08 أكتوبر 2010

نشيد الولاء.. أطول قصيدة شعبية في تاريخ القصيدة الشعبية


أحمد العريمي 
إلى ابنتي فاطمة
كم هو مظلم هذا العالم
فاغرسي في كلِّ شبرٍ قصيدةً
وفي كل ظلٍّ نَفَساً.
حتى يتحررَ الحُلُمُ
وينبتَ وردٌ في سياج المعتقلات.

 

"وأنت تحرر نفسك بالاستعارات
فكر بغيرك
من فقدوا حقهم في الكلام
وأنت تفكر في الآخرين البعيدين
فكر بنفسك
قل ليتني شمعة في الظلام".
 محمود درويش

 

هذا نشيدي في الندى
لا من يرتل ما كتبت
ولا بلاد(ن) تمنح الذكرى بلاد
كلما كبرت فـ ظلي المكسور حاصرني الصدى
أو قال لي:
لا تنتظر موتك هنا
في غربتك موتك تعلم كيف ينسى الانتظار.



والبحر يرميني ويصعد خلف ظهري للعدم
كلما رسمت لخطوتي
ما قد رسمت لغربتي قبل الرجوع
أذّن وصلى في دمي
صمت الشوارع
والبيوت اللي تخاف من الألم


أمشي
وتمشي طفلتي بين القصيدة والخراب
أصرخ
أنادي كل من حولي.. ولكن
كل ما حولي سراب.

سميني الحلم وخذيني
لـ جل ما أصعد منك فيك لأولك قبل الوداع
من حكمة البحر انتبهت إن الندى حلم الغمام
وإن البلد
طفلة تنشّف شعرها بثوب الفجر
لو مسّها الشاعر تنام



وإني كثر ما شفت فيك من التعب
ما عدت أحس برغبتي إلا على رمل الحروف.

كم ألف نجمة في دمي تذبل
ويغرق ألف شارع في فمي وأكتب
والملمني حمام وغيم واطيرني شعر واكتب
ويمنحني الندى فرصة
 واسيل من الزهر واكتب



ويجلدني الخطيب الفذّ
وابعثر لحيته واسأل:
لماذا بعتنا ياعم؟؟
واطير من الحبر واكتب:
  [يا رفيق الليل صحرا حكمة الليل الطويل]

ويصحى قربي
 سيدي الدرويش يصحى
مثل غيمه من هديل



شفت ما شفت وتعبت.
طفل يمشي يسحب الشمس بظِّلاله
وشفت عاشق ما يغني
يحمل البحر فـ خياله
يعصره للغيم ويسأل
وتتدرّج كم مدينة من يديه ومن سؤاله
كيف نغسل عن جفون الورد دمعه
والذهب رمز الولاء؟


كيف نوصف للنشيد الحر أسرار الفراشة
واحنا نرسم في شواطي البحر
منفذ خارطة هذا الهباء؟
ولو قدرنا كيف نقدر ننسى تجار المنافي
ومذبحة شعب القوافي
وكيف ننسى شايب(ن) كسّر جفونه
يقطف من الليل معدن
ألف شكراً للغناء.



كم وكم نحتاج حتى
نسترد أرواحنا يا صاحبي ونقدر نطير؟
قال مدري
..كل شي يصعد يطيح
قلت يعني؟
قال يعني لا تحاول تستريح
قلت وحدي؟
قال وحدك
ما قدر إلاك يوقف في جبين الريح ريح



طير هات الشمس ندفى
طير واصعد لا نطيح.

طرت من منفى لغيمة
وشفت ما شفت ورجعت.
لارتعاشي في جفونك بحر يشرب غيمتين
غيمتين عيونك أنتِ
وثغرك النهر ويدينك شمعتين
شمعتين
 ونحترق شعر ومنافي ونتعمّد زهرتين



زهرتين
 وصمتك الناي وغيابك شارعين
شارعين
 وننتهي فيك البداية
 نبتدي منك النهاية بحر يشرب غيمتين
وكل هذا الشعر لك



وللمدينة
صمتها وشارع تعمّره المقاهي بالدخان
كيف صار الحلم أكبر من جهاتك!!
يوم قلنا لحارسك يا سيدي
من حكمة النفط انتبهنا للنشيد.
وللقبيلة بيت يكفي من دمي حتى دمي للواقفين بلا ظلال
 [هذي القبائل ما تأمن بالسلام
هذي المدن لامنّها جاعت غريبة ما تلتهم غير الحمام]



وللخطيب الفذّ شكراً
لا تحاول تسرق أهداب النبي
جف دمع الدمع جف ولا أمل غير المسدس للخلاص من الظلام
لا (يزيد) الله فينا ولا (الحسين) ولا (علي)
من سورة الإخلاص تولد في دم الشاعر بلد
(قل هو الله أحد)
ومن هنا يبدأ السلام.



وللمحرر انته انته.
والجريدة فصل ثالث من فصول المسرحية
شرع تثبيت النظام.


وللمغني:
 لا تغني

وللمحارب:
موت واقف
ينحني لصمتك بلد



ولشرطة الأمن السؤال
كيف صار العرش أوسع من بلادي؟!!
كيف صار الأمن دولة تستبيح الاحتلال؟!!



وللشهيد اللي تدلى من غصن غيمة ونام:
كم نحبك يا حبيبي
كم وكم للريح نصعد قافية لعرس الحمام



وللجياع اللي يعضون الألم:
لا تذبلوا.. لا تصمتوا.. نحتاجكم زهر(ن).. ودم
نحتاجكم منَ نزفنا حتى نغني للوطن
أول نشيدة للوطن
وتكون فصحى للخلود



نحتاجكم في لا نعم
نحتاجكم في معنى تفسير الولاء
نحتاج أساميكم تعنون كل شارع يلتفت للبحر ويحب الحياة.



لي عندكم صوتي المدوزن بالرصاص
لي فيكم الديك وصلاة الفجر.
ولي قهوة الصبح ومزاريب المطر
وجيران عاشوا طيبين
لي ذكريات المدرسة
ودفتر لرسم عيون (أمي) وشالها
وأجمل وصايا جدتي وجدي الضرير:
(صلِّ)
وأصلي خلفهم ما قد حفظت من الصلاة



لي ما لكم من مفردات المرحلة
ولي ما لكم من أغنيات.
عضوا الألم لا تذبلوا نحتاجكم زهر(ن) ودم.



شفت ما شفت وسألت

كم وكم يا صاحبي يمكن ويمكن كم وكم نقدر نفسّر
للخليج البحر وللبحر الخليج؟
قال لي تقدر ولكن
كم وكم يمكن ويمكن كم وكم تقدر تدافع عن خطايا الملح في جرح السحاب؟
قلت عمر من الضباب.
قال لي تقدر تفسر حكمة الزهر وحنينك للسراب؟
قلت يمكن. لو قدرت أحمل حضوري للغياب



قال لي: وشبه الجزيرة؟!!
قلت تشربها الرمال
شعب يمشي في القصيدة من شروق الغرب سال
طال هذا الليل طال
كم وكم يمكن ويمكن كم وكم يمكن نحب؟
ويلتفت محمود . أحمد
الشوارع ما تؤدي لأي شارع
ما تكمل أي درب.
وأنت واضح مثل حلمك
مثل نزفك.. مثل حبك للحياة.
وينطفي ويذوب حلم
وأنتِ لا هزك حنين ولا نبت فـ يديك فجر
كلما لحت الصدى رد الصدى صوتي وطاح



عصفور في حبل الغسيل فـ شرفتك
افتحي الشباك خايف
نسر في عيوني يحوم
والغربة نسر
الغربة أسر
الغربة منفى الغربة حرب
والغربة صوت بلا صدى



عدّي الحواجز والمخافر والكلاب
عدّي الجنود الواقفين فكل حلم فكل باب
سَمّي المدن بأسمائها
ولا تشربين الفجر كاس من النبيذ وتسكري
الفجر عرّاف السنين
وارمي ظلالي فكل شبر
للعاشقين نجومهم
وللحالمين الريح شعر.

غصن وحمامة ولون ثالث للألم
واضح(ن) هذا العلم
والصمت يولد من منافي الصمت صمت
والأمر شورى بينهم
غامض(ن) هذا العدم
والله يمنحنا الأمل



والدمع سال من النخيل
الدمع مال
بلل ورودك واذبلت في شعرك الغيم الورود
لا تسجدي للطين لا
الظلم ليل الليل ظلم
واضح(ن) هذا الصواب
تعوي الذئاب
ولا صدى إلا صدى صوت الذئاب
نمشي
تدور عيوننا
نركض/ نطيح/ نقوم/ نصعد للألم
نصنع مراكب من خيال
نبني مدينة من أرق
نرسم على الغيمة مطر
نكبر ونسحب للمواني من ضلوع الليل بحر



وللشمس نرمي خلفنا نجمة نعلمها الشروق
لا تقربين الرمل منفى
والجزر تفرش عيونك
للملوك العابرين من الأغاني للنشاز
شديني اصعد من فم التابوت لأسراب الغمام
ثم اعصريني في فمك جمر وعسل
كم قلت لك اني تعبت من التعب
أعدل جبين الصبح يتساقط عرق
ويرجع صدى صوت الذئاب
من وقظ أحلام الورق.



خلفي الظلام
وفي يميني وفي شمالي والأمام
الليل طال الصبح جفّ
والعمر ما بيني وبيني
يركل أقدامي ويسخر
لا تآمن بالصدف
يا شعبي المسكون همّ
الأرض تحتك جرح ينزف
والمسا في يديك دمّ
شعب يرقص في رصيف الانتظار
كل ما مرت قصيدة قال هذا حلم شاعر
ما يهم هذا لماذا
كم وكم يمكن ويمكن فاتنا صوت القطار؟
يفتحون الليل شرفة
يكنسون أحلامهم للأغنياء.. ويحلموا
ولو مال حلم وجفّ حلم
 وذاب نجم وطاح معنى ومدّ هذا الغيم رمشه
فـ وجه شمس الصبح وغابت يحلموا.
ولو خلف جدران المطر أو في المنافي
 والسجون المزبلة لا بدّ ولازم يحلموا.
و التفت للبحر واصرخ
لا صدى للبحر غيري
لا ولا غيري صداي
يا سيد الملح اختلفنا
شرق غرب الجرح نبني للمواعيد الخيام وننتظر
تفرك حنايانا الكلام
قال لي: لا تترك أحلامك وتمضي
خذ معك ما قلت وارحل للبيوت أسرارها
ما تكبر الأحلام فينا بعد ما تولد تموت
والبحر يضحك للغجر
علّم عيونك كيف تصحى لا تعلمها المنام
ولا تسمع أجراس الجنوب
وزحمة فراغك في الشتاء
واقطف دموعك من جفونك لو قدرت وبلّها
وابحر لآخر ما عصرت من الحروف
وقول لي: كم مرة(ن) طحت ووقفت؟

من قبل لاحلم بالصدى يا تاجر الحزن وركضت
وشلتني مني وطرت
ومن ظلالي طحت فيني ولا صرخت ولا انكسرت
شئت ما شئت وقدرت
العمر لي وحدي ولي
أخطاء زهر الياسمين
وصمت (فياض) الملاك اللّي يعلّمني الحنين
وعيون ظلي
وارتعاش الماء فيني لحلم (درويش) السلام
ولك منك فيك الليل لك
ولك ما رسمت من الحصار وما زرعت من الضجر فينا ولك
خوفك عليك من الصعود
وكل هذا النزف لك
ولك منك لي لي منك لك إنا اتفقنا الاختلاف
كم مرة(ن) لازم أفسّر غربتي
قال الغريب لغربته ورتّب ظلاله للرحيل
عالي(ن) هذا النشيد وساخر(ن) حتى الحذر
ومن خليج النفط حتى أول النفط الخليج أو آخره
أرمي حجر
يرتد لي صمت الحجر
ميلاد والسكة أغاني كلنا نحب الحياة
خمسين عام من الألم
وأمي تخيط أحزانها دمع وصلاة
سبعين عام من السهر
ووالدي يعصر نجوم الليل صبر
ولا نبت في وجهه المتعب سوى نظارته
وزحمة تجاعيد فـ جبينه ما تشدّ الانتباه
واحنا نربّي الصمت يمكن تنولد من زحمة الأحلام كلمة
أو يسيل الصبح من جرح الصدى
شمس وشوارع لاختبار الإتجاه.


