُّبَّة. ولعل جمعية الكتاب نفسها تعلم أنني قاطعتها منذ نشأتْ، فهي في رأيي ليست إلا صنيع الأمن والمخابرات لطيِّ الكُتَّاب واتجاهاتهم تحت أجنحة عيونها الساهرة على الخراب والتشويه والإرهاب والتنصت والارتزاق. وسواء فغر أحدهم فاه أم مؤخرته فهذه هي الحقيقة من أولها إلى أن يكتمل الخراب وتنجز المهمة بضراوتها المعهودة، فالثقافة والأدب في بلادنا -في نهاية المطاف- مسيطر عليهما سيطرة تخرجهما عن دورهما الطبيعي اللصيق بالمجتمع ومعارضة التشويه والدجل، وبالتالي فإن الكتاب والمثقفين قطيعٌ –مثل قطيع المواطنين المغلوب على أمره- يجب أن يُسَاق إلى منصة القرابين وتقديم الولاء والخضوع، وفي جميع الأحوال يجب أن يستظل بظل الحكومة ويتغنى بأمجادها ويفقد أدنى مقوماته المدنية من أجل عيني الخطط الخمسية والعشرية. ومع ذلك ينبغي لهذا القطيع المطيع أن يتشدق بقول العكس دائمًا. وطالما كان هذا القطيع قطيعًا، وطالما كان صنيع الأمن الذي تبين أنه عدو البلاد وأخطر من جميع الأخطار التي يتشدق بأنه يحمي البلاد منها، في هذه الحال سيستمر الخراب، ويصمت المتواطئون، وتُشترى الذِّمم تحت يافطة كبيرة طريق جحيمها مفروشة بالنيات الحسنة: الواجب الوطنيّ!.
      في تمام الساعة السابعة واثنتين وثلاثين دقيقة من ليل السبت الماضي الموافق 11 ديسمبر اتصلت بي سعادة المكرمة الأستاذة الدكتورة الشاعرة سعيدة بنت خاطر الفارسي عضو مجلس الدولة نائبة رئيس الجمعية العُمانية للكتاب والأدباء. فوجئت بهاتفها، إذ طيلة السنوات الماضية ربما لم نتبادل سوى بضع كلمات ترحيبية تعد على أصابع اليد، وبرغم ذلك كانت سعادتها –غمرها الله بالسعادة- سعيدة ضحوكًا، وقد قدرت اتصالها، وقلت ما يبين رفضي بوضوح. عليَّ أن أقول الآن إن مكالمة سعادة المكرمة الأستاذة الدكتورة الشاعرة سعيدة بنت خاطر الفارسي عضو مجلس الدولة نائبة رئيس الجمعية العُمانية للكتاب والأدباء كانت شديدة الغرابة. قالت إنني من "المكرمين"، ولم يكن مجديًا أن أسألها لماذا فقد قالت لأنني من الرواد!، وعندما قلت إنني من كتاب التسعينيات تحدثت عن التجديد في القصة القصيرة!. قلت لها إن هناك تحفظات بالنسبة إليَّ على جمعية الكتاب والنادي الثقافي، وطال الحديث عن قول سعادتها إن باستطاعتي قول رأيي في النادي الثقافي. وفي الحقيقة لا يعنيني إطلاقًا أن ألوث قدمي بعتبات ذلك المستنقع الذي تدير منه الحكومة خططها الثقافية. ولما وصل الحرج مداه باقتراح سعادة المكرمة الأستاذة الدكتورة الشاعرة سعيدة بنت خاطر الفارسي عضو مجلس الدولة نائبة رئيس الجمعية العُمانية للكتاب والأدباء استلام القاصة بشرى خلفان "جائزتي" أجبتها بعدم إمكانية ذلك، وذلك بعد رفضي الصريح حضور استلام أي جائزة، ثم سألتني عمن أرشحه لاستلام الجائزة فقلت لها لا أحد إطلاقًا، وشكرتها بتهذيب على اتصالها، وانتهت المكالمة هنا إلى أن فوجئت أمس الثلاثاء في الساعة الثامنة وأربعين دقيقة ليلًا باتصال القاصة بشرى خلفان لتبلغني بأنها استلمت "جائزتي"!. ياله من أمر غريب وفي غاية السخف. سردت لبشرى بعض ما جرى في أثناء اتصال سعادة المكرمة الأستاذة الدكتورة الشاعرة سعيدة بنت خاطر الفارسي عضو مجلس الدولة نائبة رئيس الجمعية العُمانية للكتاب والأدباء بي ليل السبت، وأنني أرفض تلك الجائزة. كنت مشغولًا ساعتها، فأعدت الاتصال ببشرى لاحقًا لأؤكد لها رفضي ورجائي أن تعيد تلك "الجائزة" إلى سعادة المكرمة الأستاذة الدكتورة الشاعرة سعيدة بنت خاطر الفارسي عضو مجلس الدولة نائبة رئيس الجمعية العُمانية للكتاب والأدباء.
       استغربت من اقتراح سعادة المكرمة الأستاذة الدكتورة الشاعرة سعيدة بنت خاطر الفارسي عضو مجلس الدولة نائبة رئيس الجمعية العُمانية للكتاب والأدباء بترشيح القاصة بشرى خلفان لاستلام الجائزة، وأخبرت بشرى بأنني قلت لـ سعادة المكرمة الأستاذة الدكتورة الشاعرة سعيدة بنت خاطر الفارسي عضو مجلس الدولة نائبة رئيس الجمعية العُمانية للكتاب والأدباء بصراحة واضحة إنني لا أرغب في استلام بشرى الجائزة بدلًا عني ولا أي أحد ولا أرغب في استلام أي "جائزة"؛ قالت بشرى إن سعادة المكرمة الأستاذة الدكتورة الشاعرة سعيدة بنت خاطر الفارسي عضو مجلس الدولة نائبة رئيس الجمعية العُمانية للكتاب والأدباء بنفسها نادت اسمي في ذلك الحفل أمس وقالت إنه بناء على رغبتي أرشحها لاستلام "الجائزة"!. هل هذا الكلام صحيح يا سعادة المكرمة الأستاذة الدكتورة الشاعرة سعيدة بنت خاطر الفارسي عضو مجلس الدولة نائبة رئيس الجمعية العُمانية للكتاب والأدباء، هل هذا صحيح أم كذب؟!. ماذا يمكن أن يُفهَم من رفضي استلام تلك "الجائزة" حسبما أخبرتك بالهاتف؟!؛ هل هذا يعني أنني أرغب في استلامها؟!. إنه أمر في غاية الغرابة والاستفزاز، هل تريدون تكريمي بالإجبار؟!. إنني في غاية الغنى عن "جائزتكم" و"تكريمكم" وكل ما يأتي منكم.
        إن دور جمعية الكتاب والأدباء العُمانيين دور في غاية الريبة، فلا أجندة مستقلة لهذه الجمعية، وكل دورها لا يخرج عن نطاق المخطط له من قبل الدولة والصمت في الأوقات التي يجب فيها إعلان صوت الكاتب والمثقف المستقلين المعارضين لأي استبداد وفساد وانتهاك لحرية التعبير. صوت الكاتب والمثقف المنشقَّين عن أي صف معوج تخلقه الحكومة الفاسدة وتملي عليه دوره هو ما يجب أن يسمع من أي جمعية كتاب في العالم. وطالما تعذر إعلان هذا الصوت الحر المستقل من جمعية الكتاب والأدباء العُمانيين فإن الانتماء إليها عار؛ وهذا هو موقفي بالضبط من هذه الجمعية الإمَّعة. والغريب أيضًا أنه قبل عدة سنوات حين أرادت وزارة الداخلية المتخلفة إلغاء اسمي (آل تويّه) اقترح أحد الأصدقاء الكتاب وقتها وقوف جمعية الكتاب العُمانيين إلى صفي وأختي زوينة الكاتبة والمترجمة وتوقيع بيان يُطالب وزير الداخلية بحقنا، فأبلغت صديقي باستحالة صدور هذا البيان من جمعية كهذه، إلا أن هذا الصديق أصر وألح وقال إنه سيحاول، إلى أن تبين الأمر في اجتماع مجلس إدارة الجمعية بقولهم إنني وزوينة غير عضوين في جمعية الكتاب والأدباء العُمانيين ولهذا لا يمكن التضامن معنا، فحاول الصديق إقناعي بدفع رسوم اشتراك الجمعية، فقلت له حرفيًّا أن يبلغ مجلس إدارة الجمعية بأنني وأختي لا نعتمد عليهم في أي شيء ولو فعلنا لخسرنا قضيتنا وخسرنا أنفسنا، وأننا سنلقن الداخلية وأمثالها من المتنطعين درسًا لن ينسوه حتى آخر لعنة في أرواحهم الشمطاء، وأننا في غنى عن بيان جمعية تجبن عن أن تصدره في أي حال، وأننا إلى الأبد لا نتشرف بعضوية جمعية الكتاب العُمانيين هذه؛ فما الذي حدث الآن إذن؟. لماذا هذا "التكريم" المجانيّ وأنا لست عضوًا في هذه المصيبة؟.
      في نظري إن قبولي بـ"تكريم" و"جائزة" كهذه يعني التواطؤ ضد روح الكتابة والثقافة والمجتمع والتزامات المثقف ودوره العضوي في قول لا أمام أي انتهاك تقوم به السلطة ومؤسساتها البليدة المستبدة. ولا يمكن بأي حال من الأحوال قبول جائزة أو تكريم والصمت حيالهما والتذرع بعدم إمكانية المعارضة والتصريح بالرفض. إن هذا يعني بكل وضوح قبول ما تمليه السلطة بحجة أن التكريم جاء من جمعية الكتاب العُمانيين وليس من السلطة!، برغم أن تاريخ هذه الجمعية يشهد على أنها ليست إلا أداة تنفيذ "ثقافية!" بيد السلطة، من خلال جيل جديد من الكتاب لمعته السلطة وربته إعلاميًّا وماديًّا في البلاد وخارجها، بل إنها هيَّأته لما يليق بـ"المرحلة" الجديدة من مصطلحات ولغة تقطف من كل بستان زهرة، بما في ذلك (بستان) حقوق الإنسان وحرية التعبير.
       لقد زرع في أعماق كثير من مواطنينا عدم التحرج من قبول رشوة السلطة لهم. وبات أغلى الأمنيات لكثير من الموظفين الكبار والصغار، بمن فيهم الكتاب، أن يحصلوا على هبات مالية أو قطعة أرض. وهذا الأسلوب الدنيء في استمالة المواطنين طال –ابتداءً من عام 2006م/عام الثقافة في عُمان- الكتاب والمثقفين، وأصبحت تلك "العزائم" السنوية في بيوت الوزراء عادة يتسابق إليها كثير من الكتاب من أجل الظفر بما قد يمن به الوزير عليهم أو أحد مستشاريه، وبات صوت المثقف الحقيقي غائبًا، حتى حاقت نظرات الشزر بالقلة القليلة ممن عارضوا تلك الأساليب الرخيصة وأعلنوا انشقاقهم عن صفوفها، وهؤلاء شقوا عصا الطاعة العمياء وكتبوا ودونوا في الإنترنت وحوربوا من قبل الصحافة وأربابها القوَّادين والمرتزقة.
       والآن نتيجةً لأشباه المؤسسات تلك -جمعية الكتاب والأدباء العُمانيين، النادي الثقافي، وزارة التراث والثقافة... إلخ- نتيجة لهذا الفساد يعلو صوت النفاق والدجل وعصابة السلطة المقنعة بوجه الكاتب الطليعي والمثقف العضوي!.
كم وكم أثبت الكاتب والمثقف العُمانيان أنهما ليسا أكثر من إمَّعة وشحاذين وجبانين!.
كم وكم باتت الثقافة في بلدنا أُلهية في أيدي الصبيان والمخبرين وعبيد السلطة!.
أين هم أدباؤنا "الكبار" الذين يتشدقون بأنهم الطليعيون حاملو لواء الحداثة، وليست الحداثة في تجاربهم إلا تأثرات لغوية جوفاء تُكذِّبها ممارساتهم اليومية في نصوصهم وحياتهم وتعاملهم مع قضايا مجتمعهم. كم احترمنا كتابًا واعتقدنا أنهم "كبار" بمعنى الكلمة لنكتشف الآن أن الكلمة مقلوبة وأنهم أضأل من أن يُبصَق في وجوههم؟!. لهؤلاء لا بد من القول: أنتم، يا هؤلاء المنحطون في أرذل الطباع، أيها الخاضعون للسلطة الغاشمة، أيها المرتشون، أيها المنتفعون بالمال والأراضي والسفر، أنتم السبب الأكثر أثرًا في انهيار القيم في مجتمعنا، وفي استبداد الظلم، وفي نشوء جيل من الكتاب جاهل بأي سؤال وطني واع، لأنكم الأنموذج والقدوة بالنسبة إلى كثيرين سيأتون أيضًا، وسيتشوهون ويخضعون بسببكم. أنتم يا من تشتمون الدولة في الخفاء وتتوسَّلون لها في وضح النهار. أنتم السبب في وجود جمعية الكتاب والأدباء هذه، وما شاكلها، ولأن داخلكم مريض ومنافق ويقول عكس ما يُمارِس، فإن كتابتكم هذيانٌ وكوابيس وكآبة وموت وافتعال مرير ينبئ بإفلاس إنسانيتكم وتبنيكم لكل قضايا الكون إلا قضاياكم، ولذلك ستستبد بكم هذه السلطة على هواها وتقدم لكم عطاياها وإهاناتها كما تقدم العظام للكلاب الجائعة.
      لكل هذه الأسباب أكرر إعلاني: إنني أرفض "جائزة" جمعية الكتاب والأدباء العُمانيين و"تكريمها" المستفزين. أنا لست واحدًا من أعضائها، وحتى آخر يوم في حياتي يسوؤني أن أنتسب إليها ولا أتشرف إلا بأن أكون مستقلًّا حرًّا بعيدًا عنها بعد المشرق عن المغرب.       
 