واسع(ن) حلم القصيدة وأخضر(ن) مثل الغمام
عاشق يفتش في جيوب الليل عن مقهى وناي
فلاح يحلم بالشروق
صياد يبحر للدفى ويرجع حزين
شاعر يموت ولا يكفن بالعلم
كان يحلم بالزوايا
كان يغريه السؤال
يا سيدي
لو كنت مثلي تشرب الزهر وتعتّق خمرها للعاشقين بلا ثمن
شاعر تحب وتستحي من ظل ظلك لا يغار
لو كنت ربيت الأمل طفل وكبر بين المسدس والحصار
كنت انتفضت فوجه جلادك وقلت:
كلنا نحبّ الحياة
ولو كنت أنا أنت الملك يا سيدي ما كنت صدّقت الرّعاة



هذا حنيني
طفل يركض في الصدى عشرين عام من الخراب
هذا نشيدي
حافي(ن) يمشي ويمشي حامل(ن) سفر الخطايا
واستعارات الذنوب
يحملني مني لو مشيت فـ غيمة(ن) مابللت صوتي مطر
يختار لي موتي ويمضي واضح(ن) مثل الغياب
هذا هنا المعنى تدلى من أصابع غيمة(ن) نامت تغطيها النجوم
هذي خيام النفط يجلدها التعب شقّق ضفايرها التراب
هذا صراخ أجدادنا يلهث على الجدران عذبنا الصراخ
هذا أنا والشعر نصعد في مهب أحلامنا خلف السنين
والصمت حارس لا يمل ولا ينام ولا يموت والصمت أرض الميتين
نسحب عيون الشمس يمكن
يقدر المنفى يفسر لغز صمت الأنبياء
يمكن نشوف الشمس في برج الأسد
تفتح لنا باب النهار. يمكن
ويمكن نشربك يا بلادنا كأس ونغني للنبيذ
[صَبّ العنب من شفتك
أحمر وبللنا وسال
والعطر نام فـ وجنتك
من وين ما ملتين مال]
 يمكن
ويمكن تكسري كل المرايا
ونتبعثر منك فيك ونحلمك
أو نسألك
من خاط لك هذا السواد وبالمآذن قيّدك؟
من ضيّعك يا بلادنا ويـ بلادنا من ضاع بك؟
ردي الصدى
 قولي لهذا البحر لا
وامشي معي.
   
 لا شاعر(ن) إلاي تمشي في قصايده النجوم


أشتاق موتي كلما شفت الحقيقة في عيوني عشب يرعاه العدم
من أولي حتى نهايات الفصول
ما كنت إلا ما كتبت
كلما اشتهيت الفجر غرفة قلت أحبك يا (سما)
من ألف باء الحبر حتى
زرقة عيون البنفسج في دمي قبل الوداع

امضي وكن الشعر ليل أو كن كل الليل شعر
أشعل يديني شمعتين ولا يصدقني سواي
أشرب عيونك وارتوي
وارسم على رمش القصيدة ما حلمت من الكلام
مقهى يدوزن صورتي
ويمطر على المقهى ضباب
من كان من؟
أو من يكون المستحيل؟
كل الوجوه تكسرت
وحدي على المسرح وقفت
حي(ن) أشيعني قتيل
والجسر يبدأ بالنشيد وينتهي بصوت الأذان
والدمع يتناسل إذا
مس الوتر جفن الكمان
والفجر غصن(ن) يابس(ن) في صمتنا
والليل أورق ثم لان
تركض ظلالي وانتبه أركض أخاف من الظلال
لا أرض تحمل جثتي
أنزف ويحملني السؤال
من كان من؟ أو من يكون؟
أو كيف يمكن لو إذا؟ ماذا لماذا؟ هل فهمت؟؟؟
ولا يجاوبني سواي
أربع جهات الليل حلم
وأربع جهات الحلم ليل
وعيوننا تنبت على ضلوع الفقر
والفقر يعني المنحدر
 يعني الضياع المختصر
يعني اتساع الحزن فـ عيون الصدى
يعني الضجر
يعني أداة الاحتمال
ممكن ولكن لو إذا ماذا لماذا هل فهمت؟
ولا يجاوبني سواي
الفقر جلاد الشرف أعظم رموز الاحتلال
والنفط يسقي زهر بستان الوزير
وينبت من النفط الذهب
والنفط يصنع معجزات
يبني شعوب
يرسم خرائط للدول
واحنا أبناء الخليج
تمتصنا عروق الصحاري لاجئين بلا سكن
نحفر ظلام أحلامنا للداخلين الخارجين من القصيدة للندى
والنسر في عرش الملك يحمي السماء من الصعود
والأرض أولها الصدى
وآخر الأرض الجنود
والحب شاعر ما وصف
غير الدموع اللي سكنت جفن التراب
واحنا ثملنا من الصبر
نمشي حفايا للوجع مثل الذنوب
أضيق منافينا الحياة
والحلم يذبل/ أو ينام من التعب
أو يحترق شمع ويذوب
أو ينسى مثلي
أو يحب
يفتزّني لو سال مني لي علي
وقال لي:
لو كنت حلمي كنت كذّبت المغني
وقلت: لا.
في ظل سور المدرسة قبل النشيد
قبل احتضار أطفالنا تحت العلم
بين المسدس والولاء
لو كنت حلمي كنت كسّرت المرايا ألف نجمة
وكنت ظلي في الندى
أو كنت شاعر/ أو فراشة/ أو عطر/ أولا أنا/
 أو أي شي إلا الهباء
لو كنت حلمي كنت قلت لحارس الأحزان فينا:
لا تصدق ما كذبت.
أو قلت له: يا سيدي
لوكنت واحد مننا كانت قصايدنا أقلّ
أو كانت أحلامك أقلّ.

أو كنت حاولت وكتبت
ولونت جدران المدينة بالأمل
لو كنت واحد مننا كنا ملينا وحدتك
كنت استرحت فـ بيت واحد مننا
كلت وشربت ونمت ساعة
وفقت من حلم وضحكت
أو كنت في حزب العمل.. حزب الجياع الطيبين
الطائعين الرافضين
والمخلصين بلا ثمن
النازفين أحلامهم شمس وعرق
عمال تجار البنوك.
والرأسمالية عفن.
 لو كنت واحد مننا كنت انتبهت لصرخة الشعب السؤال: كم مرةً لازم يفتش عننا في عتمة العرش الوطن؟


 نمنا عرايا وانتفضنا وقلنا برد
لحفتنا بغيم الشتاء
لين الشتا فـ أجسادنا مـ البرد جفّ
قلنا تعبنا من الرصيف
قلت افتحوا للصبر نزف
قلنا ثملنا من الصبر
قلت اعزفوا يتناسل الليل ونعيش
هذا البلد طير(ن) كبر من دون ريش
لا تزرعوا أحلامكم
صبّوا قصايدكم غناء.
أصواتكم أخطاؤكم
والبحر بحر/ الماء ماء.

وبلادنا لبلادنا أو للورق
أو للكلاب الأغنياء.
للي بنوا مليون فندق من عرق
أو للصنم شيخ القبيلة ((المحترم))
أو للهباء.
للبحر يمكن/ للألم
أو للضباع اللي سكنت ظِّل العلم
أو للنشيد المستحيل.

والحلم باب المفردات/
شهوة وتر يشرب تفاصيل الكمان
والحلم تفسير العدم للحاملين الشعر في أكتافهم تابوت جمر
لثائرين/ الثابتين/ الصادقين/ الحالمين الأصدقاء
والحلم روح الظِّلّ/ ظلّ الروح/ حارس الصبح الأمين/ عُرف ديك الفجر/ سلّم للدعاء
والحلم كأس من العنب سُكّر تكسر في فمي
لك لا ولاء

والحلم يولد/ ينتفض/ يوقف/ يفتح/ ينتبه/ يضحك/ يطير 
والحلم أول ما قرينا من لغة
والحلم منفذنا الأخير.

25 سبتمبر 2010

عن الثورة والوطن وأوهام أخرى


محمد السناني

       في قاعة الشرقيات بالجامعة الأمريكية بالقاهرة كان لنا موعدٌ مع الوطن، الوطن الذي كان على مرمى رصاصةٍ من الوجود، والذي تبخَّرَ حلمُهُ كما تبخرتْ أحلامٌ وأوطانٌ كثيرةٌ. كنتُ رفقةَ صديقين صعلوكين أحدهما عجوزٌ بفعل الخمرة والنساء والسفر الطويل، والآخر شابٌ جامحٌ يدير ظهره للنساء والمدن، مكتفياً بحقيبة ظهرٍ وحذاء مهترئ، قاطعاً المسافات بروحٍ تتشرَّبُ الموسيقى والعالم. استوينا على مقاعدنا، محاطين بوجوهٍ أكاديميةٍ لا تعرف من الإيحاء سوى الصقيع واللامبالاة الأوروبية تجاه ما نحمله من غبارٍ زمني وخناجرَ لامرئية. المخرجة اللبنانية تتداخل اللغتان الإنجليزية والفرنسية مع لغة أخرى نعرفها، في حديثها المتقطع والعابر مع الحاضرين الذين يتناولون الغداء قبل عرض الفيلم الذي يحكي عن ثورةٍ غابرةٍ في أرضٍ غابرةٍ لأناسٍ لم يبق منهم سوى العظام والنميمة السياسية.

       حالما يبدأ العرض مع صوت مغني الثورة تبدأ المخرجةُ الترجمةَ الفوريةَ للحاضرين الجاهلين بكل ما خلف الشاشة من تراجيديا عمانية لم يمنحْها الزمنُ فرصتها في التداول. نحن، الصعاليك الثلاثة، في أشد حالاتنا الحسية إنصاتاً وتيقظاً، نفهمُ ما لن يفهمه الآخرون. ونبتسم ونبكي أرواحاً هائمةً على مكاننا المنزوي والقابع في الخارطة بين لونين، أزرق يمتدُّ شرقاً نحو الشرق البعيد، وأصفر يمتدُّ إلى ما وراء الربع الخالي من خواء. وحده اللون الأحمر هو جديد هذا المشهد الجغرافي المتكرر. الجنوب الأحمر. آهٍ على الجنوب. ألم يقل محمد علي شمس الدين: كلُّ الجهاتِ الجنوبُ.
******
       يجلس الزمنُ، حذائي، محدودباً ضعيفَ السمع والبصر. يسألني إعادة جملةٍ فاتته عمّا كانت الأيام عليه، أيامُ شبابه الأحمر, حيث الكتف الأنثوي المحزوز من أثر البندقية، والعَرَق الإيروسي الناشف على البزة العسكرية، والنهدان اللذان ما زالا مكوَّرين ومشدودين في حالة تأهب دائمة، والمضاجعات الليلية العابرة في الجبال الجرداء، هم كلُّ ما تبقى للثوري الحالم، حيث تجتمع الأضدادُ هنا كيوم حسابٍ مرتجلٍ، والزمن يستنكف من نداء أيامه القادمة مع صورة أيامها الماضية كي لا يستقيمَ للتاريخ معنى كان مغيَّباً وأصبح منسيَّاً ومشوَّهاً.
********
       الأحلام تكتب بمداد الغريزة. والعناصر الأربعة تصبح في يد الحالم مادةً أولى لخلق الكون الجديد. والريح التي صادقت أسلافَنا في البحار والصحارى ما زالت طوع بنان الفتى الراغب بتطويق الكرة بذراعيه كحبيبة مفقودة.
*******
       السلطان الجديد يتسلم زمام الزمان والمكان السابحين في هيولى العزلة، مُعزَّزاً بكتائبَ من المرتزقة المسلوخة جلودهم في كوابيسَ أبديةٍ تنتابهم. الجثث المكدَّسة كالأسلحة المصادرة لا تتسع لها الأجداث المرتجلة. من ضد من في هذه الحرب الموسومة بأثر الهباء. وحده النفط سيد اللحظة، يعتلي عرشَ الرمال بُسلَّمٍ من ظهور عبيده المنحنية، أبداً، لسيدٍ من غبارٍ وورق.
********
       الثوّارُ المتحولون هياكلَ ونجوماً تحت سماءٍ تشققت من جفاف الصلوات ومَحْل الرجاء ينهضون فجراً في حلم الشاعر الراغب بكتابة رواية تستضيف اللامعقول. أياديهم ما زالت تفتح أو تسدُّ طريقاً خلّفه الغزاةُ. وصرخاتهم تملأ الوهاد كطيورٍ لامرئيةٍ تحوّم حول جثة الوقت المطعون بحربة النفاد.
*********
       الأطفال الأربعمئة في مدرسة لينين وحده الله يعلم أيَّ رياحٍ مباركةٍ ملعونةٍ حملتهم لجهات النسيان، حيث لم يبق منهم سوى نشاطهم المتخيل وحديثهم اليومي عن أمور المدرسة والمعسكر. ترى هل كان الواحد منهم يرى، برؤية الطفل الثاقبة، مصائر طائراتنا الورقية وهي ترفرف عالياً في سمائنا المفتوحة على الملائكة والأعداء؟؟
********
       مرةً أخرى تُحكى الحكاية، وأنت كعصفورٍ في قفص الفضاء الأزلي، يخرج صوتك، مُشقَّقاً خشناً كأيدي بحارة غرباء. وفيما الكهنة يمسحون جثمان الفرعون المسجى بمواد غامضة في الحجرة الملكية، استعداداً لبلوغ أبديةٍ متخيلة، تُفرغُ، أنتَ، ما في جوفك من أحلام وبراءة، اشمئزازاً من الخلود المتفسخ.
                                                            
2/8/2010م
    مسقط

20 سبتمبر 2010

يُفتتح خلال أيام ويُعتبَر حلًّا سحريًّا لمشكلة ازدحام المرور.. طريق مسقط السريع.. البطيء!