03 ديسمبر 2010

المثقف التابع.. المثقف (الفالصو)

صبري حافظ

       استمرت القاعدة الاجتماعية التى يجىء منها المثقفون فى التنامى، حتى وصلنا مع ثمانينيات القرن الماضى إلى خريطة ثقافية واسعة ومتنوعة الخلفيات. فقد أفرزت كل طبقات الشعب وشرائحة المختلفة مثقفيها، من أعلى شرائح المجتمع طبقيا، وحتى الحضيض الاجتماعى وقاع المدينة. حيث وفر التعليم المجانى فرصة التعلم للجميع، واستطاع كل موهوب تميز بالدأب والإصرار أن يحقق وجوده الثقافى، برغم الكثير من الصعاب التى أخذت تتزايد فى وجه الطالعين من قاع المجتمع، سواء فى الريف أو المدينة.

    وخاصة بعد استقطابات زمن الانفتاح المدوّخة، التى أطاحت بمركزية الطبقة الوسطى وبمنظومة القيم الاجتماعية والأخلاقية والوطنية معها. وبعد أن قلصت الدولة إلى أقصى حد دعمها للثقافة، وهو الدعم الذى كان يصب معظمه فى صالح المثقف الحر المستقل. حيث كان هذا الدعم فى أغلب الأحيان محكوما بالقيمة، وليس بالولاء للمؤسسة أو بالدخول إلى حظيرتها.

     لكن العقود الثلاثة الماضية شهدت تآكلا سريعا فى قاعدة استقلال المثقف، وتنامى اعتماد المثقفين وبخطى متسارعة على المؤسسة فى زادهم ومعاشهم. كما شهدت تبلور الكثير من الاستراتيجيات الجهنمية التى ضيقت الخناق على المثقف المستقل، ودفعته للهجرة أو التهميش.
     ففى زمن الانهيارات العربى الذى غاب منه أى مشروع وطنى أو قومى واضح. ولم يعد لدينا فيه أولويات وطنية واضحة نطالب العالم باحترامها حفاظا على حقوقنا. وأهم من هذا كله لا يتمتع المواطن العربى بأبسط حقوقه الإنسانية فى التعبير عن نفسه ورؤاه. اللهم إلا خلسة، وفى العالم الافتراضى على الانترنت.

      وقد لا تخلو هذه المتعة من خطر ماحق يشهد عليه ما جرى لخالد سعيد فى مصر، ولطلّ الملوحى فى سوريا، ولعشرات آخرين فى بلدان عربية أخرى. فى هذا الزمن لم يعد ممكنا الحديث إلا عن استقطاب حاد بين نوعين من المثقفين: المثقف الذى يجسد ضمير أمته ووعيها النقدى الحاد، ويعبر عما يسميه رايموند وليامز بـ«بنية المشاعر» الجمعية، والمثقف التابع الذى يتماهى مع مؤسسة السلطة، ويسخر معرفته لتعزيز سيطرتها الشائهة، ويكرس زمن الانهيارات العربى ذاك بدلا من تبصير مواطنيه بسبل الخلاص منه.
      ولن أتحدث هنا عن المثقف الأول الذى يحرص على أن يكون خارج القطيع، أن يكون خارج المؤسسة، أن يكون هاويا ومزعجا للوضع الراهن والمتفق عليه، أن يكون الصوت الذى يطرح الحقيقة فى مواجهة السلطة، كما يقول إدوارد سعيد فى كتابه المهم (تمثلاث المثقف). ويدفع بالطبع ثمنا باهظا لذلك. فقد كان هذا هو النمط الأساسى الذى تعنيه الكلمة قبل أن ينتابها التشويه والتدليس كما حدث للكثير من المفردات الكبيرة فى زمن الإطاحة الجهنمية بالكثير من المفاهيم الكبيرة وتشويهها.

      وإنما سأتحدث هنا عن المثقف التابع، كلب حراسة المؤسسة، الذى تمتلئ به الساحة الثقافية العربية على امتدادها الواسع، والذى يتحمل، فى رأيى المتواضع، الكثير من المسئولية عما وصلنا إليه من انهيارات فى زمن التردى والهوان هذا. فهو الذى يسوغ هذا الهوان ويبرره ويعمل بوعى أو بدون وعى على تكريسه.
     ففى عالم يعج حسب تعبير ماريو فارجاس يوسا الفائز بجائزة نوبل للآداب هذا العام بالديكتاتوريات الكاملة، أى الديكتاتوريات المراوغة التى تبدو من فرط إحكام الاستبداد فيها وكأنها ليست ديكتاتوريات، وإنما لمرارة المفارقة ديمقراطيات «سيميولاكرات simulacra» فالصو، أى صورا شائهة تزعم أنها الأصل، وهى لا تشبه الأصل من قريب أو بعيد.

     فى هذا الزمن كان لابد أن يتحول المثقف أيضا إلى simulacrum أى صورة مزيفة ــ فالصو ــ مغشوشة للمثقف، تدعى أنها المثقف وهى لا تشبه. فهى عارية من صفات الأصل وخصائصه، ولكنها تموه على العالم بأنها مثل الأصل، بل تزعم أنها هى الأصل، والأصل منها براء. والواقع أن موضوع السيمولاكرا هذا من الموضوعات التى شغلت معظم الفلاسفة المعاصرين، وخاصة جان بودريارد وجيل ديلوز وليوتار وفريدريك جيمسون وغيرهم ممن اهتموا بالبحث فيما يسمى بالوضع ما بعد الحداثى الذى نعيشه. حيث أصبحت الكثير من المفاهيم هى مجرد أشباه مزيفه لما كانت عليه.

     ويحدد بودريارد خصائص هذه السيميولاكرا، والتى لا أجد مصطلحا يترجمها بدقة غير الكلمة العامية «فالصو»، بأنها تمثل انعكاسا ما للأصل، وهى فى حقيقة الأمر المقلوب الواقعى والفعلى له، وتزعم أنها هى الأصل وخاصة حينا لا يكون هناك نموذج متواضع عليه لهذا الأصل الذى تزعم أنها تمثله، وتنقطع صلتها بالواقع حتى تصدق وهمها عنه، وتصبح قادرة ببجاحة على تسويق هذا الوهم وترويجه باعتباره هو الواقع.

       وإذا ما طبقنا هذه الخصائص الأربعة على المثقف التابع، سنجد أنه حقيقة مجرد simulacrum أى مثقف فالصو/ زائف. حيث إنه يزعم بداءة بأنه يمثل حقيقة صورة المثقف المعروفة. فالكثيرون من كلاب الحراسة بدأوا حياتهم مثقفين بالمعنى التقليدى، بل تعرض بعضهم بسبب مواقفه الثقافية للاضطهاد والسجن. لكن هناك الكثيرين الذين اختصروا الطريق وتقمصوا صورة المثقف دون أن يمروا بمرحلة المثقف الذى يتحول فيما بعد إلى كلب للحراسة أو إلى simulacrum صورة شائهة.

        فعملية التحول من حارس للكلمة، بقيمها الإنسانية النبيلة، إلى كلب للحراسة عملية بالغة التعقيد، وتتسم بقدر كبير من المراوغة يوظف فيها المثقف الكلبى ذرابة اللسان، وبراعته فى المحاججة، كى يقنع القارئ بأنه يصدر بحق عن قناعات منطقية تتذرع عادة بالدفاع عن المصلحة الوطنية العليا. فلا يوجد أحد من كلاب الحراسة لديه الأمانة التى يصرح بها للقارئ بعدمية متناهية بأنه تخلى عن كل ما سبق أن آمن به من قيم، وأن ممارساته الراهنة عارية من قيم الثقافة القديمة، وأنه باع قلمه لمن يدفع أكثر.

     وإنما لابد له من الظهور وكأنه المعبر الأصيل، وربما الوحيد، عن قيم الحق والخير والوطنية. ومن هنا تكون خطورته ويكون زيفه معا. خاصة أنه أصبح من الصعب التمييز بين طهارة اليد، وخفة اليد، أو بين الصدق وذرابة اللسان. فالمثقف الفالصو لا يعترف أبدا بأنه كذلك، وإنما يلجأ إلى الكثير من مهاراته وذرابة لسانه للإيهام، كأى simulacrum بأنه هو الأصل. مع أنه وهذه الخصيصة الثانية للـsimulacrum مقلوب كل ما ينطوى عليه مفهوم المثقف من معان ودلالات.

      يقول إدوارد سعيد فى كتابة (تمثيلات المثقف) أو (تجليات المثقف) الذى أريد أن أذكر المشاركين فى هذا الجدل به «إن مهمة المثقف هى تفكيك التصورات الاختزالية السائدة التى تحد من إمكانيات التفكير الإنسانى والتواصل»، وليس بالقطع تكريسها كما هى الحال مع الكثيرين من مثقفى الحظيرة. فالمثقف التابع، أو المثقف الفالصو، لا يفكك التصورات الاختزالية بل يروج لها ويشارك فى اختراعها وتمويهها بمهارة.

      إنه يروج لسياسات بعينها، هى السياسات التى انتهت بنا إلى زمن الانهيارات هذا، بينما دور المثقف الحقيقى هى أن يطرح الأسئلة عن أسباب تلك الانهيارات، وعن سر تلك الانقسامات التى تفت فى بنية مجتمعنا على كل الأصعدة الاجتماعية منها والطائفية. هذا المثقف التابع يسهم فى تدجين الرأى العام، وفى تخليق الانصياع والإذعان، وتسويق ضرورة الاعتماد كلية على مجموعة صغيرة من «أولى الأمر» تدير الوطن نيابة عنهم وتفكر لهم.

      هكذا يتحول المثقف التابع/ كلب الحراسة/ إلى صوت لمن يدفع له، بدلا من أن يكون صوت الضمير الجمعى والمعبر عن «بنية مشاعر» بنى وطنه وصبواتهم فى زمن اتسعت الفجوة فيه بين بنية المشاعر الجمعية وخطاب المؤسسة وممارستها كما لم تتسع من قبل. وهذا التحول فى المثقف ابن التحول فى ممارسات السلطة أيضا، فبعد أن كانت السلطة تستخدم مع المثقف المعارض سلاح الحصار والتهميش والتجويع، أصبحت تستخدم معه أيضا سلاح التلميع والتضخيم والإغراق بالمال والجوائز. لقد استبدلت بالعصا القديمة الجزرة الذهبية الجديدة، وهى التى يسيل لها لعاب المثقف التابع ــ الفالصو الذى لم يعد للقيم ولا للمبادئ عنده قيمة.

      وكلما اغترب عن صوته، وتماهى مع صوت المؤسسة كلما أصبح عليه أن يصدق وهمه وأن يروج له، وهذه هى الخصيصة الرابعة للـ simulacrumعند بودريار بصورة يتحول معها الوهم عنده إلى حقيقة.

      ألم نقرأ مؤخرا فى سيرة مثقف من هذا النوع، طالع من قاع المجتمع المصرى، ولكنه دخل الحظيرة وساهم فى إدخال الكثيرين إلى موئلها البغيض، أنه ينحدر من أصلاب عائلات تركية، من المستعمرين القدامى، كى يبرهن على جدارته بالانتماء لطبقة السادة من المستعمرين الجدد. وهو بذلك يتخلى فقط عن أصوله، وعن دوره وعن قيمه، وعن ثقافته، ولكنه لن ينتمى أبدا للسادة الجدد، لأنه سيظل بالنسبة لهم مجرد كلب حراسة.


** منشور في صحيفة "الشروق" في 19 نوفمبر/ تشرين الثاني

14 نوفمبر 2010

رسالة إلى الشرطة الملكية العُمانية حول رفض الأسماء

معالي الفريق مالك بن سليمان المعمري

المفتش العام للشرطة والجمارك

الشرطة الملكية العُمانية



معالي الفريق،

أكتب إليكم هذه الرسالة بالنيابة عن هيومن رايتس ووتش، وهي منظمة مستقلة ناشطة بمجال مراقبة أوضاع حقوق الإنسان.

أرغب في لفت انتباه معاليكم إلى قضية إيدا عبد الله خميس البلوشي، وهي مواطنة عُماني تبلغ من العمر ستة أشهر، والتي طبقاً لما لدينا من معلومات، حُرمت من شهادة ميلاد بعد أن رفضت الإدارة العامة للأحوال المدنية تسجيل اسمها الذي اختاره لها والداها. إيدا وأسرتها يقيمون في مدينة بوشر بمحافظة مسقط.

المعلومات التي تلقتها هيومن رايتس ووتش تشير إلى أن الإدارة العامة للأحوال المدنية، وهي فرع تابع للشرطة الملكية العُمانية، ينبغي أن توافق على جميع الأسماء المقترحة للمواليد قبل حصولهم على شهادات الميلاد. وتقوم الإدارة بهذه العملية بالاستناد إلى قاعدة بيانات بالأسماء المقبولة، وترفض الأسماء غير الواردة في قاعدة البيانات. المولود الجديد الذي يُرفض اسمه، يُحرم من الحصول على شهادة ميلاد إلى أن يقدم أبواه اسماً مقبولاً.

وقد رفضت الإدارة اسم "إيدا" في العاشر من مارس/آذار 2010. فقام عبد الله خميس البلوشي (رقم هوية: 0243504)، بالطعن في القرار أمام مجلس الإدارة العامة. ورفض المجلس طعنه في 30 مايو/أيار. وبعد طعن جديد من البلوشي، رفض المجلس الطلب من جديد في 11 أغسطس/آب.