يأتي افتتاح طريق مسقط السريع في إطار افتتاح شبكة طرق أخرى تغطي جميع ربوع البلاد، وذلك بعد حفلات الرزف والرقص وإلقاء الأناشيد والأشعار ومخاطبة الولاة وولاة الأمر والنهي عن المنكر منذ سنوات طويلة حافلة بالازدحام المروري وحوادث السيارات والدراجات والسياكل والمشاة والغرق في الوديان أوقات السيول، ويأتي افتتاح طريق مسقط السريع خصوصًا بعد أن تكرر غرق المدينة بعد كل زخة مطر تستغرق نصف ساعة، حيث توقف الموظفون عن الذهاب إلى أعمالهم، وخسرت البلاد أكثر من 5 ملايين اختراع في النصف الأول من العام الماضي. وقال مصدر مسؤول في وزارة الأكاذيب والحقائق العامة إنه ابتداءً من السبت بعد بعد بعد بعد بعد بعد المقبل لن يضطر أي موظف إلى الخروج من بيته في السادسة صباحًا ليقطع مسافة لا تزيد على عشرين كيلو مترًا في وقت يبدأ فيه دوامه الساعة السابعة. وأضاف مصدر الأكاذيب إن افتتاح هذا الطريق يأتي بعد دراسات جدوى معمقة كلها درست احتياجات المدينة لحل سحري ينقذها من الازدحام المروري المتزايد ليس في مناطق المجمعات التجارية فحسب بل وحتى في السيوح والوديان، معترفًا بأن مسقط مدينة مبنية بالخطأ وسط مصبات وديان كادت تهلك الحرث والنسل في حوادث عديدة سابقة. 
ويستطرد مصدر الأكاذيب قائلًا: أكبر باعث على افتتاح طريق مسقط السريع -ويضحك: ههههه، يسميه بعض الظرفاء الطريق السلحفائي- أكبر باعس كان إصابة الناس من مواتنين ومكيمين بالنرفزة والانهيار العصبي منذ الصباح الباكر، وهو أمر يستلزم أخذ الموضوع بجدية وحذر، كي تبقى وتيرة الاختراعات على أشدها خلال ما تبقى من أيام حتى نهاية السنة الجارية.
وصرح مصدر غير مسؤول نهائيًّا رفض الكشف عن اسمه بأن البلدية هدمت سبع عشرة عمارة سكنية بعد أن خالف أصحابها التعليمات بعدم بنائهم مواقف كافية لسكانها. وقال المسؤول غير المسؤول بالمرة: في الغبرة وحدها هدمت خمس بنايات اثنتان منها نقصت مواقفهما بمعدل ثلاثة مواقف لثلاث شقق، الأمر الذي يعني تشويه منظر المدينة وخرق القوانين المعمول بها في البلاد.
وقال وزير سيموت متعفنًا على كرسي وزارته: إن مجلس الوزراء يقدر قيمة الوقت، لذلك قرر تعويض جميع أصحاب السيارات في العاصمة آلاف آلاف آلاف آلاف الريالات جرَّاء تسببه في ضياع أغلى ما يملكه الإنسان، ألا وهو الوقت. الوقت أثمن من أن تضيعه الحكومة في زحمة الشوارع اليومية التي كانت مشكلة مزمنة بلا أي أفق للحل -والكلام للوزير الذي سيدفن كرسيه معه حين يموت لأن خلعه عن مؤخرته سيكون من سابع المستحيلات- مختتمًا حديثه بأن الدولة تثمينًا للوقت والناس الذين هم أعمارهم في النهاية وقت يجب أن يدخر، تثمينًا للوقت وللناس قررت الدولة اعتبار العام القادم عامًا للوقت بحول الله بعد أن تم حل مشكلة الشوارع. تأتي هذه التصريحات بمناسبة افتتاح أكبر شارع  وأعرض شارع وأطول شارع وأسمن شارع في الكرة الأرضية: شارع مسقط السريـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــع!.

09 سبتمبر 2010

أسئلة عُمانية أزليَّة


عزيزي معاوية
   سلمت يدك. شكرًا جزيلاً لك على إثارة المسكوت عنه وتحليله وطرح السؤال تلو السؤال لنبش قبور الخوف والصمت وعدم الفهم. انظر حولك وسترى الصمت الرهيب للأكثرية الضئيلة جدًّا التي تجيد الحديث في كل قضايا الكون -خاصة حين يتعلق الأمر بفلسطين وفيروز- وتهرب من وجه قضيتها إلى مائدة النعمان بن ماء السماء وسيرك النهضة وكأس الحداثة المملوءة بزخارف اللغة ونقوشها والطاولات المستديرة والمستطيلة  والمربعة المؤطرة بالتنظير وأسماء الثوريين.
   هذا الكوكتيل كله أحد أسباب أسئلتك يا معاوية، أسئلتك التي ستجيب عنها الأشباح عندما يلتم شمل اللصوص ورؤساء مجالس الشركات والمناقصات. منذ متى اعتاد العُمانيون أن تقدم الحكومة أو الدولة أو السلطة أو المهزلة (ما اسمها بالضبط؟) إجابات عن أسئلة الشعب؟. هذا السؤال القديم المتجدد المعروف الإجابة في السر وغير المجاب عنه في العلن وفي الضراء والسراء وأروقة اللصوص والنَّهَّابين وذوي المسميات، هذا السؤال -يا عزيزي معاوية- مَنْ تنتظر أن يجيب عنه إذا كانت الدولة برمتها بعد أربعين عامًا تنشئ بواليع لمخلفات بطون البلاد والعباد؟. 
    بعد أربعين عامًا! تخيَّل!. 
    بعد أربعين عامًا (فقط!) انتبهوا إلى أهمية هذا الأمر وحساسيته!.
   قف بسيارتك أمام إشارة المرور القريبة من وزارة الإسكان (حيث طالما فرشت خريطة الوطن كما على طاولات المُستعمِرين وقطعت أوصال مساحات شاسعة ووزعت على اللصوص)، إشارة المرور نفسها القريبة من مجلس الدولة، وافتح نافذة سيارتك، ولعلك لن تحتاج إلى فتح نافذة سيارتك، فسرعان ما ستنتشر رائحة الخراء من كل حدب وصوب وتتبين الحقيقة أوضح من كل المشاريع والخطط الخمسية والعشرية، وأعلى من البناية التي هدمت والبنايات الأطول والأعرض التي لن تهدم. هذا ناهيك عن أن المشروع قد ينفجر قبل اكتماله!؛ يا إلهي، هذا أمر صعبٌ تخيُّله، فحينئذ لن يحتاج الأمر إلى إشارة مرور!. والعهدة على الرواة؛ والرواة مجهولون لكن يمكنك أن تصادف ألفًا منهم كل يوم في الوزارات والشوارع وقرب الأنابيب والحفر والطرق المقطوعة. هذا وفي النشرة أنباء أخرى وإشاعات، وإن غدًا لناظره قريب!.
    فليتبارك اللصوص في غيِّهم؛ سيسرقون حتى ينفجروا من تخمة ما سرقوا والإجابة لن تأتي من أي جهة لها علاقة بالحامي الحرامي، وبين فينة وأخرى، من أجل الاستهلاك الإعلامي الشعبي وحشو أفواه السائلين بكعك السياسة المُخدِّر، سيُقدَّم إلى مذبح التقاعد وزيرٌ أو وكيلٌ انتهت صلاحيته ضحيَّةً من أجل أن يعتبر من كان في حلف اللصوص الأضعف ليخضع نهائيًّا للصوص الأقوى.
   اللهم فرِّق شملهم كي لا يكملوا تعبيد طريق البلاد نحو الهاوية.

03 سبتمبر 2010

منظمة تمكين تناشد السفير العُماني في صنعاء بخصوص قضية الطفلة إيدا

25 أغسطس 2010
إلى: سفارة سلطنة عمان – صنعاء
      سعادة السفير                                   المحترم

تحية طيبة، وكل عام وأنتم بخير،
الموضوع/ مناشدة حول حقوق الطفلة العمانية "إيدا"
تهديكم منظمة تمكين أطيب الأمنيات...
     وبالإشارة إلى الموضوع أعلاه، نود أن نعرب لكم عن تضامننا مع قضية الطفلة "إيدا عبدالله خميس البلوشي" في حقها بالاسم الذي اختاره لها والداها وكافة حقوقها كطفلة.
     حيث قامت السلطات العمانية ممثلة بشرطة عمان وإدارة الأحوال المدنية ولجنتها بحرمان الطفلة "إيدا" من حقها في الحصول على شهادة ميلاد مما حرمها من حقوقها الأساسية الأخرى وأهمها ما تعاني منه حاليا من تعسف في إيقاف تقديم الخدمات الصحية أهمها التطعيم بموجب إخطار المستشفى لوالديها بتاريخ 19 يونيو 2010.
     إن ما يجري مع الطفلة "إيدا" يعتبر تدخلا تعسفيا في حق الخصوصية للأسرة والحق في اختيار الاسم وما يترتب على هذا الانتهاك من انتهاكات متتالية، وهو ما يمثل انتهاكا لحقوق الإنسان/ حقوق الطفل، ويخالف القواعد والمبادئ الإنسانية.
     ويبدو أن هناك العديد من الحالات المشابهة التي يعاني منها الناس في سلطنة عمان بحجج ليس لها أساس حقوقي ولا قانوني، حسب قول الشرطة العمانية فإن الأسماء المرفوضة ليست موجودة في قاعدة بيانات الشرطة، وحسب قول لجنة الأحوال المدنية أنها الأسماء ينبغي أن تكون من بين الأسماء المذكورة في المعاجم العربية، وتتمسك السلطات العمانية بهذه الحجج بالرغم من وجود أسماء غير موجودة في المعاجم أو أسماء أجنبية، كما يتم إدخال أسماء أخرى هي جديدة إلى قاعدة بيانات الشرطة.. أي أن هذه الإجراءات تمثل تمييزا بين المواطنين، وفي نفس الوقت تجاوزا للشروط التي وضعتها اللجنة بضرورة أن يكون الاسم المختار موجودا في قاعدة البيانات.
     إن هذه الانتهاكات والحالات تثير قلق الجميع على كافة المستويات، وتضع مهمة الدفاع عن حقوق هذه الحالات في صدارة أولويات منظمات المجتمع المدني ووسائل الإعلام المحلية والدولية من ناحية، وتضع السلطات العمانية تحت طائلة المساءلة أمام الهيئات الدولية المعنية والمجتمع الدولي وخاصة فيما يتعلق بحقوق الطفل.
      إننا نناشدكم سرعة التدخل لوقف هذه الممارسات والتحرك بصورة عاجلة في قضية الطفلة "إيدا" ومنحها وثيقة الميلاد الرسمية بناء على حق والديها في اختيار هذا الاسم لها، وحتى تتمكن من ممارسة جميع حقوقها ولا تكون السلطات العمانية هي من يقيد حقوق الإنسان ويمارس الانتهاكات ضد مواطنيها.
تفضلوا بقبول خالص التقدير،،،
                                                   مراد الغارتي
                                                   المدير التنفيذي

02 سبتمبر 2010

2 سبتمبر اليوم العربي للتسامح

2/9/2010
اليوم العربي للتسامح
بيان صحفي


يصادف اليوم الثاني من أيلول/ سبتمبر اليوم العربي للتسامح، الذي كانت قد أعلنته الشبكة العربية للتسامح كيوم لتعزيز ثقافة التسامح، وترسيخ مبادئ الديمقراطية، وبخاصة حرية الرأي والتعبير والاعتقاد، والوقوف في وجه ثقافة التعصب وإقصاء الآخر التي أصبحت سائدة في معظم بلدان العالم العربي.

يأتي هذا اليوم في ظل أوضاع عربية غاية في الصعوبة والتعقيد من احتلالات خارجية، وصراعات داخلية تأخذ أشكالا ومسميات عديدة لكنها في المحصلة تدفع باتجاه إلغاء الحق في تقرير المصير، وتطييف المنطقة العربية وتفتيتها إلى دويلات قائمة على أساس طائفي أو عرقي، مما يشكل تهديدا جديا ليس فقط لقيم التسامح وثقافة قبول الآخر بل أيضا لوحدة النسيج الاجتماعي للشعوب العربية بعضها مع بعض، بل وحتى لمواطني الدولة الواحدة.

إن الشبكة العربية للتسامح وهي تسعى لأن يتم اعتماد تاريخ الثاني من أيلول/ سبتمبر من كل عام كيوم عربي للتسامح من قبل الجامعة العربية، فإنها تدعو لأن يخصص هذا التاريخ من قبل مؤسسات المجتمع المدني لفعاليات تؤكد على ضرورة مناهضة جميع أشكال ومظاهر العنف والتعصب داخل المجتمعات العربية، وإشاعة ثقافة السلم المجتمعي والتسامح والحوار والتقاليد الديمقراطية الحقيقية، والتأكيد على مبدأ الحق في الاختلاف، وتوسيع هوامش الحريات العامة وفي مقدمتها حرية الرأي والتعبير والاعتقاد.

إن الشبكة العربية للتسامح تؤمن بأن التغيير باتجاه مجتمع عربي حر ومتطور ومتجانس ومتآلف وعصري يحترم الحرية والتعددية وحقوق الأفراد هو هدف نبيل يمكن تحقيقه بالعمل الجاد والمتواصل لكافة القوى المؤمنة بالتحرر والديمقراطية والعدالة الاجتماعية في البلدان العربية.

حول التسامح بمناسبة اليوم العربي للتسامح


التسامح:
إن التسامح في الإطار الإنساني موجود في غريزة وكينونة النفس البشرية لكن تتلاشى وتتفكك قيمه الإنسانية بسبب المؤثرات والتغيرات والاحتياجات التي تجعل الإنسان يتناسى التسامح وأهميته، وهو ما يجعل العنف واللاتسامح هو سبيل وخيار المكونات الإنسانية والمؤسسية، الأمر الذي يضعنا أمام تحدي حقيقي يتمثل في إعادة النظر في علاقتنا بالآخر المختلف, يتبناه طرف جديد محايد يمتلك المصداقية والثقة. 

فالتسامح لا يعني التنازل عن الحقوق ولا يعني الموافقة على الانتهاكات، بل إن التسامح كقيمة أساسية يشكل قاسما مشتركا في منظومة قيم الديمقراطية والعدل الاجتماعي والسلم الأهلي وحقوق الإنسان، الأمر الذي يجعله في قمة الأولويات التي ينبغي ممارستها كسلوك - وليس كخيار- ومنبعا للتفكير، كون الثقافة القائمة في المجتمع العربي وخصوصا المجتمع اليمني عقائدية وتقليدية حيث تلعب هذه الثقافة دورا حيويا في حياة الأفراد وتؤثر في كثير من التطورات السياسية والاجتماعية.
إن استمرار التعددية الدينية والعرقية والثقافية... في المجتمع تحتاج إلى إرادة جماعية للتعايش السلمي والقبول بالآخر كما هو - رغم الاختلاف، والعمل بقيم التسامح في المجال السياسي والديني والاجتماعي والاقتصادي.
إن مظاهر عدم التسامح وأعمال العنف والإرهاب والكراهية والاستبعاد والتهميش والتمييز تقف عائقا أمام التعايش السلمي وتؤثر على مسار البناء الديمقراطي، كما تشكل عقبات أمام التنمية. وبالتالي فإن حالة العنف والانتهاكات والممارسات الإرهابية ستبقى قائمة ما لم نحاول تأصيل قيم التسامح وممارستها بفاعلية  كون التسامح يمثل قيمة أخلاقية وحقوقية ويتأثر ببقية مكونات المنظومة الثقافية والقيمية، ولا بد من الإشارة إلى أن اللاتسامح يمكن أن يكون خفيا وراء الخطاب الظاهري، وبالتالي فإن التسامح واللاتسامح يكون نابعا من داخلنا نحن حيث يعتمد ذلك على ما ترسخ فينا من الثقافة والقيم المجتمعية .
إن الأوضاع الراهنة والأزمات التي تمر بلدان العالم العربي معقدة وسوف تفضي إلى حالة من التفكك وانعدام السلم الاجتماعي، ففي اليمن، استمرار الحرب بين الدولة والحوثيين وحالة الحراك في المناطق الجنوبية وقمعه من قبل الدولة والاحتقان المتزايد في مناطق يمنية أخرى وانتهاك حقوق الغير، تعود لأسباب متنوعة ربما حقوقية أو مطلبية، إلا أنها في الحقيقة نابعة من سبب رئيسي مشترك لكل حالات العنف والاحتقان والتمييز وهو غياب التسامح، لذلك فإن الحاجة إلى تعزيز ثقافة وقيم التسامح أصبح ضروريا في المجتمع ، ترتكز أهم هذه القيم في قبول الآخر  وحرية الرأي والتعبير والاعتقاد، والوقوف في وجه ثقافة التعصب وإقصاء الآخر.
اليوم العربي للتسامح:
إن هذا اليوم 2 سبتمبر من كل عام هو اليوم الذي ينبغي إحيائه والاحتفال به بالتسامح في العالم العربي، وتجسيد كل صور وقيم التسامح فعليا من خلال تجاوز كافة الأزمات في المنطقة العربية سواء الداخلية منها أو الخارجية .
وبالرغم من أن الإعلان بشأن التسامح قد حدد تاريخ الــ 16 من نوفمبر من كل عام كيوم دولي للتسامح ، إلا أن تاريخ 2 سبتمبر هو الذي حددته الشبكة العربية للتسامح كيوم عربي للتسامح، وهي تتطلع لأن تعتمده الجامعة العربية ليكون اليوم العربي للتسامح سعيا نحو هدف نبيل يتمثل في تعزيز ثقافة التسامح وترسيخ مبادئ الديمقراطية. وليكون الاحتفاء بهذا اليوم عربيا يهدف إلى إشراك الجمهور العربي والحكومات العربية ليشكل التزاما أخلاقيا بالتسامح ونشر ثقافته وتجديدها سنويا.
وانطلاقا من مسئولية الشبكة العربية للتسامح ينبغي أن يأخذ المجتمع المدني دوره في خلق مناخ شراكة لدعم الحوار ونبذ العنف الفكري والسياسي والديني والاجتماعي واعتماد مبدأ التسامح بكل قيمه وفي مختلف المستويات، ولكوننا أعضاء في الشبكة ينبغي أن نحتفل بكل الطرق المتاحة بهذه المناسبة حتى تعتمد رسميا في البلدان العربية، لذا فإن نشر مثل هذه الوثائق يعتبر مساهمة في نشر قيم وثقافة التسامح.

الشبكة العربية للتسامح:
الشبكة العربية للتسامح تجمع عربي مستقل يضم عدداً من منظمات حقوق الإنسان والمدافعين عن تلك الحقوق من أكاديميين وكتاب وصحافيين ومفكرين ومحامين، هدفها إعادة الاعتبار لثقافة التسامح والدفاع عن القيم الديمقراطية وترسيخها في الثقافة المجتمعية.
تعتمد المرجعية الفكرية والحقوقية للشبكة العربية للتسامح على الشرعة الدولية لحقوق الإنسان بكامل منظومتها، وفي مقدمتها إعلان مبادئ بشأن التسامح الصادر عن منظمة اليونسكو لعام 1996  ، فضلاً عن الفكر التقدمي الإنساني والحضاري في التراث العربي والعالمي.
ومنذ تأسيس الشبكة منذ عامين يقوم مركز رام الله لدراسات حقوق الإنسان بإدارة الشبكة والقيام بكافة أنشطتها، وتضم الشبكة في عضويتها 35 عضوا من منظمات وأفراد يمثلون معظم بلدان العالم العربي.
وتهدف الشبكة العربية للتسامح إلى :
أولاً: العمل على مناهضة كافة أشكال ومظاهر العنف والتعصب على المستويين الرسمي والشعبي في الأقطار العربية، وإشاعة ثقافة السلم المجتمعي والتسامح والتقاليد الديمقراطية الحقيقية.
ثانياً: التأكيد على أن جوهر التسامح قائم على مبدأ الحق في الاختلاف، والدعوة إلى احترام هذا الحق، وتطبيقه على أرض الواقع، والدفاع عن استمراره والعمل على تغذية ثقافة الاختلاف ودعم جوانبها الإيجابية.
ثالثاً: الدعوة إلى توسيع هوامش الحريات العامة باعتبار أن ذلك عامل أساسي من عوامل تثبيت الحقوق الأساسية التي ترتكز عليها قيمة التسامح، وفي مقدمتها الحق في المعتقد، دينياً كان أو غيره، والحق في حرية الرأي والتعبير عنه، والحق في التنظيم النقابي والتجمع السلمي والتعددية السياسية، لذا لا بد من ترجمة تلك الحقوق على المستويين القانوني والتشريعي، والنضال من أجل تحقيقها على أرض الواقع.
رابعاً: العمل على توجيه الخطاب الديني حتى يكون رفدا أساسيا في تعميم ثقافة التسامح وقيمه، والدعوة لنبذ كافة أشكال التحريض ضد المختلِف، ونبذ التشدد والتطرف العقائدي والمذهبي.


إعلان مبادئ التسامح

إعلان مبادئ بشأن التسامح
اعتمده المؤتمر العام لليونسكو في دورته الثامنة والعشرين، باريس، 16 تشرين الثاني/نوفمبر 1995

إن الدول الأعضاء في منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة المجتمعة في باريس في الدورة الثامنة والعشرين للمؤتمر العام في الفترة من 25 تشرين الأول/ أكتوبر إلي 16 تشرين الثاني/نوفمبر 1995،
الديباجة
إذ تضع في اعتبارها أن ميثاق الأمم المتحدة ينص علي أننا "نحن شعوب الأمم المتحدة، وقد آلينا في أنفسنا أن ننقد الأجيال المقبلة من ويلات الحرب... وأن نؤكد من جديد إيماننا بالحقوق الأساسية للإنسان وبكرامة الفرد وقدره... وفي سبيل هذه الغايات اعتزمنا أن نأخذ أنفسنا بالتسامح وأن نعيش معا في سلام وحسن جوار".
وتذكر بأن الميثاق التأسيسي لليونسكو المعتمد في 16 تشرين الثاني/نوفمبر 1945 ينص في ديباجته علي أن "من المحتم أن يقوم السلم عي أساس من التضامن الفكري والمعنوي بين بني البشر".
كما تذكر بأن الإعلان العالمي لحقوق الإنسان يؤكد أن "لكل شخص الحق في حرية التفكير والضمير والدين" (المادة 18) و "حرية الرأي والتعبير" (المادة 19) و "أن التربية يجب أن تهدف إلي ... تنمية التفاهم والتسامح والصداقة بين جميع الشعوب والجماعات العنصرية أو الدينية" (المادة 26).