طبقاً للبلوشي، فلم يتم إبداء تفسير لرفض اسم "إيدا" باستثناء أنه غير وارد في "قاعدة البيانات". وقد أخبرنا بأنه لم يتلق مطلقاً أية مراسلات رسمية من الإدارة بالرفض، وأنه لم يحصل قط على تفسير لسبب قبول الإدارة لبعض الأسماء دون أسماء أخرى.

إن رفض تسجيل اسم الطفلة ومنحها شهادة ميلاد يؤثر سلباً على حقوق الطفلة. طبقاً لما لدينا من معلومات، فعلى الأبوين إصدار شهادة ميلاد للطفل أو الطفلة قبل تلقي العلاج الطبي المجاني، ومنه التطعيمات (التحصينات) التي توفرها وزارة الصحة العُمانية. والطفل غير المتمتع بشهادة ميلاد غير مستحق لهذه الخدمات. والخدمات الأخرى التي لا يمكن للطفل الحصول عليها دون شهادة ميلاد تشمل التأمين الصحي الحكومي، والتعليم العام، وأوراق الهوية وجوازات السفر.

في الوقت الحالي - وإيدا تبلغ من العمر ستة أشهر - لم تتلق علاجاً طبياً ولا يمكن إصدار أوراق سفر لها، وهو ما منع أسرتها من السفر بها للخارج.

وطبقاً لاتفاقية الأمم المتحدة لحقوق الطفل - وعُمان دولة طرف فيها - فإنه "يجب تسجيل الطفل فور ولادته ويُتاح الحق منذ مولده في حصوله على اسم، [و] الحق في الجنسية" و"على الدول الأطراف ضمان تنفيذ هذه الحقوق والالتزام بها.. لا سيما في حالة إذا أصبح الطفل غير المتمتع هذه الحقوق بلا جنسية" (المادة 7). كما أن على الدول الأطراف "الإقرار بحق الطفل في التمتع بأعلى مستوى ممكن من الصحة" و"السعي لضمان عدم حرمان أي طفل أو طفلة من حقوقهم في الحصول على الرعاية الصحية". (مادة 24).

إن رفض السماح للآباء باختيار أسماء الأطفال قد يشكل أيضاً خرقاً لحقهم في الخصوصية وحرية التعبير، مع تقييد هذه الحقوق دون وجود مبررات كافية. الحق في حرية التعبير مكفول بوضوح في المادة 29 من النظام الأساسي العُماني، وورد فيه أن "حرية الرأي والتعبير عنه بالقول والكتابة وسائر وسائل التعبير مكـفوله في حدود القانون".

وبالمثل، فإن الفقه القانوني الدولي يدعم حرية المرء في اختيار الاسم. لجنة الأمم المتحدة لحقوق الإنسان قضت في قضية في عام 1994 بعنوان "كورييل وآخرون ضد هولندا"، بأن المادة 17 [من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية] تنص على أنه يجب ألا يتعرض أحد للتدخل بشكل متعسف أو غير قانوني في حق المرء في الخصوصية، وحرمة الأسرة والبيت والمراسلات. وتعتبر اللجنة أن فكرة الخصوصية تعود على مجال حياة المرء التي يعبر داخلها بحرية عن هويته.. ويشمل هذا الحماية من التدخل المتعسف أو غير القانوني في الحق في اختيار الاسم أو تغيير المرء لاسمه".

من هذا المنطلق، فإننا نقدر لمعاليكم توفير الردود على الأسئلة التالية من حكومتكم:

• ما هي القوانين أو الأنظمة الحاكمة لاختيار الأسماء في سلطنة عمان؟

• ما هي السلطات الممنوحة لإدارة الأحوال المدنية فيما يخص رفض تسجيل الأسماء، وما هي القوانين والأنظمة أو قواعد البيانات الحاكمة لهذه السلطات؟

• إذا كانت إدارة الأحوال المدنية ومسؤولوها يتخذون القرارات الخاصة بإصدار شهادات الميلاد بناء على قاعدة بيانات من الأسماء "المقبولة" و"المرفوضة"، فهل يمكن لنا الاطلاع على نسخة من هذه القائمة، مع توضيح كيفية إعداد هذه القائمة ومراجعتها من وقت لآخر؟

• هل يُحرم الأطفال العُمانيون الذين لا يتمتعون بشهادة ميلاد من: (أ) تلقي الخدمات الطبية، (ب) الذهاب للمدارس، (ج) الحصول على أوراق هوية، (د) الحصول على جوازات سفر؟

• هل يمكن لإدارة الأحوال المدنية أن توضح لنا الآلية التي يمكن بموجبها في حالة رفض تسجيل الأسماء أن يطعن الآباء في القرارات الصادرة عن الإدارة؟ وما الخطوات التي يجب على الإدارة اتخاذها لشرح عملية الطعن هذه للمتأثرين بالقرارات ولضمان التسريع بعجلة النظر في الطعون؟

• هلا تفضلتم معالي الفريق بتوضيح كيف أن سياستكم فيما يخص تسجيل الأسماء متسقة مع الحقوق الأساسية للأطراف المتأثرة، من واقع مبادئ النظام الأساسي العُماني والمعايير الواردة في القانون الدولي؟

تتطلع هيومن رايتس ووتش - معالي الفريق - لتلقي ردكم على الأسئلة. وربما نصدر هذه الرسالة علناً يوم 7 أكتوبر/تشرين الأول أو بعده، مرفقاً بها رد معاليكم إذا وصلنا قبل هذا الموعد المذكور. وسوف نستمر في مراقبة ومتابعة حالة إيدا عبد الله خميس البلوشي.

يسرني كثيراً إجابة أية أسئلة تعنّ لسيادتكم. وشكراً لكم على الاهتمام بهذا الشأن.

مع بالغ التقدير والاحترام،

سارة ليا ويتسن

المديرة التنفيذية

قسم الشرق الأوسط وشمال أفريقيا

07 نوفمبر 2010

طفلٌ يتنزَّه في مقبرة

عبد يغوث
(عُمان)

الشاعر عبد يغوث

الإهداء:
إلى أمي موزة في جوار حُورِ العِين

على سبيل الاعتذار:
"أقصائدُ هذه؟ لا...
هذه مِزَقٌ، كِسْراتٌ صغيرةٌ
فُتاتُ الورقِ كلّ يوم". أديت سودرجران


إضاءة المقبرة:

أشكُّ في أي نعيم ينتظرني
أما الشقاءُ فظلي...


شـواهد

بَكارة

أيها القلق المُبكِّر
الذي يشبه طفلاً مُبتلى بالسرطان
أريد أن أنام كما صخرة الوادي
لا تجرفها الأمطار ولا حتى القيامة!


لِسان الموت

كانت دارنا العتيقة
تطل على باحة مقبرةٍ ساجدةٍ
تحت قدَميْ جبل أصم
فكيف لي أن أفرح الآن
وأنا أحدثكم بلسان الموت
وكل مدى طفولتي
مقابرُ وجبال!


النساءُ الغريبات

طفولة مريضة
وأم مريضة
باعدت حنان صدرها
ذات شتاء مُرقعَّ الثياب
وخلَّفتني بين أيدي النساء الغريبات
الغريبات اللواتي فطمنني نبتة مُرَّة
وكانت أمي بعيدة مثل نجمة حزينة
فامتصصتُ التبغ وشفاه الأخريات
إلى أن فاض لعابي من اللهاث!


فَزع

رأيتُ ذات طفولة في المنام
امرأتين هبطتا من السماء
بذراعيْ أساطير يونانية
وكأنهما غسلتا مُهجتي
وطارتا
وخرجت أمي إلى الفناء
فوجدتْ طفلاً عارياً
من دهشة التطلع
إلى نجمتين مُفزعتين!


موقِد أُمي

أواهُ أيها الدفء البعيد
حينما سرحتني أمي على ركبتها اليسرى
ذات شتاء طيني أمام الفراشات
جوار أخي الموقد الحنون
فنمتُ مع الله كحبيب
هوى إلى روح عشيقه
النائمة في خَدَرٍ أبدي!


طفولة ُأم

يحدثُ في المساءات البعيدة
على مقعد خشبي طويل
أن أتأمل حبها عبر أوراق شجرة محاذية
وهي تتساقط كما دموعها في القلب
كأنها تحبني للمرة الأولى
غريباً ...
في زاوية على مقعد خشبي طويل
أهطلُ
كحب مريض في وحدة آلمة
لو يتسع الكرسي لكلينا لأحببتها
طوال حبي لصورة أمي
في الطفولة!


-14-

أبي يُحمِّمني عند درج البيت
والمياه تهطل كإفاقة السكران
وأنا أشْرُقُ
كأنني أركض في الزقاق
برِقَعِ الثياب
وهو يُدلِّكُ رأسي
إبطي.. عانتي
فأكرجُ بضحكة ماء
وأتأمل أهل البيت
يرمقونني بضحك عار
كان ذلك في الرابعة عشرة!


يُنبوعٌ حَجَرِيٌّ

أغنيني حجرية
لأن صوتي يسَّاقط أحياناً
كما أحجار أهْوَتها العاصفة
وأحياناً يتقاطر بتؤدةِ نبعٍ
كببتُ عليه وجهي
في طفولة مياه عابرة!


قِطارٌ غامض

أفكرُ كثيراً في السنوات الثلاثين
التي مضت كقطار
كل سنة عربة خاوية
فيفاجئني حزنٌ غامض
حين أتذكر أنني لم أكن موجوداً
على الإطلاق!


دمعة

لي دمعة في آخر الليل
تنتظرني عند طرف سريري
وتعتبُ إن غبتُ طويلاً
في أراضٍ ليست لي
وحين تلفني بملحفتها الليلية
تهيم روحي في تذكاراتٍ ماضيةٍ
وخيبة في أن لا أصبح يوما حجرا
لهم المجد حقاً
أولئك الذين ولدوا كباراً
دون دموع!


بَلادة

أتأملُ تقاذف أرجل المارة
ووداعة الأطفال والعشاق
فيذكرني ذلك بأشياء
لم تعد تخصني
وأنني ولدت هكذا
ساهماً عن العالم ببلادة
أكثر من بلادتي على هذه الطاولة!


زوايا

في زاوية ما من العالم
ينتحب طفل من الكهولة
مطوقا رأسه بذراعيه كمن يُساط
ويعلم في زاوية أخرى من العالم
تختبئ مُهجتُه كما قصيدة
دُسَّت على عَجَلٍ تحت حجر
هناك... هناك
حيث العالم طفل تكاد
تطفرعيناه من الضحك!


* من مجموعة "طفلٌ يتنزه في مقبرة" الصادرة عام 2003م في القاهرة، ويعيد موقع "جهة الشعر" نشرها في "كتاب الجهة".

19 أكتوبر 2010

اختراق مراسلات موقِّعي عريضة الدستور التعاقدي ونشرها

عُمان والتباس مفهوم العمل المدني 

 
      بخلاف المتوقع تعاني سلطنة عُمان شحًّا ملحوظًا مزعجًا تختلط فيه المفاهيم في ما يتعلق بأي ممارسة سوية حقيقية تتعلق بالمجتمع المدني وحقوق الإنسان، وهو ما أثر أثرًا بالغًا في توحيد صفوف المطالبين بالإصلاح والحريات واحترام حقوق الإنسان، إذ يكاد ينعدم الفصل بين الرسمي والمدني، وما تُعرف بمؤسسات المجتمع المدني لا تمارس دورها خارج إطار توجيهات الدولة التي تحركها بالريموت كنترول وتزعزع أي جهود تبذل لإنقاذ أوضاعها المتردية وتبنِّي صوت النقد والدفاع عن حقوق الإنسان والمجاهرة بالأهداف الوطنية المشروعة بعيدًا عن أوهام وتنظيرات المؤامرة والانقلاب.

      وقبل عام قام محمد اليحيائي الكاتب والإعلامي المعروف باقتراح مسودة دستور تعاقدي دعا إلى توقيعها من أكبر عدد ممكن من الشعب العُماني لتُرفع بعد ذلك إلى جلالة السلطان قابوس. شهد هذا المشروع تعثرًا منذ بدايته، وقعه عدد من المثقفين والكتاب والمدافعين عن حقوق الإنسان لكن العدد لم يتجاوز الأربعين من بين ما يقارب ثلاثة ملايين مواطن، ثم أصبح أقل بكثير!.

      ويعيد بعضهم الأسباب إلى أن عريضة الدستور التعاقدي لم تشهد إقبالًا كونها مطروحة على شبكة الإنترنت أولًا، وثانيًا بسبب انعدام أي خبرة في كيفية التعامل مع مطالب شعبية لا تتوسل النهج الرسمي المعهود، وثالثًا لأن الخوف سمة عامة تطبع الأغلبية إلى درجة عدم القدرة على التخلص من هاجس مزمن يربط كل مطلب شعبي بالسياسة وإغضاب الدولة والمعارضة المحرمة.

       وخلال أشهر تداول موقعو عريضة الدستور التعاقدي آراءهم واقتراحاتهم عبر أبردتهم الإلكترونية. ولأن الأمر يفتقر إلى إدارة متفرغة فقد حدثت التباسات كثيرة، وانسحب موقعون وأتى غيرهم، لكن لم يتم أبدًا تداول الموضوع خارج إطار تلك المجموعة إلا باجتهادات فردية قليلة جوبهت بالرفض غالبًا والسخرية.