وتحيط علما بالوثائق التقنينية الدولية ذات الصلة، بما في ذلك:
- العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية،
- العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية،
- الاتفاقية الدولية للقضاء علي جميع أشكال التمييز العنصري،
- الاتفاقية الخاصة بمنع جريمة إبادة الجنس والمعاقبة عليها،
- اتفاقية حقوق الطفل،
- اتفاقية عام 1951 الخاصة بوضع اللاجئين وبروتوكولها لعام 1967 والوثائق التقنينية الإقليمية المتعلقة بها،
- اتفاقية القضاء علي جميع أشكال التمييز ضد المرأة،
- اتفاقية مناهضة التعذيب وغيره من ضروب المعاملة أو العقوبة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة،
- الإعلان الخاص بالقضاء علي جميع أشكال التعصب والتمييز القائمين علي أساس الدين أو المعتقد،
- الإعلان الخاص بحقوق الأشخاص المنتمين إلي الأقليات الوطنية أو الاثنية والدينية واللغوية،
- إعلان وبرنامج عمل فينا الصادران عن المؤتمر العالمي لحقوق الإنسان،
- إعلان وخطة عمل كوبنهاغن اللذان اعتمدتهما القمة العالمية للتنمية الاجتماعية،
- إعلان اليونسكو بشأن العنصر والتحيز العنصري،
- اتفاقية وتوصية اليونسكو الخاصتان بمناهضة التمييز في مجال التربية،

وتضع في اعتبارها أهداف العقد الثالث لمكافحة العنصرية والتمييز العنصري، والعقد العالمي للتثقيف في مجال حقوق الإنسان، والعقد الدولي للسكان الأصليين في العالم،
وتضع في اعتبارها التوصيات الصادرة عن المؤتمرات الإقليمية التي نظمت في إطار سنة الأمم المتحدة للتسامح وفقا لأحكام القرار 27 م/5.14 الصادر عن المؤتمر العام لليونسكو، واستنتاجات وتوصيات مؤتمرات واجتماعات أخري نظمتها الدول الأعضاء ضمن إطار برنامج سنة الأمم المتحدة للتسامح،
يثير جزعها تزايد مظاهر عدم التسامح، وأعمال العنف، والإرهاب، وكراهية الأجانب، والنزاعات القومية العدوانية، والعنصرية، ومعادة السامية، والاستبعاد والتهميش والتمييز ضد الأقليات الوطنية والاثنية والدينية واللغوية واللاجئين والعمال المهاجرين والمهاجرين والفئات الضعيفة في المجتمعات، وتزايد أعمال العنف والترهيب التي ترتكب ضد أشخاص يمارسون حقهم في حرية الرأي والتعبير، وهي أعمال تهدد كلها عمليات توطيد دعائم السلام والديمقراطية علي الصعيدين الوطني والدولي وتشكل كلها عقبات في طريق التنمية.
وتشدد علي مسؤوليات الدول الأعضاء في تنمية وتشجيع احترام حقوق الإنسان وحرياته الأساسية بين الناس كافة، بدون أي تمييز قائم علي العنصر أو الجنس أو اللغة أو الأصل الوطني أو الدين أو أي تمييز بسبب عجز أو عوق، وفي مكافحة اللاتسامح.
تعتمد وتصدر رسميا ما يلي:

إعلان مبادئ بشأن التسامح
إننا إذ نعقد العزم علي اتخاذ كل التدابير الإيجابية اللازمة لتعزيز التسامح في مجتمعاتنا لأن التسامح ليس مبدأ يعتز به فحسب ولكنه أيضا ضروري للسلام وللتقدم الاقتصادي والاجتماعي لكل الشعوب، وتحقيقا لهذا الغرض نعلن ما يلي:
المادة 1
معني التسامح
1-1 إن التسامح يعني الاحترام والقبول والتقدير للتنوع الثري لثقافات عالمنا ولأشكال التعبير وللصفات الإنسانية لدينا. ويتعزز هذا التسامح بالمعرفة والانفتاح والاتصال وحرية الفكر والضمير والمعتقد. وأنه الوئام في سياق الاختلاف، وهو ليس واجبا أخلاقيا فحسب، وإنما هو واجب سياسي وقانوني أيضا، والتسامح، هو الفضيلة التي تيسر قيام السلام، يسهم في إحلال ثقافة السلام محل ثقافة الحرب،
1-2 إن التسامح لا يعني المساواة أو التنازل أو التساهل بل التسامح هو قبل كل شئ اتخاذ موقف إيجابي فيه إقرار بحق الآخرين في التمتع بحقوق الإنسان وحرياته الأساسية المعترف بها عالميا. ولا يجوز بأي حال الاحتجاج بالتسامح لتبرير المساس بهذه القيم الأساسية. والتسامح ممارسة ينبغي أن يأخذ بها الأفراد والجماعات والدول.
1-3 إن التسامح مسؤولية تشكل عماد حقوق الإنسان والتعددية (بما في ذلك التعددية الثقافية) والديمقراطية وحكم القانون. وهو ينطوي علي نبذ الدوغماتية والاستبدادية ويثبت المعايير التي تنص عليها الصكوك الدولية الخاصة بحقوق الإنسان.
1-4 ولا تتعارض ممارسة التسامح مع احترام حقوق الإنسان، ولذلك فهي لا تعني تقبل الظلم الاجتماعي أو تخلي المرء عن معتقداته أو التهاون بشأنها. بل تعني أن المرء حر في التمسك بمعتقداته وأنه يقبل أن يتمسك الآخرون بمعتقداتهم. والتسامح يعني الإقرار بأن البشر المختلفين بطبعهم في مظهرهم وأوضاعهم ولغاتهم وسلوكهم وقيمهم، لهم الحق في العيس بسلام وفي أن يطابق مظهرهم مخبرهم، وهي تعني أيضا أن آراء الفرد لا ينبغي أن تفرض علي الغير.
المادة 2
دور الدولة
2-1 إن التسامح علي مستوي الدولة يقتضي ضمان العدل وعدم التحيز في التشريعات وفي إنفاذ القوانين والإجراءات القضائية والإدارية. وهو يقتضي أيضا إتاحة الفرص الاقتصادية والاجتماعية لكل شخص دون أي تمييز. فكل استبعاد أو تهميش إنما يؤدي إلي الإحباط والعدوانية والتعصب.
2-2 وبغية إشاعة المزيد من التسامح في المجتمع، ينبغي للدول أن تصادق علي الاتفاقيات الدولية القائمة بشأن حقوق الإنسان، وأن تصوغ عند الضرورة تشريعات جديدة لضمان المساواة في المعاملة وتكافؤ الفرص لكل فئات المجتمع وأفراده.
2-3 ومن الجوهري لتحقيق الوئام علي المستوي الدولي أن يلقي التعدد الثقافي الذي يميز الأسرة البشرية قبولا واحتراما من جانب الأفراد والجماعات والأمم. فبدون التسامح لا يمكن أن يكون هناك سلام، وبدون السلام لا يمكن أن تكون هناك تنمية أو ديمقراطية.
2-4 وقد يتجسد عدم التسامح في تهميش الفئات المستضعفة، واستبعادها من المشاركة الاجتماعية والسياسية، وممارسة العنف والتمييز ضدها. وكما يؤكد الإعلان بشأن العنصر والتحيز العنصري فإن "لجميع الأفراد والجماعات الحق في أن يكونوا مختلفين بعضهم عن بعض" (المادة 1-2).
المادة 3
الأبعاد الاجتماعية
3-1 إن التسامح أمر جوهري في العالم الحديث أكثر منه في أي وقت مضى، فهذا العصر يتميز بعولمة الاقتصاد وبالسرعة المتزايدة في الحركة والتنقل والاتصال، والتكامل والتكافل، وحركات الهجرة وانتقال السكان علي نطاق واسع، والتوسع الحضري، وتغيير الأنماط الاجتماعية. ولما كان التنوع ماثلا في كل بقعة من بقاع العالم، فإن تصاعد حدة عدم التسامح والنزاع بات خطرا يهدد ضمنا كل منطقة، ولا يقتصر هذا الخطر علي بلد بعينه بل يشمل العالم بأسره.
3-2 والتسامح ضروري بين الأفراد وعلي صعيد الأسرة والمجتمع المحلي، وأن جهود تعزيز التسامح وتكوين المواقف القائمة علي الانفتاح وإصغاء البعض للبعض والتضامن ينبغي أن تبذل في المدارس والجامعات وعن طريق التعليم غير النظامي وفي المنزل وفي مواقع العمل. وبإمكان وسائل الإعلام والاتصال أن تضطلع بدور بناء في تيسير التحاور والنقاش بصورة حرة ومفتوحة، وفي نشر قيم التسامح وإبراز مخاطر اللامبالاة تجاه ظهور الجماعات والأيديولوجيات غير المتسامحة.
3-3 وكما يؤكد إعلان اليونسكو بشأن العنصر والتحيز العنصري، يجب أن تتخذ التدابير الكفيلة بضمان التساوي في الكرامة والحقوق للأفراد والجماعات حيثما اقتضى الأمر ذلك. وينبغي في هذا الصدد إيلاء اهتمام خاص للفئات المستضعفة التي تعاني من الحرمان الاجتماعي أو الاقتصادي، لضمان شمولها بحماية القانون وانتفاعها بالتدابير الاجتماعية السارية ولا سيما فيما يتعلق بالمسكن والعمل والرعاية الصحية، وضمان احترام أصالة ثقافتها وقيمها، ومساعدتها على التقدم والاندماج علي الصعيد الاجتماعي والمهني، ولا سيما من خلال التعليم.
3-4 وينبغي إجراء الدراسات وإقامة الشبكات العلمية الملائمة لتنسيق استجابة المجتمع الدولي لهذا التحدي العالمي، بما في ذلك دراسات العلوم الاجتماعية الرامية إلي تحليل الأسباب الجذرية والإجراءات المضادة الفعلية، والبحوث وأنشطة الرصد التي تجري لمساندة علميات رسم السياسات وصياغة المعايير التي تضطلع بها الدول الأعضاء.
المادة 4
التعليم
4-1 إن التعليم هو أنجع الوسائل لمنع اللاتسامح، وأول خطوة في مجال التسامح، هي تعليم الناس الحقوق والحريات التي يتشاركون فيها وذلك لكي تحترم هذه الحقوق والحريات فضلا عن تعزيز عزمهم علي حماية حقوق وحريات الآخرين.
4-2 وينبغي أن يعتبر التعليم في مجال التسامح ضرورة ملحة، ولذا يلزم التشجيع علي اعتماد أساليب منهجية وعقلانية لتعليم التسامح تتناول أسباب اللاتسامح الثقافية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية والدينية - أي الجذور الرئيسية للعنف والاستبعاد، وينبغي أن تسهم السياسات والبرامج التعليمية في تعزيز التفاهم والتضامن والتسامح بين الأفراد وكذلك بين المجموعات الاثنية والاجتماعية والثقافية والدينية واللغوية وفيما بين الأمم.
4-3 إن التعليم في مجال التسامح يجب أن يستهدف مقاومة تأثير العوامل المؤدية إلي الخوف من الآخرين واستبعادهم، ومساعدة النشء علي تنمية قدراتهم علي استقلال الرأي والتفكير النقدي والتفكير الأخلاقي.
4-4 إننا نتعهد بمساندة وتنفيذ برامج للبحوث الاجتماعية وللتعليم في مجال التسامح وحقوق الإنسان واللاعنف. ويعني ذلك ايلاء عناية خاصة لتحسين إعداد المعلمين، والمناهج الدراسية، ومضامين الكتب المدرسية والدروس وغيرها من المواد التعليمية بما فيها التكنولوجيات التعليمية الجديدة بغية تنشئة مواطنين يقظين مسئولين ومنفتحين علي ثقافات الآخرين، يقدرون الحرية حق قدرها، ويحترمون كرامة الإنسان والفروق بين البشر، وقادرين علي درء النزاعات أو علي حلها بوسائل غير عنيفة.
المادة 5
الالتزام بالعمل
5- إننا نأخذ علي عاتقنا العمل علي تعزيز التسامح واللاعنف عن طريق برامج ومؤسسات تعني بمجالات التربية والعلم والثقافة والاتصال.
المادة 6
اليوم الدولي للتسامح
6-1 وسعيا إلي إشراك الجمهور، والتشديد علي أخطار عدم التسامح، والعمل التزام ونشاط متجددين لصالح تعزيز نشر التسامح والتعليم في مجال التسامح، نعلن رسميا يوم السادس عشر من شهر تشرين الثاني/نوفمبر من كل سنة يوما دوليا للتسامح.
تنفيذ إعلان المبادئ بشأن التسامح
إن المؤتمر العام،
بالنظر إلي أن المسؤوليات التي يلقيها الميثاق التأسيسي لليونسكو علي عاتق المنظمة فيما يتعلق بمجالات التربية والعلم -بما في ذلك العلوم الطبيعية والعلوم الاجتماعية- والثقافة والاتصال، تقتضي منها أن تسترعي انتباه الدول والشعوب إلي المشكلات المتعلقة بجميع جوانب الموضوع الجوهري المتمثل في التسامح واللاتسامح.
وإذ يضع في اعتباره إعلان المبادئ بشأن التسامح، الصادر عن اليونسكو في هذا اليوم السادس عشر من تشرين الثاني/نوفمبر 1995.
1. يحث الدول الأعضاء علي القيام بما يلي:
(أ) الاحتفال باليوم السادس عشر من شهر تشرين الثاني/نوفمبر من كل سنة كيوم دولي للتسامح وذلك عن طريق تنظيم أنشطة وبرامج خاصة لنشر رسالة التسامح بين مواطنيها، بالتعاون مع المؤسسات التربوية والمنظمات الدولية الحكومية وغير الحكومية ووسائل الإعلام في كل منطقة،
(ب) إبلاغ المدير العام أي معلومات قد تود أن تشاطرها مع غيرها، بما في ذلك المعلومات التي تسفر عنها بحوث أو مناقشات عامة عن قضايا التسامح والتعددية الثقافية، من أجل زيادة فهمنا للظواهر المرتبطة بعدم التسامح والأيديولوجيات التي تدعو إلي التعصب مثل العنصرية والفاشية ومعادة السامية، ولأنجع الوسائل لتناول هذه القضايا،
2. يدعو المدير العام إلي القيام بما يلي:
(أ) تأمين نشر نص إعلان المبادئ علي أوسع نطاق ممكن، والقيام لهذا الغرض، بنشره واتخاذ الترتيبات اللازمة لتوزيعه ليس باللغات الرسمية للمؤتمر العام فحسب وإنما بأكبر عدد ممكن من اللغات الأخرى أيضا،
(ب) استحداث آلية ملائمة لتنسيق وتقديم الأنشطة التي يضطلع بها في منظومة الأمم المتحدة وبالتعاون مع المنظمات الشريكة الأخرى تعزيزا للتسامح وللتربية من أجل التسامح.
(ج) إبلاغ إعلان المبادئ إلي الأمين العام للأمم المتحدة ودعوته إلي عرضه علي النحو الملائم علي الدورة الحادية والخمسين للجمعية العامة للأمم المتحدة وفقا لأحكام قرارها 49/213.