       وحسب عدة موقعين فإن ما حدث في الأيام الأخيرة يُعتبر اختراقًا يجب فضحه وفضح من يقف وراءه، حيث تفاجأ الجميع بنشر تفاصيل تتعلق بالعريضة وموقعيها على موقع منتدى الحارة العُمانية الإلكتروني. وما دعا إلى ضرورة فضح هذا الاختراق ومن يقف وراءه هو أن من نشر الموضوع باسم مستعار أورد فقرات من المراسلات الخاصة المتبادلة بين الموقعين أعضاء العريضة، مثل نقله حرفيًّا فقرة من رسالة الناشطة السياسية والحقوقية طيبة المعولي التي تعرضت للسجن والمحاكمة سابقًا، والتي كانت أحد المساهمين في لجنة أعادت صياغة العريضة.

    وحسبما يرى عدد من الموقعين فإن القضية هنا لا تخضع لتأويلات كما قد يتبادر إلى بعض من لا يستنكر عدم إفشاء مراسلات خاصة بين مجموعة ينبغي في كل الأحوال عدم إخراجها من حيزها وإعلانها للآخرين إلا بموافقتها، فالمعروف أن بين الموقعين من يوصلون كل شاردة وواردة إلى من دسوهم بين أعضاء المجموعة، ولا شيء يخشى منه الموقعون طالما كان هدفهم وطنيًّا خاليًا من كل ما من شأنه زرع الفرقة والشقاق وينشد صالح وطنهم ومواطنيهم، لكن القضية هنا –حسبما يرى بعض هؤلاء الموقعين- هي ممارسة ذلك وما هو أبشع منه، أي إيهام بقية الأعضاء بالهدف الوطني المخلص والمشترك في الوقت نفسه الذي يتم فيه التنصت عليهم باسم مستعار يتخفى صاحبه به ويلبس قناعه ويوهم الجميع بأن لا علاقة له إطلاقًا بعريضة الدستور التعاقدي.

      ويقول موقعون إن (ط. ر) اسم لشخص وهمي ليس له وجود مثل شخصية الرجل الأخضر، وإن هذا الشخص المختفي أصلًا نجح في أن يخترق المجموعة ويتبادل وإياها حوارًا باسم مستعار، وإنه بعث بطلبات صداقة إلى عدد من ذوي الشأن بالكتابة والتدوين من العُمانيين عبر موقع الفيس بوك واستطاع أن ينال موافقتهم ويتصفح معلوماتهم.

      وماذا بعد؟ -يسأل أحد المدونين مستنكرًا. لهذا الشخص أكثر من ثلاثين اسمًا مستعارًا يكتب بها في ثلاثة منتديات حوارية، وله مدونة ينفث من خلالها سمومه و"أوهامه الوطنية" المليئة بأحقاد الشخص السلبي الذي لا يعمل ويحسد الآخرين على وضوحهم ونشاطهم.

     هو نفسه لا يدري ماذا يريد ولا إلى أين سيصل -يقول مدون آخر. ويضيف أحد الموقعين: هذا الشخص سينتهي في مجتمع التجار العُمانيين، وساعتها سيبدأ في زرع الفتنة بينهم، لأن حيله القديمة ما عادت تنطلي على الكتاب والمدونين. ما عادت حقوق الإنسان محتكرة من قبل مرضى يعتقدون أن الله لم يخلق غيرهم!.

      ويؤكد أحد المدونين أن الأيام المقبلة سوف تشهد منكافات أخرى من قبل هذا الشخص واستغلال ثقة من توهموا أنه صادق وشريك في نقاش جاد. هذا هو العمل الوحيد الذي يمكن لهذا الشخص أن يعمله بعد أن احترق اسمه كلية وانكشفت حقيقته، سيلعب الآن على حبار الأسماء المستعارة –كما يرى المدون الذي يفضل ألا يكشف اسمه هذا الشخص في الوقت الحالي. 

      وفي خضم هذه الملاهي تخفق المحاولات العُمانية المحدودة في توحيد جهود مثمرة على صعيد الواقع، ويهددها التشتت وعدم الاتفاق وعدم الوقوف على أرضية مشتركة مبنية على مجتمع مدني حقيقي يصر على دور فاعل متخلص تمامًا من قبضة السلطة والأجندات الخاصة.       

08 أكتوبر 2010

نشيد الولاء.. أطول قصيدة شعبية في تاريخ القصيدة الشعبية


أحمد العريمي 
إلى ابنتي فاطمة
كم هو مظلم هذا العالم
فاغرسي في كلِّ شبرٍ قصيدةً
وفي كل ظلٍّ نَفَساً.
حتى يتحررَ الحُلُمُ
وينبتَ وردٌ في سياج المعتقلات.

 

"وأنت تحرر نفسك بالاستعارات
فكر بغيرك
من فقدوا حقهم في الكلام
وأنت تفكر في الآخرين البعيدين
فكر بنفسك
قل ليتني شمعة في الظلام".
 محمود درويش

 

هذا نشيدي في الندى
لا من يرتل ما كتبت
ولا بلاد(ن) تمنح الذكرى بلاد
كلما كبرت فـ ظلي المكسور حاصرني الصدى
أو قال لي:
لا تنتظر موتك هنا
في غربتك موتك تعلم كيف ينسى الانتظار.



والبحر يرميني ويصعد خلف ظهري للعدم
كلما رسمت لخطوتي
ما قد رسمت لغربتي قبل الرجوع
أذّن وصلى في دمي
صمت الشوارع
والبيوت اللي تخاف من الألم


أمشي
وتمشي طفلتي بين القصيدة والخراب
أصرخ
أنادي كل من حولي.. ولكن
كل ما حولي سراب.

سميني الحلم وخذيني
لـ جل ما أصعد منك فيك لأولك قبل الوداع
من حكمة البحر انتبهت إن الندى حلم الغمام
وإن البلد
طفلة تنشّف شعرها بثوب الفجر
لو مسّها الشاعر تنام



وإني كثر ما شفت فيك من التعب
ما عدت أحس برغبتي إلا على رمل الحروف.

كم ألف نجمة في دمي تذبل
ويغرق ألف شارع في فمي وأكتب
والملمني حمام وغيم واطيرني شعر واكتب
ويمنحني الندى فرصة
 واسيل من الزهر واكتب



ويجلدني الخطيب الفذّ
وابعثر لحيته واسأل:
لماذا بعتنا ياعم؟؟
واطير من الحبر واكتب:
  [يا رفيق الليل صحرا حكمة الليل الطويل]

ويصحى قربي
 سيدي الدرويش يصحى
مثل غيمه من هديل



شفت ما شفت وتعبت.
طفل يمشي يسحب الشمس بظِّلاله
وشفت عاشق ما يغني
يحمل البحر فـ خياله
يعصره للغيم ويسأل
وتتدرّج كم مدينة من يديه ومن سؤاله
كيف نغسل عن جفون الورد دمعه
والذهب رمز الولاء؟


كيف نوصف للنشيد الحر أسرار الفراشة
واحنا نرسم في شواطي البحر
منفذ خارطة هذا الهباء؟
ولو قدرنا كيف نقدر ننسى تجار المنافي
ومذبحة شعب القوافي
وكيف ننسى شايب(ن) كسّر جفونه
يقطف من الليل معدن
ألف شكراً للغناء.



كم وكم نحتاج حتى
نسترد أرواحنا يا صاحبي ونقدر نطير؟
قال مدري
..كل شي يصعد يطيح
قلت يعني؟
قال يعني لا تحاول تستريح
قلت وحدي؟
قال وحدك
ما قدر إلاك يوقف في جبين الريح ريح



طير هات الشمس ندفى
طير واصعد لا نطيح.

طرت من منفى لغيمة
وشفت ما شفت ورجعت.
لارتعاشي في جفونك بحر يشرب غيمتين
غيمتين عيونك أنتِ
وثغرك النهر ويدينك شمعتين
شمعتين
 ونحترق شعر ومنافي ونتعمّد زهرتين



زهرتين
 وصمتك الناي وغيابك شارعين
شارعين
 وننتهي فيك البداية
 نبتدي منك النهاية بحر يشرب غيمتين
وكل هذا الشعر لك



وللمدينة
صمتها وشارع تعمّره المقاهي بالدخان
كيف صار الحلم أكبر من جهاتك!!
يوم قلنا لحارسك يا سيدي
من حكمة النفط انتبهنا للنشيد.
وللقبيلة بيت يكفي من دمي حتى دمي للواقفين بلا ظلال
 [هذي القبائل ما تأمن بالسلام
هذي المدن لامنّها جاعت غريبة ما تلتهم غير الحمام]



وللخطيب الفذّ شكراً
لا تحاول تسرق أهداب النبي
جف دمع الدمع جف ولا أمل غير المسدس للخلاص من الظلام
لا (يزيد) الله فينا ولا (الحسين) ولا (علي)
من سورة الإخلاص تولد في دم الشاعر بلد
(قل هو الله أحد)
ومن هنا يبدأ السلام.



وللمحرر انته انته.
والجريدة فصل ثالث من فصول المسرحية
شرع تثبيت النظام.


وللمغني:
 لا تغني

وللمحارب:
موت واقف
ينحني لصمتك بلد



ولشرطة الأمن السؤال
كيف صار العرش أوسع من بلادي؟!!
كيف صار الأمن دولة تستبيح الاحتلال؟!!



وللشهيد اللي تدلى من غصن غيمة ونام:
كم نحبك يا حبيبي
كم وكم للريح نصعد قافية لعرس الحمام



وللجياع اللي يعضون الألم:
لا تذبلوا.. لا تصمتوا.. نحتاجكم زهر(ن).. ودم
نحتاجكم منَ نزفنا حتى نغني للوطن
أول نشيدة للوطن
وتكون فصحى للخلود



نحتاجكم في لا نعم
نحتاجكم في معنى تفسير الولاء
نحتاج أساميكم تعنون كل شارع يلتفت للبحر ويحب الحياة.



لي عندكم صوتي المدوزن بالرصاص
لي فيكم الديك وصلاة الفجر.
ولي قهوة الصبح ومزاريب المطر
وجيران عاشوا طيبين
لي ذكريات المدرسة
ودفتر لرسم عيون (أمي) وشالها
وأجمل وصايا جدتي وجدي الضرير:
(صلِّ)
وأصلي خلفهم ما قد حفظت من الصلاة



لي ما لكم من مفردات المرحلة
ولي ما لكم من أغنيات.
عضوا الألم لا تذبلوا نحتاجكم زهر(ن) ودم.



شفت ما شفت وسألت

كم وكم يا صاحبي يمكن ويمكن كم وكم نقدر نفسّر
للخليج البحر وللبحر الخليج؟
قال لي تقدر ولكن
كم وكم يمكن ويمكن كم وكم تقدر تدافع عن خطايا الملح في جرح السحاب؟
قلت عمر من الضباب.
قال لي تقدر تفسر حكمة الزهر وحنينك للسراب؟
قلت يمكن. لو قدرت أحمل حضوري للغياب



قال لي: وشبه الجزيرة؟!!
قلت تشربها الرمال
شعب يمشي في القصيدة من شروق الغرب سال
طال هذا الليل طال
كم وكم يمكن ويمكن كم وكم يمكن نحب؟
ويلتفت محمود . أحمد
الشوارع ما تؤدي لأي شارع
ما تكمل أي درب.
وأنت واضح مثل حلمك
مثل نزفك.. مثل حبك للحياة.
وينطفي ويذوب حلم
وأنتِ لا هزك حنين ولا نبت فـ يديك فجر
كلما لحت الصدى رد الصدى صوتي وطاح



عصفور في حبل الغسيل فـ شرفتك
افتحي الشباك خايف
نسر في عيوني يحوم
والغربة نسر
الغربة أسر
الغربة منفى الغربة حرب
والغربة صوت بلا صدى



عدّي الحواجز والمخافر والكلاب
عدّي الجنود الواقفين فكل حلم فكل باب
سَمّي المدن بأسمائها
ولا تشربين الفجر كاس من النبيذ وتسكري
الفجر عرّاف السنين
وارمي ظلالي فكل شبر
للعاشقين نجومهم
وللحالمين الريح شعر.

غصن وحمامة ولون ثالث للألم
واضح(ن) هذا العلم
والصمت يولد من منافي الصمت صمت
والأمر شورى بينهم
غامض(ن) هذا العدم
والله يمنحنا الأمل



والدمع سال من النخيل
الدمع مال
بلل ورودك واذبلت في شعرك الغيم الورود
لا تسجدي للطين لا
الظلم ليل الليل ظلم
واضح(ن) هذا الصواب
تعوي الذئاب
ولا صدى إلا صدى صوت الذئاب
نمشي
تدور عيوننا
نركض/ نطيح/ نقوم/ نصعد للألم
نصنع مراكب من خيال
نبني مدينة من أرق
نرسم على الغيمة مطر
نكبر ونسحب للمواني من ضلوع الليل بحر



وللشمس نرمي خلفنا نجمة نعلمها الشروق
لا تقربين الرمل منفى
والجزر تفرش عيونك
للملوك العابرين من الأغاني للنشاز
شديني اصعد من فم التابوت لأسراب الغمام
ثم اعصريني في فمك جمر وعسل
كم قلت لك اني تعبت من التعب
أعدل جبين الصبح يتساقط عرق
ويرجع صدى صوت الذئاب
من وقظ أحلام الورق.



خلفي الظلام
وفي يميني وفي شمالي والأمام
الليل طال الصبح جفّ
والعمر ما بيني وبيني
يركل أقدامي ويسخر
لا تآمن بالصدف
يا شعبي المسكون همّ
الأرض تحتك جرح ينزف
والمسا في يديك دمّ
شعب يرقص في رصيف الانتظار
كل ما مرت قصيدة قال هذا حلم شاعر
ما يهم هذا لماذا
كم وكم يمكن ويمكن فاتنا صوت القطار؟
يفتحون الليل شرفة
يكنسون أحلامهم للأغنياء.. ويحلموا
ولو مال حلم وجفّ حلم
 وذاب نجم وطاح معنى ومدّ هذا الغيم رمشه
فـ وجه شمس الصبح وغابت يحلموا.
ولو خلف جدران المطر أو في المنافي
 والسجون المزبلة لا بدّ ولازم يحلموا.
و التفت للبحر واصرخ
لا صدى للبحر غيري
لا ولا غيري صداي
يا سيد الملح اختلفنا
شرق غرب الجرح نبني للمواعيد الخيام وننتظر
تفرك حنايانا الكلام
قال لي: لا تترك أحلامك وتمضي
خذ معك ما قلت وارحل للبيوت أسرارها
ما تكبر الأحلام فينا بعد ما تولد تموت
والبحر يضحك للغجر
علّم عيونك كيف تصحى لا تعلمها المنام
ولا تسمع أجراس الجنوب
وزحمة فراغك في الشتاء
واقطف دموعك من جفونك لو قدرت وبلّها
وابحر لآخر ما عصرت من الحروف
وقول لي: كم مرة(ن) طحت ووقفت؟

من قبل لاحلم بالصدى يا تاجر الحزن وركضت
وشلتني مني وطرت
ومن ظلالي طحت فيني ولا صرخت ولا انكسرت
شئت ما شئت وقدرت
العمر لي وحدي ولي
أخطاء زهر الياسمين
وصمت (فياض) الملاك اللّي يعلّمني الحنين
وعيون ظلي
وارتعاش الماء فيني لحلم (درويش) السلام
ولك منك فيك الليل لك
ولك ما رسمت من الحصار وما زرعت من الضجر فينا ولك
خوفك عليك من الصعود
وكل هذا النزف لك
ولك منك لي لي منك لك إنا اتفقنا الاختلاف
كم مرة(ن) لازم أفسّر غربتي
قال الغريب لغربته ورتّب ظلاله للرحيل
عالي(ن) هذا النشيد وساخر(ن) حتى الحذر
ومن خليج النفط حتى أول النفط الخليج أو آخره
أرمي حجر
يرتد لي صمت الحجر
ميلاد والسكة أغاني كلنا نحب الحياة
خمسين عام من الألم
وأمي تخيط أحزانها دمع وصلاة
سبعين عام من السهر
ووالدي يعصر نجوم الليل صبر
ولا نبت في وجهه المتعب سوى نظارته
وزحمة تجاعيد فـ جبينه ما تشدّ الانتباه
واحنا نربّي الصمت يمكن تنولد من زحمة الأحلام كلمة
أو يسيل الصبح من جرح الصدى
شمس وشوارع لاختبار الإتجاه.


واسع(ن) حلم القصيدة وأخضر(ن) مثل الغمام
عاشق يفتش في جيوب الليل عن مقهى وناي
فلاح يحلم بالشروق
صياد يبحر للدفى ويرجع حزين
شاعر يموت ولا يكفن بالعلم
كان يحلم بالزوايا
كان يغريه السؤال
يا سيدي
لو كنت مثلي تشرب الزهر وتعتّق خمرها للعاشقين بلا ثمن
شاعر تحب وتستحي من ظل ظلك لا يغار
لو كنت ربيت الأمل طفل وكبر بين المسدس والحصار
كنت انتفضت فوجه جلادك وقلت:
كلنا نحبّ الحياة
ولو كنت أنا أنت الملك يا سيدي ما كنت صدّقت الرّعاة



هذا حنيني
طفل يركض في الصدى عشرين عام من الخراب
هذا نشيدي
حافي(ن) يمشي ويمشي حامل(ن) سفر الخطايا
واستعارات الذنوب
يحملني مني لو مشيت فـ غيمة(ن) مابللت صوتي مطر
يختار لي موتي ويمضي واضح(ن) مثل الغياب
هذا هنا المعنى تدلى من أصابع غيمة(ن) نامت تغطيها النجوم
هذي خيام النفط يجلدها التعب شقّق ضفايرها التراب
هذا صراخ أجدادنا يلهث على الجدران عذبنا الصراخ
هذا أنا والشعر نصعد في مهب أحلامنا خلف السنين
والصمت حارس لا يمل ولا ينام ولا يموت والصمت أرض الميتين
نسحب عيون الشمس يمكن
يقدر المنفى يفسر لغز صمت الأنبياء
يمكن نشوف الشمس في برج الأسد
تفتح لنا باب النهار. يمكن
ويمكن نشربك يا بلادنا كأس ونغني للنبيذ
[صَبّ العنب من شفتك
أحمر وبللنا وسال
والعطر نام فـ وجنتك
من وين ما ملتين مال]
 يمكن
ويمكن تكسري كل المرايا
ونتبعثر منك فيك ونحلمك
أو نسألك
من خاط لك هذا السواد وبالمآذن قيّدك؟
من ضيّعك يا بلادنا ويـ بلادنا من ضاع بك؟
ردي الصدى
 قولي لهذا البحر لا
وامشي معي.
   
 لا شاعر(ن) إلاي تمشي في قصايده النجوم


أشتاق موتي كلما شفت الحقيقة في عيوني عشب يرعاه العدم
من أولي حتى نهايات الفصول
ما كنت إلا ما كتبت
كلما اشتهيت الفجر غرفة قلت أحبك يا (سما)
من ألف باء الحبر حتى
زرقة عيون البنفسج في دمي قبل الوداع

امضي وكن الشعر ليل أو كن كل الليل شعر
أشعل يديني شمعتين ولا يصدقني سواي
أشرب عيونك وارتوي
وارسم على رمش القصيدة ما حلمت من الكلام
مقهى يدوزن صورتي
ويمطر على المقهى ضباب
من كان من؟
أو من يكون المستحيل؟
كل الوجوه تكسرت
وحدي على المسرح وقفت
حي(ن) أشيعني قتيل
والجسر يبدأ بالنشيد وينتهي بصوت الأذان
والدمع يتناسل إذا
مس الوتر جفن الكمان
والفجر غصن(ن) يابس(ن) في صمتنا
والليل أورق ثم لان
تركض ظلالي وانتبه أركض أخاف من الظلال
لا أرض تحمل جثتي
أنزف ويحملني السؤال
من كان من؟ أو من يكون؟
أو كيف يمكن لو إذا؟ ماذا لماذا؟ هل فهمت؟؟؟
ولا يجاوبني سواي
أربع جهات الليل حلم
وأربع جهات الحلم ليل
وعيوننا تنبت على ضلوع الفقر
والفقر يعني المنحدر
 يعني الضياع المختصر
يعني اتساع الحزن فـ عيون الصدى
يعني الضجر
يعني أداة الاحتمال
ممكن ولكن لو إذا ماذا لماذا هل فهمت؟
ولا يجاوبني سواي
الفقر جلاد الشرف أعظم رموز الاحتلال
والنفط يسقي زهر بستان الوزير
وينبت من النفط الذهب
والنفط يصنع معجزات
يبني شعوب
يرسم خرائط للدول
واحنا أبناء الخليج
تمتصنا عروق الصحاري لاجئين بلا سكن
نحفر ظلام أحلامنا للداخلين الخارجين من القصيدة للندى
والنسر في عرش الملك يحمي السماء من الصعود
والأرض أولها الصدى
وآخر الأرض الجنود
والحب شاعر ما وصف
غير الدموع اللي سكنت جفن التراب
واحنا ثملنا من الصبر
نمشي حفايا للوجع مثل الذنوب
أضيق منافينا الحياة
والحلم يذبل/ أو ينام من التعب
أو يحترق شمع ويذوب
أو ينسى مثلي
أو يحب
يفتزّني لو سال مني لي علي
وقال لي:
لو كنت حلمي كنت كذّبت المغني
وقلت: لا.
في ظل سور المدرسة قبل النشيد
قبل احتضار أطفالنا تحت العلم
بين المسدس والولاء
لو كنت حلمي كنت كسّرت المرايا ألف نجمة
وكنت ظلي في الندى
أو كنت شاعر/ أو فراشة/ أو عطر/ أولا أنا/
 أو أي شي إلا الهباء
لو كنت حلمي كنت قلت لحارس الأحزان فينا:
لا تصدق ما كذبت.
أو قلت له: يا سيدي
لوكنت واحد مننا كانت قصايدنا أقلّ
أو كانت أحلامك أقلّ.

أو كنت حاولت وكتبت
ولونت جدران المدينة بالأمل
لو كنت واحد مننا كنا ملينا وحدتك
كنت استرحت فـ بيت واحد مننا
كلت وشربت ونمت ساعة
وفقت من حلم وضحكت
أو كنت في حزب العمل.. حزب الجياع الطيبين
الطائعين الرافضين
والمخلصين بلا ثمن
النازفين أحلامهم شمس وعرق
عمال تجار البنوك.
والرأسمالية عفن.
 لو كنت واحد مننا كنت انتبهت لصرخة الشعب السؤال: كم مرةً لازم يفتش عننا في عتمة العرش الوطن؟


 نمنا عرايا وانتفضنا وقلنا برد
لحفتنا بغيم الشتاء
لين الشتا فـ أجسادنا مـ البرد جفّ
قلنا تعبنا من الرصيف
قلت افتحوا للصبر نزف
قلنا ثملنا من الصبر
قلت اعزفوا يتناسل الليل ونعيش
هذا البلد طير(ن) كبر من دون ريش
لا تزرعوا أحلامكم
صبّوا قصايدكم غناء.
أصواتكم أخطاؤكم
والبحر بحر/ الماء ماء.

وبلادنا لبلادنا أو للورق
أو للكلاب الأغنياء.
للي بنوا مليون فندق من عرق
أو للصنم شيخ القبيلة ((المحترم))
أو للهباء.
للبحر يمكن/ للألم
أو للضباع اللي سكنت ظِّل العلم
أو للنشيد المستحيل.

والحلم باب المفردات/
شهوة وتر يشرب تفاصيل الكمان
والحلم تفسير العدم للحاملين الشعر في أكتافهم تابوت جمر
لثائرين/ الثابتين/ الصادقين/ الحالمين الأصدقاء
والحلم روح الظِّلّ/ ظلّ الروح/ حارس الصبح الأمين/ عُرف ديك الفجر/ سلّم للدعاء
والحلم كأس من العنب سُكّر تكسر في فمي
لك لا ولاء

والحلم يولد/ ينتفض/ يوقف/ يفتح/ ينتبه/ يضحك/ يطير 
والحلم أول ما قرينا من لغة
والحلم منفذنا الأخير.

25 سبتمبر 2010

عن الثورة والوطن وأوهام أخرى


محمد السناني

       في قاعة الشرقيات بالجامعة الأمريكية بالقاهرة كان لنا موعدٌ مع الوطن، الوطن الذي كان على مرمى رصاصةٍ من الوجود، والذي تبخَّرَ حلمُهُ كما تبخرتْ أحلامٌ وأوطانٌ كثيرةٌ. كنتُ رفقةَ صديقين صعلوكين أحدهما عجوزٌ بفعل الخمرة والنساء والسفر الطويل، والآخر شابٌ جامحٌ يدير ظهره للنساء والمدن، مكتفياً بحقيبة ظهرٍ وحذاء مهترئ، قاطعاً المسافات بروحٍ تتشرَّبُ الموسيقى والعالم. استوينا على مقاعدنا، محاطين بوجوهٍ أكاديميةٍ لا تعرف من الإيحاء سوى الصقيع واللامبالاة الأوروبية تجاه ما نحمله من غبارٍ زمني وخناجرَ لامرئية. المخرجة اللبنانية تتداخل اللغتان الإنجليزية والفرنسية مع لغة أخرى نعرفها، في حديثها المتقطع والعابر مع الحاضرين الذين يتناولون الغداء قبل عرض الفيلم الذي يحكي عن ثورةٍ غابرةٍ في أرضٍ غابرةٍ لأناسٍ لم يبق منهم سوى العظام والنميمة السياسية.