30 أغسطس 2010

تضامنوا مع الطفلة إيدا

سالم آل تويّه

     ما معنى أن تتدخل الدولة في أسماء مواطنيها؟.
    ما الخطورة التي تمثلها تسمية المواطنين أبناءهم بالأسماء التي يريدونها؟.
    هل لهذا الانتهاك الخطير لحرية التعبير علاقة بأمن الدولة؟.
    ما السِّرُّ إذن في دسِّ الدولة أنفها في كل صغيرة وكبيرة تخص المواطن؟.
    إيدا عبدالله خميس البلوشي طفلة تبلغ من العمر ستة أشهر، لكنها بلا اسم معترف به حتى اللحظة، بلا شهادة ميلاد، والسبب شرطة عُمان السلطانية التي منعت والديها من تسميتها باسم إيدا!. عندما تكبر إيدا ستعرف أن شرطة عُمان السلطانية رفضت اسمها واستكبرت وطغت ورفضت الطلبين الرسميين اللذين تقدم بهما والدها لتسميتها بهذا الاسم. عندما تكبر إيدا سيكون إخبارها برفض اسمها بمثابة طرفة حدثت في عهد المماليك في دولة تُسمَّى سلطنة عُمان؛ هل هذا ما سيحدث حقًّا أم أن عهد المماليك سيستمرّ؟!. لنتجاوز هذا ونكمل: ستعرف إيدا أن مجيئها كان منتظرًا منذ زمن طويل، فهي مَنْ سيلغي عنجهية الدولة وغطرستها وشرَّها في التدخل في خصوصيات الناس إلى هذه الدرجة المريبة التي لا تفسير لها إلا الديكتاتورية والرغبة الشيطانية المريضة في ممارسة السلطة وانتهاك حقوق الناس.
    الحق المنتهك لا يُوهَب، ينتزع بالمطالبة والإصرار والوعي ورفض كل أشكال انتهاكه. عندما يصل طغيان الدولة إلى هذه الدرجة فيجب أن يقال لها بوضوح: عليك أن تكفي عن التدخل في حياتنا. لقد خربت البلاد وأخلاق العباد، زرعت الرعب في قلوب المظلومين عن المطالبة بحقوقهم، وبعد كل جرائمك المتوالية دائمًا تظهرين بمظهر المهتم بالإنسان وتتشدقين بأن الإنسان طليعة التنمية!. ألا يكفي جميع مظاهر احتقار المواطن في الرواتب والمستشفيات والخدمات؟.
    في سلطنة عُمان قوانين لا تطبق إلا على المستضعفين، وفيها قوانين لا توجد في أي بقعة أخرى في العالم. الأهم دائمًا هو تكبيل حرية المواطنين سواء بقانون أو بغير قوانين، ولأن المواطنين يرضخون لكل شيء أصبحت الحكومة لا تتورع عن التمادي حتى بلغت هذا المبلغ الخطير: التدخل في الأسماء. والعجيب الغريب كالعادة أن هذه القوانين بكل ما يعتورها تُنتهَك من مؤسَّسات الدولة -أوَّلاً وثانيًا وبلا توقف- التي يفترض أنها حامية القوانين أصلاً!، فشرطة عُمان السلطانية بمنعها تسمية الطفلة إيدا ضربت بـ"النظام الأساسي للدولة" عرض اللامبالاة، فالمادة 29 من "النظام الأساسي" تحفة التحف هذا الذي يُعاني هو الآخر من عقدة الاسم تنص على أنَّ: "حرية الرأي والتعبير عنه بالقول والكتابة وسائر وسائل التعبير مكفولة في حدود القانون"!.
فقط لو يكون هناك سبب منطقي واحد لإجبار المواطنين على تسمية أبنائهم بالأسماء التي يريدونها!. وحتى إن ساق أي مسؤول غبي فاشل ألف سبب فإن منطقه سيخصه وحده فقط، لأن تبريره سيخالف مرة ثانية ما يُسمَّى "النظام الأساسي للدولة" الذي تنص المادة (80) منه على أنه "لا يجوز لأية جهة في الدولة إصدار أنظمة أو لوائح أو قرارات أو تعليمات تخالف أحكام القوانين والمراسيم النافذة أو المعاهدات والاتفاقيات الدولية التي هي جزء من قانون البلاد". فهذا يعني أن انتهاك حق الطفلة إيدا في تسميها بهذا الاسم يتعارض تعارضًا مطلقًا والإعلان العالمي لحقوق الإنسان الذي تنص "المادة 19" منه على أن "لكل شخص الحق في حرية الرأي والتعبير، ويشمل هذا الحق حرية اعتناق الآراء دون أي تدخل، واستقاء الأنباء والأفكار وتلقيها وإذاعتها بأية وسيلة كانت دون تقيد بالحدود الجغرافية". ويُصنَّف الحق في الاسم باعتباره حرية تعبير، أي أنه يدخل في إطار المادة 19 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الذي –حسب النظام الأساسي للدولة- "يعتبر جزءًا من قانون البلاد"!. والسؤال هنا لماذا استمرت شرطة عُمان السلطانية كل هذه السنوات في انتهاك النظام الأساسي للدولة والمعاهدات والاتفاقيات الدولية؟، وباعتبارها جهة منتهِكة لماذا تُمكَّن من استمرار الانتهاك؟، وماذا بشأن من انتهكت حقوقهم، ألن ينصفوا؟ ألن يعوضوا؟ ألن يُعاقَب المنتهِكون؟!.
      وبينما ينام منتهك الحق قريرَ العين يُعاني المنتهَك حقُّه من الانتهاك ومما يترتب عليه، وما يترتب عليه قائمة تطول كلما طالت فترة انتهاك الحق، فالطفلة إيدا بلا اسم رسمي منذ ستة أشهر، وترتب على هذا أنها ما زالت بلا شهادة ميلاد، وترتب على هذا إنذار والديها بعدم تطعيمها في المستشفى بسبب عدم احتواء قاعدة بيانات الأسماء على اسمها، ويترتب على عدم تسميتها أيضًا عدم إمكانية استخراج جواز سفر لها، وهذا بدوره يعني عدم إمكانية سفر والديها أو والدتها.
      تراهن الدولة على إجهاد مواطنيها وتتحدَّاهم لتجبرهم على تغيير الأسماء التي يحبون تسمية أبنائهم بها، وفي حالة إيدا يظهر الوجه القبيح للدولة في أنها تقول بصمت: حسن إذن إننا نجبر والديك على تغيير اسمك، فزمام الأمر بيدنا، لا يمكنك السفر، وسنحرمك كل شيء ما دام اسمك موجودًا!.
      والحل بالنسبة إلى قضية إيدا وقضية العشرات أو المئات المشابهة لها هو الرفض القاطع لمبدأ الدولة. الحل أن يتكاتف المواطنون ويعلنون رفضهم لهذه الانتهاكات الخطيرة وإلا فإن المهزلة ستستمر كما هي مستمرة حتى هذه اللحظة. لا يطالب أصحاب الحقوق إلا بإحقاق حقوقهم، لا يدعون إلى فوضى ولا إلى عنف ولا إلى ما يؤدي إلى تخريب، ويطالبون بحقوقهم انطلاقًا من كونها حقوقهم التي لا يمكن لأحد مساومتهم عليها، ويسعون إلى نيلها بكل الوسائل السلمية والمشروعة.
      ومن العار الآن إيجاد أعذار للدولة وإلقاء اللوم على والدي الطفلة والتذرع بأن الأسماء كثيرة وعليهم تغيير اسم ابنتهم إلى أي اسم آخر!؛ أليس هذا هو النكوص والتقهقر والتصفيق للديكتاتورية؟. ليس للدولة أي عذر فانتهاكها واضح وضوح الشمس، وما يستدعيه الأمر هو توجيه إدانة مباشرة إليها ومطالبتها بتطبيق مواد النظام الأساسي للدولة والمعاهدات والاتفاقيات الدولية.
      لن تجد تلاعبًا باللغة والحقائق كما تجده في عُمان. مرض غريب يجعل المسؤولين المتغطرسين مهمومين مهووسين بتغيير الأسماء وتمييعها، وحتى المصطلحات المتعارف عليها عالميًّا غُيِّرت في عُمان!، هل هذا هو إنجاز الدولة العُمانية؟. أن تضع قائمة أسماء للمواطنين تجبرهم على تسمية أبنائهم بما تحتويه فقط وتمنعهم عن التسمي بأي اسم لا تحتويه؟. لماذا؟. هذا الإجبار احتقار للمواطن يضعه في منزلة أدنى تلغي حقه في المواطنة، بل تلغي حقه الإنساني ووعيه وتقوم مقام الوَصِيِّ عليه، فكأن هذا المواطن بلغ من الجهل درجة لا يعرف معها حتى اختيار اسم لولده.
       إنها عقدة.
      دولة تُعاني من عقدة الأسماء: أسماء الأماكن، وأسماء البحار، وأسماء الأجهزة وأسماء القوانين، وأسماء البشر. على أسماء البشر –مثل الأماكن والبحار والأجهزة والآلات والمصطلحات- أن تخضع للدولة. الدولة لا تستطيع الشعور بأنها دولة إن لم تجبر الناس على التسمي بأسماء تختارها هي. الدولة عاطلة عن العمل لذلك تجد وقتًا طويلاً جدًّا لتدس أنفها في كل شيء، حتى في أسماء الناس!، تجد وقتًا طويلاً لإلهاء مواطنيها بمشكلات تجاوزها العالم قبل عشرات ومئات السنين.
      تُعتَبر تسمية المواليد حقًّا طبيعيًّا للوالدين، فهما الوحيدان اللذان يختاران الاسم الذي يشاءان لمولودهما. يمثل الاسم أمرًا بالغ الحميمية والخصوصية في حياة أي زوجين. وأي زوجين حتى قبل زواجهما يتداولان في الأسماء التي يريدان أن يُسمِّيا أطفالهما المقبلين بها، فلماذا تسن الدولة تشريعات مجحفة ظالمة تنتهك هذه الخصوصية وتحولها موضوعَ طلبٍ ولجان وواسطة ورواح ومجيء، وتغتصب الفرح من قلوب الآباء والأمهات باصطناع هذه القضية السخيفة سخف من وضعها وطبقها وسمح لنفسه بدم ساديٍّ بارد مقرف بمصادرة حرية الآخرين؟.
     سلطنة عُمان دولة في منتهى الغرابة. إن سن شروط قمعية كهذه تجعل عُمان أضحوكة أمام بلدان العالم. لن يؤيد أيُّ أحد فكرةً ليس لا معنى لها فقط، بل إنها تقوم على انتهاك حرية التعبير وحق الهوية، تنتهك حقًّا أصيلاً من حقوق الإنسان. من حق أي مولود يولد في أي مكان في العالم أن يُسمَّى منذ اليوم الأول لولادته بالاسم الذي يختاره له والداه. وما تمارسه شرطة عُمان السلطانية الآن هو انتهاك لـ"إعلان حقوق الطفل" الذي اعتمدته الأمم المتحدة عام 1959م، والذي نص "المبدأ الثالث" منه على أن "للطفل منذ مولده حق في أن يكون له اسم وجنسية". ناهيك عن أن ما قامت به شرطة عُمان السلطانية بحرمانها الطفلة إيدا التسمي بهذا الاسم يعتبر خرقًا واضحًا لـ"اتفاقية حقوق الطفل" التي بدأ نفاذها في سبتمبر 1990م، وانضمت إليها سلطنة عُمان في 1996م. وتنص مواد "اتفاقية حقوق الطفل" على احترام حقوق الطفل دون تمييز مهما كان نوعه، ومن هذه المواد: "المادة 7:
1-    يسجل الطفل بعد ولادته فورًا ويكون له الحق منذ ولادته في اسم والحق في اكتساب جنسية، ويكون له قدر الإمكان الحق في معرفة والديه وتلقي رعايتهما.
2-    تكفل الدول الأطراف إعمال هذه الحقوق وفقًا لقانونها الوطني والتزاماتها بموجب الصكوك الدولية المتصلة بهذا الميدان، ولاسيما حيثما يعتبر الطفل عديم الجنسية في حال عدم القيام بذلك.
المادة 8:
1-    تتعهد الدول الأطراف باحترام حق الطفل في الحفاظ على هويته بما في ذلك جنسيته، واسمه، وصلاته العائلية، على النحو الذي يقره القانون، وذلك دون تدخل غير شرعي.
2-    إذا حرم أي طفل بطريقة غير شرعية من بعض أو كل عناصر هويته تقدم الدول الأطراف المساعدة والحماية المناسبتين من أجل الإسراع بإعادة إثبات هويته".