       حالما يبدأ العرض مع صوت مغني الثورة تبدأ المخرجةُ الترجمةَ الفوريةَ للحاضرين الجاهلين بكل ما خلف الشاشة من تراجيديا عمانية لم يمنحْها الزمنُ فرصتها في التداول. نحن، الصعاليك الثلاثة، في أشد حالاتنا الحسية إنصاتاً وتيقظاً، نفهمُ ما لن يفهمه الآخرون. ونبتسم ونبكي أرواحاً هائمةً على مكاننا المنزوي والقابع في الخارطة بين لونين، أزرق يمتدُّ شرقاً نحو الشرق البعيد، وأصفر يمتدُّ إلى ما وراء الربع الخالي من خواء. وحده اللون الأحمر هو جديد هذا المشهد الجغرافي المتكرر. الجنوب الأحمر. آهٍ على الجنوب. ألم يقل محمد علي شمس الدين: كلُّ الجهاتِ الجنوبُ.
******
       يجلس الزمنُ، حذائي، محدودباً ضعيفَ السمع والبصر. يسألني إعادة جملةٍ فاتته عمّا كانت الأيام عليه، أيامُ شبابه الأحمر, حيث الكتف الأنثوي المحزوز من أثر البندقية، والعَرَق الإيروسي الناشف على البزة العسكرية، والنهدان اللذان ما زالا مكوَّرين ومشدودين في حالة تأهب دائمة، والمضاجعات الليلية العابرة في الجبال الجرداء، هم كلُّ ما تبقى للثوري الحالم، حيث تجتمع الأضدادُ هنا كيوم حسابٍ مرتجلٍ، والزمن يستنكف من نداء أيامه القادمة مع صورة أيامها الماضية كي لا يستقيمَ للتاريخ معنى كان مغيَّباً وأصبح منسيَّاً ومشوَّهاً.
********
       الأحلام تكتب بمداد الغريزة. والعناصر الأربعة تصبح في يد الحالم مادةً أولى لخلق الكون الجديد. والريح التي صادقت أسلافَنا في البحار والصحارى ما زالت طوع بنان الفتى الراغب بتطويق الكرة بذراعيه كحبيبة مفقودة.
*******
       السلطان الجديد يتسلم زمام الزمان والمكان السابحين في هيولى العزلة، مُعزَّزاً بكتائبَ من المرتزقة المسلوخة جلودهم في كوابيسَ أبديةٍ تنتابهم. الجثث المكدَّسة كالأسلحة المصادرة لا تتسع لها الأجداث المرتجلة. من ضد من في هذه الحرب الموسومة بأثر الهباء. وحده النفط سيد اللحظة، يعتلي عرشَ الرمال بُسلَّمٍ من ظهور عبيده المنحنية، أبداً، لسيدٍ من غبارٍ وورق.
********
       الثوّارُ المتحولون هياكلَ ونجوماً تحت سماءٍ تشققت من جفاف الصلوات ومَحْل الرجاء ينهضون فجراً في حلم الشاعر الراغب بكتابة رواية تستضيف اللامعقول. أياديهم ما زالت تفتح أو تسدُّ طريقاً خلّفه الغزاةُ. وصرخاتهم تملأ الوهاد كطيورٍ لامرئيةٍ تحوّم حول جثة الوقت المطعون بحربة النفاد.
*********
       الأطفال الأربعمئة في مدرسة لينين وحده الله يعلم أيَّ رياحٍ مباركةٍ ملعونةٍ حملتهم لجهات النسيان، حيث لم يبق منهم سوى نشاطهم المتخيل وحديثهم اليومي عن أمور المدرسة والمعسكر. ترى هل كان الواحد منهم يرى، برؤية الطفل الثاقبة، مصائر طائراتنا الورقية وهي ترفرف عالياً في سمائنا المفتوحة على الملائكة والأعداء؟؟
********
       مرةً أخرى تُحكى الحكاية، وأنت كعصفورٍ في قفص الفضاء الأزلي، يخرج صوتك، مُشقَّقاً خشناً كأيدي بحارة غرباء. وفيما الكهنة يمسحون جثمان الفرعون المسجى بمواد غامضة في الحجرة الملكية، استعداداً لبلوغ أبديةٍ متخيلة، تُفرغُ، أنتَ، ما في جوفك من أحلام وبراءة، اشمئزازاً من الخلود المتفسخ.
                                                            
2/8/2010م
    مسقط

20 سبتمبر 2010

يُفتتح خلال أيام ويُعتبَر حلًّا سحريًّا لمشكلة ازدحام المرور.. طريق مسقط السريع.. البطيء!


يأتي افتتاح طريق مسقط السريع في إطار افتتاح شبكة طرق أخرى تغطي جميع ربوع البلاد، وذلك بعد حفلات الرزف والرقص وإلقاء الأناشيد والأشعار ومخاطبة الولاة وولاة الأمر والنهي عن المنكر منذ سنوات طويلة حافلة بالازدحام المروري وحوادث السيارات والدراجات والسياكل والمشاة والغرق في الوديان أوقات السيول، ويأتي افتتاح طريق مسقط السريع خصوصًا بعد أن تكرر غرق المدينة بعد كل زخة مطر تستغرق نصف ساعة، حيث توقف الموظفون عن الذهاب إلى أعمالهم، وخسرت البلاد أكثر من 5 ملايين اختراع في النصف الأول من العام الماضي. وقال مصدر مسؤول في وزارة الأكاذيب والحقائق العامة إنه ابتداءً من السبت بعد بعد بعد بعد بعد بعد المقبل لن يضطر أي موظف إلى الخروج من بيته في السادسة صباحًا ليقطع مسافة لا تزيد على عشرين كيلو مترًا في وقت يبدأ فيه دوامه الساعة السابعة. وأضاف مصدر الأكاذيب إن افتتاح هذا الطريق يأتي بعد دراسات جدوى معمقة كلها درست احتياجات المدينة لحل سحري ينقذها من الازدحام المروري المتزايد ليس في مناطق المجمعات التجارية فحسب بل وحتى في السيوح والوديان، معترفًا بأن مسقط مدينة مبنية بالخطأ وسط مصبات وديان كادت تهلك الحرث والنسل في حوادث عديدة سابقة. 
ويستطرد مصدر الأكاذيب قائلًا: أكبر باعث على افتتاح طريق مسقط السريع -ويضحك: ههههه، يسميه بعض الظرفاء الطريق السلحفائي- أكبر باعس كان إصابة الناس من مواتنين ومكيمين بالنرفزة والانهيار العصبي منذ الصباح الباكر، وهو أمر يستلزم أخذ الموضوع بجدية وحذر، كي تبقى وتيرة الاختراعات على أشدها خلال ما تبقى من أيام حتى نهاية السنة الجارية.
وصرح مصدر غير مسؤول نهائيًّا رفض الكشف عن اسمه بأن البلدية هدمت سبع عشرة عمارة سكنية بعد أن خالف أصحابها التعليمات بعدم بنائهم مواقف كافية لسكانها. وقال المسؤول غير المسؤول بالمرة: في الغبرة وحدها هدمت خمس بنايات اثنتان منها نقصت مواقفهما بمعدل ثلاثة مواقف لثلاث شقق، الأمر الذي يعني تشويه منظر المدينة وخرق القوانين المعمول بها في البلاد.
وقال وزير سيموت متعفنًا على كرسي وزارته: إن مجلس الوزراء يقدر قيمة الوقت، لذلك قرر تعويض جميع أصحاب السيارات في العاصمة آلاف آلاف آلاف آلاف الريالات جرَّاء تسببه في ضياع أغلى ما يملكه الإنسان، ألا وهو الوقت. الوقت أثمن من أن تضيعه الحكومة في زحمة الشوارع اليومية التي كانت مشكلة مزمنة بلا أي أفق للحل -والكلام للوزير الذي سيدفن كرسيه معه حين يموت لأن خلعه عن مؤخرته سيكون من سابع المستحيلات- مختتمًا حديثه بأن الدولة تثمينًا للوقت والناس الذين هم أعمارهم في النهاية وقت يجب أن يدخر، تثمينًا للوقت وللناس قررت الدولة اعتبار العام القادم عامًا للوقت بحول الله بعد أن تم حل مشكلة الشوارع. تأتي هذه التصريحات بمناسبة افتتاح أكبر شارع  وأعرض شارع وأطول شارع وأسمن شارع في الكرة الأرضية: شارع مسقط السريـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــع!.

09 سبتمبر 2010

أسئلة عُمانية أزليَّة


عزيزي معاوية
   سلمت يدك. شكرًا جزيلاً لك على إثارة المسكوت عنه وتحليله وطرح السؤال تلو السؤال لنبش قبور الخوف والصمت وعدم الفهم. انظر حولك وسترى الصمت الرهيب للأكثرية الضئيلة جدًّا التي تجيد الحديث في كل قضايا الكون -خاصة حين يتعلق الأمر بفلسطين وفيروز- وتهرب من وجه قضيتها إلى مائدة النعمان بن ماء السماء وسيرك النهضة وكأس الحداثة المملوءة بزخارف اللغة ونقوشها والطاولات المستديرة والمستطيلة  والمربعة المؤطرة بالتنظير وأسماء الثوريين.
   هذا الكوكتيل كله أحد أسباب أسئلتك يا معاوية، أسئلتك التي ستجيب عنها الأشباح عندما يلتم شمل اللصوص ورؤساء مجالس الشركات والمناقصات. منذ متى اعتاد العُمانيون أن تقدم الحكومة أو الدولة أو السلطة أو المهزلة (ما اسمها بالضبط؟) إجابات عن أسئلة الشعب؟. هذا السؤال القديم المتجدد المعروف الإجابة في السر وغير المجاب عنه في العلن وفي الضراء والسراء وأروقة اللصوص والنَّهَّابين وذوي المسميات، هذا السؤال -يا عزيزي معاوية- مَنْ تنتظر أن يجيب عنه إذا كانت الدولة برمتها بعد أربعين عامًا تنشئ بواليع لمخلفات بطون البلاد والعباد؟. 
    بعد أربعين عامًا! تخيَّل!. 
    بعد أربعين عامًا (فقط!) انتبهوا إلى أهمية هذا الأمر وحساسيته!.
   قف بسيارتك أمام إشارة المرور القريبة من وزارة الإسكان (حيث طالما فرشت خريطة الوطن كما على طاولات المُستعمِرين وقطعت أوصال مساحات شاسعة ووزعت على اللصوص)، إشارة المرور نفسها القريبة من مجلس الدولة، وافتح نافذة سيارتك، ولعلك لن تحتاج إلى فتح نافذة سيارتك، فسرعان ما ستنتشر رائحة الخراء من كل حدب وصوب وتتبين الحقيقة أوضح من كل المشاريع والخطط الخمسية والعشرية، وأعلى من البناية التي هدمت والبنايات الأطول والأعرض التي لن تهدم. هذا ناهيك عن أن المشروع قد ينفجر قبل اكتماله!؛ يا إلهي، هذا أمر صعبٌ تخيُّله، فحينئذ لن يحتاج الأمر إلى إشارة مرور!. والعهدة على الرواة؛ والرواة مجهولون لكن يمكنك أن تصادف ألفًا منهم كل يوم في الوزارات والشوارع وقرب الأنابيب والحفر والطرق المقطوعة. هذا وفي النشرة أنباء أخرى وإشاعات، وإن غدًا لناظره قريب!.
    فليتبارك اللصوص في غيِّهم؛ سيسرقون حتى ينفجروا من تخمة ما سرقوا والإجابة لن تأتي من أي جهة لها علاقة بالحامي الحرامي، وبين فينة وأخرى، من أجل الاستهلاك الإعلامي الشعبي وحشو أفواه السائلين بكعك السياسة المُخدِّر، سيُقدَّم إلى مذبح التقاعد وزيرٌ أو وكيلٌ انتهت صلاحيته ضحيَّةً من أجل أن يعتبر من كان في حلف اللصوص الأضعف ليخضع نهائيًّا للصوص الأقوى.
   اللهم فرِّق شملهم كي لا يكملوا تعبيد طريق البلاد نحو الهاوية.

03 سبتمبر 2010

منظمة تمكين تناشد السفير العُماني في صنعاء بخصوص قضية الطفلة إيدا

25 أغسطس 2010
إلى: سفارة سلطنة عمان – صنعاء
      سعادة السفير                                   المحترم

تحية طيبة، وكل عام وأنتم بخير،
الموضوع/ مناشدة حول حقوق الطفلة العمانية "إيدا"
تهديكم منظمة تمكين أطيب الأمنيات...
     وبالإشارة إلى الموضوع أعلاه، نود أن نعرب لكم عن تضامننا مع قضية الطفلة "إيدا عبدالله خميس البلوشي" في حقها بالاسم الذي اختاره لها والداها وكافة حقوقها كطفلة.
     حيث قامت السلطات العمانية ممثلة بشرطة عمان وإدارة الأحوال المدنية ولجنتها بحرمان الطفلة "إيدا" من حقها في الحصول على شهادة ميلاد مما حرمها من حقوقها الأساسية الأخرى وأهمها ما تعاني منه حاليا من تعسف في إيقاف تقديم الخدمات الصحية أهمها التطعيم بموجب إخطار المستشفى لوالديها بتاريخ 19 يونيو 2010.
     إن ما يجري مع الطفلة "إيدا" يعتبر تدخلا تعسفيا في حق الخصوصية للأسرة والحق في اختيار الاسم وما يترتب على هذا الانتهاك من انتهاكات متتالية، وهو ما يمثل انتهاكا لحقوق الإنسان/ حقوق الطفل، ويخالف القواعد والمبادئ الإنسانية.
     ويبدو أن هناك العديد من الحالات المشابهة التي يعاني منها الناس في سلطنة عمان بحجج ليس لها أساس حقوقي ولا قانوني، حسب قول الشرطة العمانية فإن الأسماء المرفوضة ليست موجودة في قاعدة بيانات الشرطة، وحسب قول لجنة الأحوال المدنية أنها الأسماء ينبغي أن تكون من بين الأسماء المذكورة في المعاجم العربية، وتتمسك السلطات العمانية بهذه الحجج بالرغم من وجود أسماء غير موجودة في المعاجم أو أسماء أجنبية، كما يتم إدخال أسماء أخرى هي جديدة إلى قاعدة بيانات الشرطة.. أي أن هذه الإجراءات تمثل تمييزا بين المواطنين، وفي نفس الوقت تجاوزا للشروط التي وضعتها اللجنة بضرورة أن يكون الاسم المختار موجودا في قاعدة البيانات.
     إن هذه الانتهاكات والحالات تثير قلق الجميع على كافة المستويات، وتضع مهمة الدفاع عن حقوق هذه الحالات في صدارة أولويات منظمات المجتمع المدني ووسائل الإعلام المحلية والدولية من ناحية، وتضع السلطات العمانية تحت طائلة المساءلة أمام الهيئات الدولية المعنية والمجتمع الدولي وخاصة فيما يتعلق بحقوق الطفل.
      إننا نناشدكم سرعة التدخل لوقف هذه الممارسات والتحرك بصورة عاجلة في قضية الطفلة "إيدا" ومنحها وثيقة الميلاد الرسمية بناء على حق والديها في اختيار هذا الاسم لها، وحتى تتمكن من ممارسة جميع حقوقها ولا تكون السلطات العمانية هي من يقيد حقوق الإنسان ويمارس الانتهاكات ضد مواطنيها.
تفضلوا بقبول خالص التقدير،،،
                                                   مراد الغارتي
                                                   المدير التنفيذي

02 سبتمبر 2010

2 سبتمبر اليوم العربي للتسامح

2/9/2010
اليوم العربي للتسامح
بيان صحفي


يصادف اليوم الثاني من أيلول/ سبتمبر اليوم العربي للتسامح، الذي كانت قد أعلنته الشبكة العربية للتسامح كيوم لتعزيز ثقافة التسامح، وترسيخ مبادئ الديمقراطية، وبخاصة حرية الرأي والتعبير والاعتقاد، والوقوف في وجه ثقافة التعصب وإقصاء الآخر التي أصبحت سائدة في معظم بلدان العالم العربي.

يأتي هذا اليوم في ظل أوضاع عربية غاية في الصعوبة والتعقيد من احتلالات خارجية، وصراعات داخلية تأخذ أشكالا ومسميات عديدة لكنها في المحصلة تدفع باتجاه إلغاء الحق في تقرير المصير، وتطييف المنطقة العربية وتفتيتها إلى دويلات قائمة على أساس طائفي أو عرقي، مما يشكل تهديدا جديا ليس فقط لقيم التسامح وثقافة قبول الآخر بل أيضا لوحدة النسيج الاجتماعي للشعوب العربية بعضها مع بعض، بل وحتى لمواطني الدولة الواحدة.

إن الشبكة العربية للتسامح وهي تسعى لأن يتم اعتماد تاريخ الثاني من أيلول/ سبتمبر من كل عام كيوم عربي للتسامح من قبل الجامعة العربية، فإنها تدعو لأن يخصص هذا التاريخ من قبل مؤسسات المجتمع المدني لفعاليات تؤكد على ضرورة مناهضة جميع أشكال ومظاهر العنف والتعصب داخل المجتمعات العربية، وإشاعة ثقافة السلم المجتمعي والتسامح والحوار والتقاليد الديمقراطية الحقيقية، والتأكيد على مبدأ الحق في الاختلاف، وتوسيع هوامش الحريات العامة وفي مقدمتها حرية الرأي والتعبير والاعتقاد.

إن الشبكة العربية للتسامح تؤمن بأن التغيير باتجاه مجتمع عربي حر ومتطور ومتجانس ومتآلف وعصري يحترم الحرية والتعددية وحقوق الأفراد هو هدف نبيل يمكن تحقيقه بالعمل الجاد والمتواصل لكافة القوى المؤمنة بالتحرر والديمقراطية والعدالة الاجتماعية في البلدان العربية.

حول التسامح بمناسبة اليوم العربي للتسامح


التسامح:
إن التسامح في الإطار الإنساني موجود في غريزة وكينونة النفس البشرية لكن تتلاشى وتتفكك قيمه الإنسانية بسبب المؤثرات والتغيرات والاحتياجات التي تجعل الإنسان يتناسى التسامح وأهميته، وهو ما يجعل العنف واللاتسامح هو سبيل وخيار المكونات الإنسانية والمؤسسية، الأمر الذي يضعنا أمام تحدي حقيقي يتمثل في إعادة النظر في علاقتنا بالآخر المختلف, يتبناه طرف جديد محايد يمتلك المصداقية والثقة. 

فالتسامح لا يعني التنازل عن الحقوق ولا يعني الموافقة على الانتهاكات، بل إن التسامح كقيمة أساسية يشكل قاسما مشتركا في منظومة قيم الديمقراطية والعدل الاجتماعي والسلم الأهلي وحقوق الإنسان، الأمر الذي يجعله في قمة الأولويات التي ينبغي ممارستها كسلوك - وليس كخيار- ومنبعا للتفكير، كون الثقافة القائمة في المجتمع العربي وخصوصا المجتمع اليمني عقائدية وتقليدية حيث تلعب هذه الثقافة دورا حيويا في حياة الأفراد وتؤثر في كثير من التطورات السياسية والاجتماعية.
إن استمرار التعددية الدينية والعرقية والثقافية... في المجتمع تحتاج إلى إرادة جماعية للتعايش السلمي والقبول بالآخر كما هو - رغم الاختلاف، والعمل بقيم التسامح في المجال السياسي والديني والاجتماعي والاقتصادي.
إن مظاهر عدم التسامح وأعمال العنف والإرهاب والكراهية والاستبعاد والتهميش والتمييز تقف عائقا أمام التعايش السلمي وتؤثر على مسار البناء الديمقراطي، كما تشكل عقبات أمام التنمية. وبالتالي فإن حالة العنف والانتهاكات والممارسات الإرهابية ستبقى قائمة ما لم نحاول تأصيل قيم التسامح وممارستها بفاعلية  كون التسامح يمثل قيمة أخلاقية وحقوقية ويتأثر ببقية مكونات المنظومة الثقافية والقيمية، ولا بد من الإشارة إلى أن اللاتسامح يمكن أن يكون خفيا وراء الخطاب الظاهري، وبالتالي فإن التسامح واللاتسامح يكون نابعا من داخلنا نحن حيث يعتمد ذلك على ما ترسخ فينا من الثقافة والقيم المجتمعية .
إن الأوضاع الراهنة والأزمات التي تمر بلدان العالم العربي معقدة وسوف تفضي إلى حالة من التفكك وانعدام السلم الاجتماعي، ففي اليمن، استمرار الحرب بين الدولة والحوثيين وحالة الحراك في المناطق الجنوبية وقمعه من قبل الدولة والاحتقان المتزايد في مناطق يمنية أخرى وانتهاك حقوق الغير، تعود لأسباب متنوعة ربما حقوقية أو مطلبية، إلا أنها في الحقيقة نابعة من سبب رئيسي مشترك لكل حالات العنف والاحتقان والتمييز وهو غياب التسامح، لذلك فإن الحاجة إلى تعزيز ثقافة وقيم التسامح أصبح ضروريا في المجتمع ، ترتكز أهم هذه القيم في قبول الآخر  وحرية الرأي والتعبير والاعتقاد، والوقوف في وجه ثقافة التعصب وإقصاء الآخر.
اليوم العربي للتسامح:
إن هذا اليوم 2 سبتمبر من كل عام هو اليوم الذي ينبغي إحيائه والاحتفال به بالتسامح في العالم العربي، وتجسيد كل صور وقيم التسامح فعليا من خلال تجاوز كافة الأزمات في المنطقة العربية سواء الداخلية منها أو الخارجية .
وبالرغم من أن الإعلان بشأن التسامح قد حدد تاريخ الــ 16 من نوفمبر من كل عام كيوم دولي للتسامح ، إلا أن تاريخ 2 سبتمبر هو الذي حددته الشبكة العربية للتسامح كيوم عربي للتسامح، وهي تتطلع لأن تعتمده الجامعة العربية ليكون اليوم العربي للتسامح سعيا نحو هدف نبيل يتمثل في تعزيز ثقافة التسامح وترسيخ مبادئ الديمقراطية. وليكون الاحتفاء بهذا اليوم عربيا يهدف إلى إشراك الجمهور العربي والحكومات العربية ليشكل التزاما أخلاقيا بالتسامح ونشر ثقافته وتجديدها سنويا.
وانطلاقا من مسئولية الشبكة العربية للتسامح ينبغي أن يأخذ المجتمع المدني دوره في خلق مناخ شراكة لدعم الحوار ونبذ العنف الفكري والسياسي والديني والاجتماعي واعتماد مبدأ التسامح بكل قيمه وفي مختلف المستويات، ولكوننا أعضاء في الشبكة ينبغي أن نحتفل بكل الطرق المتاحة بهذه المناسبة حتى تعتمد رسميا في البلدان العربية، لذا فإن نشر مثل هذه الوثائق يعتبر مساهمة في نشر قيم وثقافة التسامح.

الشبكة العربية للتسامح:
الشبكة العربية للتسامح تجمع عربي مستقل يضم عدداً من منظمات حقوق الإنسان والمدافعين عن تلك الحقوق من أكاديميين وكتاب وصحافيين ومفكرين ومحامين، هدفها إعادة الاعتبار لثقافة التسامح والدفاع عن القيم الديمقراطية وترسيخها في الثقافة المجتمعية.
تعتمد المرجعية الفكرية والحقوقية للشبكة العربية للتسامح على الشرعة الدولية لحقوق الإنسان بكامل منظومتها، وفي مقدمتها إعلان مبادئ بشأن التسامح الصادر عن منظمة اليونسكو لعام 1996  ، فضلاً عن الفكر التقدمي الإنساني والحضاري في التراث العربي والعالمي.
ومنذ تأسيس الشبكة منذ عامين يقوم مركز رام الله لدراسات حقوق الإنسان بإدارة الشبكة والقيام بكافة أنشطتها، وتضم الشبكة في عضويتها 35 عضوا من منظمات وأفراد يمثلون معظم بلدان العالم العربي.
وتهدف الشبكة العربية للتسامح إلى :
أولاً: العمل على مناهضة كافة أشكال ومظاهر العنف والتعصب على المستويين الرسمي والشعبي في الأقطار العربية، وإشاعة ثقافة السلم المجتمعي والتسامح والتقاليد الديمقراطية الحقيقية.
ثانياً: التأكيد على أن جوهر التسامح قائم على مبدأ الحق في الاختلاف، والدعوة إلى احترام هذا الحق، وتطبيقه على أرض الواقع، والدفاع عن استمراره والعمل على تغذية ثقافة الاختلاف ودعم جوانبها الإيجابية.
ثالثاً: الدعوة إلى توسيع هوامش الحريات العامة باعتبار أن ذلك عامل أساسي من عوامل تثبيت الحقوق الأساسية التي ترتكز عليها قيمة التسامح، وفي مقدمتها الحق في المعتقد، دينياً كان أو غيره، والحق في حرية الرأي والتعبير عنه، والحق في التنظيم النقابي والتجمع السلمي والتعددية السياسية، لذا لا بد من ترجمة تلك الحقوق على المستويين القانوني والتشريعي، والنضال من أجل تحقيقها على أرض الواقع.
رابعاً: العمل على توجيه الخطاب الديني حتى يكون رفدا أساسيا في تعميم ثقافة التسامح وقيمه، والدعوة لنبذ كافة أشكال التحريض ضد المختلِف، ونبذ التشدد والتطرف العقائدي والمذهبي.


إعلان مبادئ التسامح

إعلان مبادئ بشأن التسامح
اعتمده المؤتمر العام لليونسكو في دورته الثامنة والعشرين، باريس، 16 تشرين الثاني/نوفمبر 1995

إن الدول الأعضاء في منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة المجتمعة في باريس في الدورة الثامنة والعشرين للمؤتمر العام في الفترة من 25 تشرين الأول/ أكتوبر إلي 16 تشرين الثاني/نوفمبر 1995،
الديباجة
إذ تضع في اعتبارها أن ميثاق الأمم المتحدة ينص علي أننا "نحن شعوب الأمم المتحدة، وقد آلينا في أنفسنا أن ننقد الأجيال المقبلة من ويلات الحرب... وأن نؤكد من جديد إيماننا بالحقوق الأساسية للإنسان وبكرامة الفرد وقدره... وفي سبيل هذه الغايات اعتزمنا أن نأخذ أنفسنا بالتسامح وأن نعيش معا في سلام وحسن جوار".
وتذكر بأن الميثاق التأسيسي لليونسكو المعتمد في 16 تشرين الثاني/نوفمبر 1945 ينص في ديباجته علي أن "من المحتم أن يقوم السلم عي أساس من التضامن الفكري والمعنوي بين بني البشر".
كما تذكر بأن الإعلان العالمي لحقوق الإنسان يؤكد أن "لكل شخص الحق في حرية التفكير والضمير والدين" (المادة 18) و "حرية الرأي والتعبير" (المادة 19) و "أن التربية يجب أن تهدف إلي ... تنمية التفاهم والتسامح والصداقة بين جميع الشعوب والجماعات العنصرية أو الدينية" (المادة 26).