       باسم الحق والواجب والضمير تضامنوا مع الطفلة إيدا.

29 أغسطس 2010

استئناس وتدجين!.. إلى سيف الرَّحبي، إلى زاهر الغافري

استئناسُ الذئب

شعر: محمَّد السِّناني


إلى سيف الرحبي


ما زلتَ تعوي
وما زال صوتُكَ يؤنسُ روحَ الصعاليك فينا.
ولكنّكَ الآنَ تشبهُ ذئبَ الفرزدق،
حينَ أنِستَ إلى اللحم والنار والسيف،
حين سقطتَ عن الليل في حفرةٍ،
وارتضيتَ الفُتات.



أما كان من حقِّ كلِّ الذئابِ
الركونُ إلى زوجةٍ أو وظيفة؟


ستنأى الجبالُ التي خبأتْ صوتَكَ المتلاشي،
ستنأى المقابرُ عن خطواتِكَ عند الربيع،
ستنأى البحارُ القديمةُ عنك،
ستنأى الصحارى البعيداتُ أكثر،
ستنأى القصائد،
ستنأى البلادُ التي تتوزَّعُ في لعبة المونوبولي.



ويدنو إلى ليلكَ السَّحَرَةْ
ينادونك، الآنَ باسمكَ يا أيها الذئبُ:
(تعالَ إلى موتنا الحيّ
تعالَ إلى السُّخرةِ الأبدية)



ماذا ستفعل يا صاحبي؟
ستَنْسُجُ من دمكَ، الآنَ، قمصانُ موتِ الكلام!


26/1/2010م
صور



تدجين النسر

إلى زاهر الغافري


كنّا قرأنا جناحيكَ في الريح إنجيلَ منفى،
كتاباً من الضوء يفتحُ آفاقَنا للكلام،
كلامِ الشهيد الأخير عن الجسد المشتهى،
عن الكأس آنَ تجفُّ الثمالةُ والحُلمُ فيها.


لماذا تقرِّرُ، قبلَ حلولِ النهايةِ، موتَ القمم؟
لماذا تقرر أنْ تسمعَ الآنَ صوتَ العدم؟



ها هي الهاوية
تناديكَ، فاسمعْ نداءَ القصيدةِ فيك:
يحيي ارتطامُكَ بالأرض
روحَ التمردِ فيها،
روحَ الكرامةِ،
روحَ العلوِّ،
وروحَ الألم.



ليس لقَنِّ الدجاجِ، هنا، رايةٌ كي ترفرفَ فيها،
وليس لمنفاكَ من عودةٍ كي تعود،
لا أرزَّ يرشُّ عليك،
ولا منبرٌ كي تنافسَ ديكَ الفصاحةِ فيه،
ولا موطئٌ لمخالبكَ الحاذقاتِ بصيد الفرائس.



كيف ستمشي على العشب
من بعد خمسين عاماً على الطيران؟
كيف يُدجِّنُكَ الوقتُ يا صاحبي؟
كيف تصادقُكَ الببغاوات؟
كيف تُضيِّعُكَ الأروقة؟


عُدْ عالياً، واتحدْ بالألم


26/1/1010م
صور

26 أغسطس 2010

من سرير البنكرياس



سالم آل تويّه


    إنها الثالثة وخمس وثلاثون دقيقة صباحًا في الجناح الأحمر رقم 3 ("الأمراض الباطنية رجال") بمستشفى جامعة السلطان قابوس.
    العجوز النائم على السَّرير المقابل يئن ثانية. من يئن هنا ومن لا يئنّ؟. في اللَّيل يتزاحم الأنين من كل ناحية.
الستائر القصيرة المرفوعة تحجب الأسرَّة الأخرى، وتبين فقط خطوات الممرضين وعرباتهم وأرجل كرسيٍّ خارج نطاق سرير العجوز.
إبرة المحلول الوريديِّ على باطن ساعدي الأيمن، لكنْ يمكنني أنْ أُكيِّف رقدتي قليلاً وأحتال بطريقة ما على الألم وأكتب. أصوات الأجهزة صامتة الآن. الرغبة في الكتابة تأتي لأسباب عديدة بعضُها مفهوم وبعضُها يتلبَّسُه الهذيانُ بين نومةٍ وأخرى.
الأنين والهذيان والتأكيد والتخمين أسباب تلقائية تُبعِد المرضى عن دنيوية ما يحدث في الخارج. هنا قد لا تكون المسافة بينك وبين القبر بعيدةً إلا بمقدار الزمن الذي يستغرقه التثاؤب أو العطسة. حتَّى إنْ كنت صحيحًا مُعافَى قد يُحسَم مصيرُك بين أيدٍ لستَ بالنسبة إليها إلا وسيلةً للتجريب.
في الصَّباح، عندما جئتُ متعبًا متألِّمًا من بطني وأضلعي غير قادر على الوقوف، لم أجد موقفًا لسيَّارتي. كنت أقود السيارة كمن ينام على أحد جانبيه، مستشعرًا وهن الحُمَّى الخفيفة، غير قادر على الاعتدال. من موقف إلى آخر دون جدوى؛ كلها مملوءة عن آخرها. "تُوجَد مواقف إضافية أمام كلية التمريض"، وبالفعل كانت هناك سيارات قليلة واقفة فقط ومواقف شاغرة كثيرة، لكن عندما ذهبت اعترضني حاجز المدخل فعدت إلى مواقف المستشفى أبحث من جديد؛ لعلَّ سيَّارة ما خرجت قبل قليل أو ستفرغ موقفها توًّا. لم أصدق...
الجهاز الكهربائيُّ الملحق بالمحلول الوريدي يُصدِر الآن أصواتًا لم يُصدِرها طيلة الساعات الماضية منذ تنويمي في الجناح الساعة الرابعة مساء أمس تقريبًا!. هل هذا من جرَّاء الكتابة؟. هل عليَّ أن أتوقَّف الآن؟.
لأتوقَّف وأحاول النَّوم في هذا الفجر الملفوف بالقطن وروائح الأدوية إن استطعت.
04:04 اث 24/05/2010م

نوم أشبه بنوم العجائز؛ نوم متقطع، في أي وقت، وسط مداولات الأطباء وطلبة كلية الطب واحتجاجات الأوجاع، وفي الخلوات المحمية بالستائر.
لم أصدق خلو مساحة بين سيارتين تقفان عند منعطف. هيّأت سيارتي لأقف هناك غير منتبه إلى سيارة أخرى أمامي تُحاوِل العودة إلى الخلف للوقوف في المكان نفسه، غير منتبه إلا بعد فوات الأوان إلى انطفاء أنوار العودة إلى الخلف البيضاء وانصراف السيارة. الألم أعمى لا يرى إلا ما يستعجل قطع دابره.
حسب تعليمات طبيب "مستشفى بدر السماء" الذي كتب خطاب التحويل إلى مستشفى الجامعة توجهت فورًا إلى الطوارئ. كان الألم قويًّا يجعلني أواجه صعوبة في نصب قامتي. ناولت خطاب التحويل موظفًا خلف نافذة خلفها جهاز حاسوب. سألني: "هل عالجتَ هنا من قبل؟". "لا" –أجبته، ثم استدركت- "زمان، عندما كنت طالبًا. تخرجت عام 1995". ناولته بطاقتي الشخصية.
تغيرت الجامعة كثيرًا.
كأيِّ مشروعٍ عُماني آخر مخططه لا يتجاوز الرؤية أبعد من أنفِ مسؤولٍ لصٍّ في أغلب الأحيان أو غبيٍّ في أفضلها لم تصمد الجامعة كثيرًا أمام التحولات.
كان عددُ السُّكَّان ينتظر سنواتٍ قليلةً فقط ليزيد عددَ الطلبة فجأة بشكل لم تعهده البلاد، وهو ما أدى إلى التخطيط والبناء مجددًا لزيادة المرافق والكليات والشوارع.
في المنتصف الأول لعقد التسعينيات الماضي كنا نذرع الجامعة مشيًا على الأقدام من سكن الطلبة دائرين حول الكليات والمسجد ومتجر الفير وسكن الطالبات والمستشفى، وبين مساكن هيئة التدريس والعمال والممرضات. الآن بعد الخشية من وعي الطلبة الذكور بالتحديد، وبعد عدة مظاهرات ونقمات عالية الصوت، وكي لا يتكاثر التجمع والمظاهرات وتنسحق تمامًا أكاذيب الدولة تحت أقدام أحلام التغيير، أُخرِج جميع الطلبة الذكور من السكن الداخلي ليُقصَر على الطالبات فقط. الآن تشابكت الشوارع، زاد عدد المباني، لكن ألمي فرش الخريطة القديمة في رأسه مستدلًّا بما مضى وحده، وكأن التلفيق الحديث ليس بتلك الكثرة، وهو كذلك في نهاية المطاف في بلد يُحرَم أغلب مواطنيه مواصلةَ التعليم الجامعي حتى في الخارج، ويُبارَك نهب اللصوص أصحاب رؤوس الأموال باسم الجامعات الخاصة لتمتص جيوب الفقراء وأعصابهم إلى يوم القيامة.
-    هل كان رقم بيتكم في الشرقية يبدأ هكذا ...481؟.
-    193 نعم يا أخي.
-    ما زال رقمك موجودًا.
هل صحيح أنني أصبحت على مشارف الأربعين؟.
سنتان فقط تفصلاني عن صعود السُّلَّم وكسرِه للأبد –ككل السنين التي عبرت في قطار الصحراء الأجرد.
لولا القوة التي يمنحنا إيَّاها التأمُّل والغموضُ اللَّامتناهي، لولا السنون التي تنعجن خبرةً في الروح والعظم والدم والجلد، لما واصلنا صعود السُّلَّم ولما كسرنا أسفله على الدوام. ديدنُ الحياة الذهابُ دومًا وليس العودة.
أحيانًا يفقد الحنين إلى الماضي كل معنًى وصِفة. طالما عشتُ حياتي بصدق مُرٍّ، لذلك لا حنين ينتابني إلى أيِّ ماضٍ ما دام طائشًا جلَّابًا للغمّ. ومهما شطَّت المسافة لا يكون الغفران ها هنا إلا سذاجةً ومازوشية مع سبق الإصرار والتَّرصُّد. النسيان يُوقِف ميوعة العواطف أو تدفقها بجميع الصور، حتى لا يعود ثمة مفتاحٌ ولا طريق ولا دليل ولا إشارة.
أيها المُضارِعُ أنا في قلبك، أنتَ في قلبي.
بعد أن كتب لي الموظف رقمي القديم، تحت اسمي، على ورقة طلب إليَّ دخول الغرفة التي خلفي مباشرة. من الشباك رأيت ممرضًا ملتحيًا يقرأ القرآن حالما دخلت وضع المصحف على الطاولة دون أن يضع شيئًا على الصفحة التي توقف عندها. خمنت أنه يحفظ رقم الآية والسورة أو الصفحة. سألني -مرَّةً أخرى- عن اسمي وعمري!. أجرى فحصًا للأكسجين والضغط والحرارة سجل نتائجه على ورقة سلَّمني إيَّاها لأسلمها إلى حارس قسم الطوارئ الذي طلب مني الانتظار على مقاعد انتظار الرجال.
كان هناك خمسة شرطة يتحلقون حول شاب بدا أنه سجين.
لم يستغرق انتظاري دقيقة!. ناداني حارس الطوارئ. كان ألمي في الصدر والبطن قد بلغ مداه، ولانسداد أيِّ منفذ لتخفيف كربته ضرب الظهر وجانبي الخصر.
 16:09 اث 24/05/2010م