وتحيط علما بالوثائق التقنينية الدولية ذات الصلة، بما في ذلك:
- العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية،
- العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية،
- الاتفاقية الدولية للقضاء علي جميع أشكال التمييز العنصري،
- الاتفاقية الخاصة بمنع جريمة إبادة الجنس والمعاقبة عليها،
- اتفاقية حقوق الطفل،
- اتفاقية عام 1951 الخاصة بوضع اللاجئين وبروتوكولها لعام 1967 والوثائق التقنينية الإقليمية المتعلقة بها،
- اتفاقية القضاء علي جميع أشكال التمييز ضد المرأة،
- اتفاقية مناهضة التعذيب وغيره من ضروب المعاملة أو العقوبة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة،
- الإعلان الخاص بالقضاء علي جميع أشكال التعصب والتمييز القائمين علي أساس الدين أو المعتقد،
- الإعلان الخاص بحقوق الأشخاص المنتمين إلي الأقليات الوطنية أو الاثنية والدينية واللغوية،
- إعلان وبرنامج عمل فينا الصادران عن المؤتمر العالمي لحقوق الإنسان،
- إعلان وخطة عمل كوبنهاغن اللذان اعتمدتهما القمة العالمية للتنمية الاجتماعية،
- إعلان اليونسكو بشأن العنصر والتحيز العنصري،
- اتفاقية وتوصية اليونسكو الخاصتان بمناهضة التمييز في مجال التربية،

وتضع في اعتبارها أهداف العقد الثالث لمكافحة العنصرية والتمييز العنصري، والعقد العالمي للتثقيف في مجال حقوق الإنسان، والعقد الدولي للسكان الأصليين في العالم،
وتضع في اعتبارها التوصيات الصادرة عن المؤتمرات الإقليمية التي نظمت في إطار سنة الأمم المتحدة للتسامح وفقا لأحكام القرار 27 م/5.14 الصادر عن المؤتمر العام لليونسكو، واستنتاجات وتوصيات مؤتمرات واجتماعات أخري نظمتها الدول الأعضاء ضمن إطار برنامج سنة الأمم المتحدة للتسامح،
يثير جزعها تزايد مظاهر عدم التسامح، وأعمال العنف، والإرهاب، وكراهية الأجانب، والنزاعات القومية العدوانية، والعنصرية، ومعادة السامية، والاستبعاد والتهميش والتمييز ضد الأقليات الوطنية والاثنية والدينية واللغوية واللاجئين والعمال المهاجرين والمهاجرين والفئات الضعيفة في المجتمعات، وتزايد أعمال العنف والترهيب التي ترتكب ضد أشخاص يمارسون حقهم في حرية الرأي والتعبير، وهي أعمال تهدد كلها عمليات توطيد دعائم السلام والديمقراطية علي الصعيدين الوطني والدولي وتشكل كلها عقبات في طريق التنمية.
وتشدد علي مسؤوليات الدول الأعضاء في تنمية وتشجيع احترام حقوق الإنسان وحرياته الأساسية بين الناس كافة، بدون أي تمييز قائم علي العنصر أو الجنس أو اللغة أو الأصل الوطني أو الدين أو أي تمييز بسبب عجز أو عوق، وفي مكافحة اللاتسامح.
تعتمد وتصدر رسميا ما يلي:

إعلان مبادئ بشأن التسامح
إننا إذ نعقد العزم علي اتخاذ كل التدابير الإيجابية اللازمة لتعزيز التسامح في مجتمعاتنا لأن التسامح ليس مبدأ يعتز به فحسب ولكنه أيضا ضروري للسلام وللتقدم الاقتصادي والاجتماعي لكل الشعوب، وتحقيقا لهذا الغرض نعلن ما يلي:
المادة 1
معني التسامح
1-1 إن التسامح يعني الاحترام والقبول والتقدير للتنوع الثري لثقافات عالمنا ولأشكال التعبير وللصفات الإنسانية لدينا. ويتعزز هذا التسامح بالمعرفة والانفتاح والاتصال وحرية الفكر والضمير والمعتقد. وأنه الوئام في سياق الاختلاف، وهو ليس واجبا أخلاقيا فحسب، وإنما هو واجب سياسي وقانوني أيضا، والتسامح، هو الفضيلة التي تيسر قيام السلام، يسهم في إحلال ثقافة السلام محل ثقافة الحرب،
1-2 إن التسامح لا يعني المساواة أو التنازل أو التساهل بل التسامح هو قبل كل شئ اتخاذ موقف إيجابي فيه إقرار بحق الآخرين في التمتع بحقوق الإنسان وحرياته الأساسية المعترف بها عالميا. ولا يجوز بأي حال الاحتجاج بالتسامح لتبرير المساس بهذه القيم الأساسية. والتسامح ممارسة ينبغي أن يأخذ بها الأفراد والجماعات والدول.
1-3 إن التسامح مسؤولية تشكل عماد حقوق الإنسان والتعددية (بما في ذلك التعددية الثقافية) والديمقراطية وحكم القانون. وهو ينطوي علي نبذ الدوغماتية والاستبدادية ويثبت المعايير التي تنص عليها الصكوك الدولية الخاصة بحقوق الإنسان.
1-4 ولا تتعارض ممارسة التسامح مع احترام حقوق الإنسان، ولذلك فهي لا تعني تقبل الظلم الاجتماعي أو تخلي المرء عن معتقداته أو التهاون بشأنها. بل تعني أن المرء حر في التمسك بمعتقداته وأنه يقبل أن يتمسك الآخرون بمعتقداتهم. والتسامح يعني الإقرار بأن البشر المختلفين بطبعهم في مظهرهم وأوضاعهم ولغاتهم وسلوكهم وقيمهم، لهم الحق في العيس بسلام وفي أن يطابق مظهرهم مخبرهم، وهي تعني أيضا أن آراء الفرد لا ينبغي أن تفرض علي الغير.
المادة 2
دور الدولة
2-1 إن التسامح علي مستوي الدولة يقتضي ضمان العدل وعدم التحيز في التشريعات وفي إنفاذ القوانين والإجراءات القضائية والإدارية. وهو يقتضي أيضا إتاحة الفرص الاقتصادية والاجتماعية لكل شخص دون أي تمييز. فكل استبعاد أو تهميش إنما يؤدي إلي الإحباط والعدوانية والتعصب.
2-2 وبغية إشاعة المزيد من التسامح في المجتمع، ينبغي للدول أن تصادق علي الاتفاقيات الدولية القائمة بشأن حقوق الإنسان، وأن تصوغ عند الضرورة تشريعات جديدة لضمان المساواة في المعاملة وتكافؤ الفرص لكل فئات المجتمع وأفراده.
2-3 ومن الجوهري لتحقيق الوئام علي المستوي الدولي أن يلقي التعدد الثقافي الذي يميز الأسرة البشرية قبولا واحتراما من جانب الأفراد والجماعات والأمم. فبدون التسامح لا يمكن أن يكون هناك سلام، وبدون السلام لا يمكن أن تكون هناك تنمية أو ديمقراطية.
2-4 وقد يتجسد عدم التسامح في تهميش الفئات المستضعفة، واستبعادها من المشاركة الاجتماعية والسياسية، وممارسة العنف والتمييز ضدها. وكما يؤكد الإعلان بشأن العنصر والتحيز العنصري فإن "لجميع الأفراد والجماعات الحق في أن يكونوا مختلفين بعضهم عن بعض" (المادة 1-2).
المادة 3
الأبعاد الاجتماعية
3-1 إن التسامح أمر جوهري في العالم الحديث أكثر منه في أي وقت مضى، فهذا العصر يتميز بعولمة الاقتصاد وبالسرعة المتزايدة في الحركة والتنقل والاتصال، والتكامل والتكافل، وحركات الهجرة وانتقال السكان علي نطاق واسع، والتوسع الحضري، وتغيير الأنماط الاجتماعية. ولما كان التنوع ماثلا في كل بقعة من بقاع العالم، فإن تصاعد حدة عدم التسامح والنزاع بات خطرا يهدد ضمنا كل منطقة، ولا يقتصر هذا الخطر علي بلد بعينه بل يشمل العالم بأسره.
3-2 والتسامح ضروري بين الأفراد وعلي صعيد الأسرة والمجتمع المحلي، وأن جهود تعزيز التسامح وتكوين المواقف القائمة علي الانفتاح وإصغاء البعض للبعض والتضامن ينبغي أن تبذل في المدارس والجامعات وعن طريق التعليم غير النظامي وفي المنزل وفي مواقع العمل. وبإمكان وسائل الإعلام والاتصال أن تضطلع بدور بناء في تيسير التحاور والنقاش بصورة حرة ومفتوحة، وفي نشر قيم التسامح وإبراز مخاطر اللامبالاة تجاه ظهور الجماعات والأيديولوجيات غير المتسامحة.
3-3 وكما يؤكد إعلان اليونسكو بشأن العنصر والتحيز العنصري، يجب أن تتخذ التدابير الكفيلة بضمان التساوي في الكرامة والحقوق للأفراد والجماعات حيثما اقتضى الأمر ذلك. وينبغي في هذا الصدد إيلاء اهتمام خاص للفئات المستضعفة التي تعاني من الحرمان الاجتماعي أو الاقتصادي، لضمان شمولها بحماية القانون وانتفاعها بالتدابير الاجتماعية السارية ولا سيما فيما يتعلق بالمسكن والعمل والرعاية الصحية، وضمان احترام أصالة ثقافتها وقيمها، ومساعدتها على التقدم والاندماج علي الصعيد الاجتماعي والمهني، ولا سيما من خلال التعليم.
3-4 وينبغي إجراء الدراسات وإقامة الشبكات العلمية الملائمة لتنسيق استجابة المجتمع الدولي لهذا التحدي العالمي، بما في ذلك دراسات العلوم الاجتماعية الرامية إلي تحليل الأسباب الجذرية والإجراءات المضادة الفعلية، والبحوث وأنشطة الرصد التي تجري لمساندة علميات رسم السياسات وصياغة المعايير التي تضطلع بها الدول الأعضاء.
المادة 4
التعليم
4-1 إن التعليم هو أنجع الوسائل لمنع اللاتسامح، وأول خطوة في مجال التسامح، هي تعليم الناس الحقوق والحريات التي يتشاركون فيها وذلك لكي تحترم هذه الحقوق والحريات فضلا عن تعزيز عزمهم علي حماية حقوق وحريات الآخرين.
4-2 وينبغي أن يعتبر التعليم في مجال التسامح ضرورة ملحة، ولذا يلزم التشجيع علي اعتماد أساليب منهجية وعقلانية لتعليم التسامح تتناول أسباب اللاتسامح الثقافية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية والدينية - أي الجذور الرئيسية للعنف والاستبعاد، وينبغي أن تسهم السياسات والبرامج التعليمية في تعزيز التفاهم والتضامن والتسامح بين الأفراد وكذلك بين المجموعات الاثنية والاجتماعية والثقافية والدينية واللغوية وفيما بين الأمم.
4-3 إن التعليم في مجال التسامح يجب أن يستهدف مقاومة تأثير العوامل المؤدية إلي الخوف من الآخرين واستبعادهم، ومساعدة النشء علي تنمية قدراتهم علي استقلال الرأي والتفكير النقدي والتفكير الأخلاقي.
4-4 إننا نتعهد بمساندة وتنفيذ برامج للبحوث الاجتماعية وللتعليم في مجال التسامح وحقوق الإنسان واللاعنف. ويعني ذلك ايلاء عناية خاصة لتحسين إعداد المعلمين، والمناهج الدراسية، ومضامين الكتب المدرسية والدروس وغيرها من المواد التعليمية بما فيها التكنولوجيات التعليمية الجديدة بغية تنشئة مواطنين يقظين مسئولين ومنفتحين علي ثقافات الآخرين، يقدرون الحرية حق قدرها، ويحترمون كرامة الإنسان والفروق بين البشر، وقادرين علي درء النزاعات أو علي حلها بوسائل غير عنيفة.
المادة 5
الالتزام بالعمل
5- إننا نأخذ علي عاتقنا العمل علي تعزيز التسامح واللاعنف عن طريق برامج ومؤسسات تعني بمجالات التربية والعلم والثقافة والاتصال.
المادة 6
اليوم الدولي للتسامح
6-1 وسعيا إلي إشراك الجمهور، والتشديد علي أخطار عدم التسامح، والعمل التزام ونشاط متجددين لصالح تعزيز نشر التسامح والتعليم في مجال التسامح، نعلن رسميا يوم السادس عشر من شهر تشرين الثاني/نوفمبر من كل سنة يوما دوليا للتسامح.
تنفيذ إعلان المبادئ بشأن التسامح
إن المؤتمر العام،
بالنظر إلي أن المسؤوليات التي يلقيها الميثاق التأسيسي لليونسكو علي عاتق المنظمة فيما يتعلق بمجالات التربية والعلم -بما في ذلك العلوم الطبيعية والعلوم الاجتماعية- والثقافة والاتصال، تقتضي منها أن تسترعي انتباه الدول والشعوب إلي المشكلات المتعلقة بجميع جوانب الموضوع الجوهري المتمثل في التسامح واللاتسامح.
وإذ يضع في اعتباره إعلان المبادئ بشأن التسامح، الصادر عن اليونسكو في هذا اليوم السادس عشر من تشرين الثاني/نوفمبر 1995.
1. يحث الدول الأعضاء علي القيام بما يلي:
(أ) الاحتفال باليوم السادس عشر من شهر تشرين الثاني/نوفمبر من كل سنة كيوم دولي للتسامح وذلك عن طريق تنظيم أنشطة وبرامج خاصة لنشر رسالة التسامح بين مواطنيها، بالتعاون مع المؤسسات التربوية والمنظمات الدولية الحكومية وغير الحكومية ووسائل الإعلام في كل منطقة،
(ب) إبلاغ المدير العام أي معلومات قد تود أن تشاطرها مع غيرها، بما في ذلك المعلومات التي تسفر عنها بحوث أو مناقشات عامة عن قضايا التسامح والتعددية الثقافية، من أجل زيادة فهمنا للظواهر المرتبطة بعدم التسامح والأيديولوجيات التي تدعو إلي التعصب مثل العنصرية والفاشية ومعادة السامية، ولأنجع الوسائل لتناول هذه القضايا،
2. يدعو المدير العام إلي القيام بما يلي:
(أ) تأمين نشر نص إعلان المبادئ علي أوسع نطاق ممكن، والقيام لهذا الغرض، بنشره واتخاذ الترتيبات اللازمة لتوزيعه ليس باللغات الرسمية للمؤتمر العام فحسب وإنما بأكبر عدد ممكن من اللغات الأخرى أيضا،
(ب) استحداث آلية ملائمة لتنسيق وتقديم الأنشطة التي يضطلع بها في منظومة الأمم المتحدة وبالتعاون مع المنظمات الشريكة الأخرى تعزيزا للتسامح وللتربية من أجل التسامح.
(ج) إبلاغ إعلان المبادئ إلي الأمين العام للأمم المتحدة ودعوته إلي عرضه علي النحو الملائم علي الدورة الحادية والخمسين للجمعية العامة للأمم المتحدة وفقا لأحكام قرارها 49/213.