أخبرني الحارس بأن أسلك يمينًا حتى نهاية القاعة الكبيرة. ضللت الطريق قليلاً. رأيت الممرض المطوَّع الذي سجَّل بياناتي واقفًا يُحادث شخصًا. حيَّاني. سألت. ردت ممرضة مشيرة إلى الناحية التي عليَّ الانعطاف من خلالها. استقبلني هناك ممرض فيلپيني. بدأت فحوص الطوارئ وإبرة المحلول الوريدي الأول وعينات دم عديدة اندحقتْ إحداها وجعلت الممرض يطلق صرخة قبل أن يسيطر على الوضع ويتحكم في خروج الدم من وريدي ويقوم بعملية التنظيف.
ثم جاءت طبيبة سألتني عشرة آلاف سؤال. ثم أُجرِيتْ لي أشعة سينية، واقفًا ونائمًا، للظهر والبطن. يظهر الممرض ويختفي ويظهر لإجراء فحص جديد: الحرارة، الضغط، الأكسجين، تخطيط القلب. بين وقت وآخر أنام وأصحو مستسلمًا ليديه الخشنتين أحيانًا ومنذ البداية حين غرز إبرة بذراعي اليمنى ركَّب فوقها أنبوب المحلول الوريدي.
فهمت ممن مر عليَّ وفحص بطني مرارًا وتكرارًا أنهم لن يستطيعوا تشخيص مرضي إلا بعد إجراء أشعة مقطعية.
عند الرابعة عصرًا قرروا نقلي إلى جناح الأمراض الباطنية للتنويم أيامًا لم يُحدِّدوا عددها. قالوا إن أسرَّة الجناح مملوءة عن آخرها بالمرضى. نقلوني إلى "غرفة الملاحظة" ذات الأسرة العديدة لكنني كنت المريض الوحيد فيها ساعتها. جلست على كرسي متحرك دفعته ممرضة أعادت وصل المحلول الوريدي بذراعي بعد أن استلقيت على سرير غرفة الملاحظة. طيلة الأوقات التي كنت فيها وحدي قمت بكتابة بعض الرسائل الهاتفية بيدي اليسري والرد على العاجل منها وبعض المكالمات. هنا –في غرفة الملاحظة- أصبح الحال مواتيًا أكثر لإجراء المكالمات. كان الألم يعصر أحشائي لكن قوَّته تتقهقر. جاءت ممرضة هندية بكرسي متحرك. مرة أخرى أبطلت سريان المحلول وفصلت الأنبوب عن الإبرة المغروزة بذراعي. دفعت الكرسي عابرة بي مسافة طويلة من الطابق الأرضي حيث الطوارئ عبر أبواب وممرات عديدة، ثم بالمصعد حتى الطابق الثالث حيث الجناح الأحمر رقم 3.
لأول مرة في حياتي يحدث لي هذا: أُقاد كل هذه المسافة على كرسي متحرك، ولا أمشي على قدميّ!. أخافني هذا الأمر. نعم إنني مريض الآن وهذا ما أخافني. وما أخافني بالتحديد أسئلة الممرضة وهي تدفع الكرسي: هل أنت متزوج؟. لا، لماذا؟. من الأفضل أن يكون معك أحد يرعاك. هل حالتي خطرة؟. تردَّدت الممرضة في إجابتها، ثم إن إنجليزيتي لم تسعفني لأفهم الحِكَم التي تفوَّهت بها، وكل ما ترسَّخ في رأسي خوفٌ عاتٍ من أنني مصابٌ بمرض عضال يحفر لي قبري وأنا لمَّا أبلغ الأربعين بعد. أخافتني الممرضة حين قالت إن الأشعة المقطعية ستبين إن كنت بحاجة إلى عملية... عملية؟!. ياللهول، واستيقظ في رأسي ما قاله لي صديقٌ عن مستشفى الجامعة مؤخرًا: مستشفى الجامعة ألعن من المستشفى السلطاني بمئة مرة فيما يتعلق بـ"الجرائم" "الطبية"!. ساردًا لي كيف كادوا يقتلون زوجته بعملية جراحية أعاد إجراءها لها ثانية على حسابه في أحد المستشفيات الخاصة.
فكرت أن التاريخ يعيد نفسه ألف مرة في بلد متخلف كبلدي يمتلك من المظاهر ما يجعله يبز اليابان والقارة العجوز وأمريكا وأستراليا وجوهرُه سفَّاحٌ أعمى. كثيرون في وزارة الصحة يؤكدون أن نوعية الأدوية المصروفة للناس "العاديين" تختلف عن تلك المصروفة للناس "غير العاديين"!. يا إلهي، حتى هذا أيضًا!.
فكَّرت أيضًا أنني ربما أواجه مصير أيّوب نفسِه/الشخصية المحورية في روايتي التي لم تر النور بعد. وعندما توقفت بي الممرضة عند سريري الجديد في جناح الأمراض الباطنية، وأسدلت الستارة حولي، امتلأت نفسي بالسكينة والسلام: السنوات التي عشتها تكفيني. سأرحل عن هذه الحياة دون ندم... وإذ بي لا أستطيع إيقاف انهمار الدموع، أمسحها بيدي اليسرى فتزداد انحدارًا.
04:10 ث 25/05/2010م

عندما جاء ممرض فيلپيني ليأخذني بالكرسي المتحرك إلى غرفة الأشعة المقطعية كانت الدموع لم تجف تمامًا بعد؛ بظاهر يُسراي الخالية من محقن الإبرة مسحتها في الممر دون أن أفلح في إخفائها تمامًا. كان نفق النهاية يبتلعني، ولم أكن أنتظر إلا أن أستلقي آخر مرة وتُظلِم الدنيا وتُفارِق روحي جسدي المؤقَّت. لكن أيضًا كان قد مر وقت أصبحت فيه نفسيًّا أتأرجح بين القناعة والغضب. بعثت عدة رسائل إلى أهلي حدَّدت فيها المقبرة التي أريدهم أن يدفنوني فيها، لأنني خشيت ألا يُحالفني الحظ، واعتبرت كل إجراءات فحصي شروعًا في عملية قتل اشتهر بها المستشفى إزاء أغلب مرضاه، انطلاقًا من مَقْتَلِ الأطباء في عُمان: الخطأ في التشخيص، وبالتالي في كل شيء، وتحويل البسيط عقدةً لا يحل لغزها إلا الموت.
كان عليَّ أن أبعث برسالة عاجلة إلى امرأة لن أقول لها الحقيقة كاملةً (الحقيقة انطلاقًا ممَّا قالته الممرضة الهندية وممَّا أثاره قولها من تخوُّفات وأوهام)، إلا أن مجيء الممرض الفيلپيني قطع عليَّ كتابة تلك الرسالة الهاتفية.
11:42 ث 25/05/2010م

الآنَ أطيافٌ وروائحُ وأصواتُ بكراتِ ستائرَ تُزاح، وتلك اللوحة المعلقة فوق سريري، اللوحة التي لم ألحظها إلا بعد ساعاتٍ، أو بعد يوم، قبل اختفائها في يد إحدى الممرضات: "لا شيء عن طريق الفم". ثلاثة أشهر مرَّت وعلامة إحدى الإبر لا تزال دائرةً سوداء على راحة ساعدي الأيمن. بين حين وآخر لا يزال وخز إبرة في العضل يؤلمني بقوة خاطفة تعبر في أجزاء من الثانية وكأنها تُحقَن توًّا خطأً في المكان الخطأ، لكنني لم أمت!؛ شفيت من التهاب البنكرياس. أتذكر أن اثنين من الأطباء قالا: الحمد لله أن البنكرياس لم ينفجر. !. هل كانا يمزحان؟!، ومع ذلك، وبرغم ما قاله صديقي من أن المصادفة وحدها السبب في خروجي حيًّا، مع ذلك أشكرهما من أعماق قلبي.
لينبتَّ بعضُ الأفكار والأحداث عن تتمَّة السِّياق. ما ألذ "لقمة القاضي" بالعسل في إفطار هذا اليوم.
سأذهب لأمشي قرب البحر.
19:15 س 21/08/2010م -الموالح 

18 أغسطس 2010

عُمان من سيِّئٍ إلى أسوأ


تتمجَّد الدَّولة الفاسدة وتغور روح الوطن


سالم آل تويّه


    عندما تتمكن الديكتاتورية من الظهور بوجه الديمقراطية، وعندما يتستر الظلم في ثوب العدالة، ويكثر عدد الجهلة والمنافقين والمهرجين واللاعبين على حبال السيرك القذر، يحدث كل شيء ويختلط كل شيء بكل شيء، لكن لا يحدث أبدًا أن يُكشَف قادةُ ألاعيبِ الزَّمانِ المُرِّ المعصورِ خمرةً مُسكِرةً لشعب بأكمله تُمارَس عليه صنوف الأضاليل والأكاذيب والنوادر.
    إذا ضرط الوزير فكل الوزارة تضرط!، وعلى هذا المبدأ الأخلاقي الكَلِيْلِي دِمْنِي في أحسن الأحوال قِسْ!. بلاد تغرق في الفساد، حاميها حراميها، قاضيها ظالمها، أمنُها أكبر خطر عليها، فإلى أين المفر؟، إلى من الشكوى؟، وما الجدوى؟.
    نجحت السلطة العُمانية طيلة أربعين عامًا في غسل أدمغة مواطنيها فيما يتعلق بكل شيء، بدءًا من السياسة وانتهاءً بالقدم التي تسبق الأخرى عند دخول المراحيض. اتخذت السلطة السياسية المؤسسة الدينية عبدًا وفيًّا لتنفيذ جريمتها في حق شعب بأكمله، وها هي النتائج الآن: خواء سيحتاج إلى أربعين سنة أخرى كي يُمحى من عقول ثلاثة أجيال تُسبِّح وتُهلِّل وتُكبِّر باسم السلطة وحمدها. استُغِلَّ الناس واستُعبدوا وخُتِمَ على وعيهم حتى أصبحوا، في المهرجانات ذات المسميات العديدة، يرقصون ويغنون ويُعرَضون على السُّيَّاح بضاعةً رخيصةً تدعو للرثاء.
    أما ما يظهر للملأ من قوم يعرب وقحطان وعدنان وطحقان ودعنان ومحمد وعيسى وموسى، ما يظهر لهؤلاء هو السياسة الحكيمة والتنمية والرَّوِيَّة والعدالة والقفزات النوعية من الجرجرة إلى القار ومن الجحال إلى الثلاجات ومن القناديل إلى اللّيتات ومن الحمير إلى السيارات، وهنا بالذات مكمن الخطر، في هذه الأسطوانة الممجوجة التي تحلو لها المقارنة حتى عندما لا تكون هناك مقارنة ولا يكون هناك من يُقارنِون أو يُقارَنون ولا من يفهمون علم المقارنة هذا الذي على كل مولود يُولَد في سلطنة عُمان أن يفهمه ويرضعه من ثدي أمه فورًا وإن كان سيُفطم بعد سنتين عن حليب أمه فعليه أن يرضع هذا العلم حتى مماته.
    عصابة اللصوص تُوجِّه الإعلام والأعمال والصحافة والمساجد والخطط والوعي. أقصى حلم يحلمه العُماني أن يُزَادَ راتبُه. هذا العُماني المسكين المغلوب على أمره ينتظر موافقة عصابة اللصوص الجهلة على زيادة راتبه!. هذا العُماني المنقوم عليه مدين لعصابة اللصوص التي هي صاحبة الأمر والنهي، صاحبة البنوك، عصابة تتاجر بالتجارة وتتاجر بالإنسان. إشاعات وإشاعات والعُماني ينتظر. منذ متى ينتظر؟. إلى متى ينتظر؟. هذه المرة كيف ستكون ضحكتهم الجديدة عليه؟. هو إنسان طيب –بشهادة السُّيَّاح وبشهادة ممارسات السلطة عليه- لذلك فقد اعتاد أن يُظلَم، اعتاد أن تضحك عليه عصابة اللصوص التي تنهب البلاد طولاً وعرضًا وعندما ينالها أحد بالنقد تُجيِّر عليه مخبريها وسدنتها ليتهموه في وطنيته وكأنهم هم الوطن!. ولكن بالفعل فما دامت المؤسسات هي هؤلاء اللصوص، وما دامت البنوك هي هؤلاء اللصوص، وما دام المواطن مدينًا لهؤلاء اللصوص، وما دام الماء والهواء هما هؤلاء اللصوص، وما دام هؤلاء اللصوص هؤلاء الجهلة هم كل شيء فهم كل شيء إذن، هم الوطن!. عاش الوطن!.
    فلماذا إذن الهجوم على حمد الراشدي وود شوين؟، لماذا الشكوى من ظلم القضاء وتبعيته وعدم استقلاله؟، لماذا تطرح أسئلة لا تنتهي بخصوص تكاليف مطار جديد لم يوضع أساسه بعد وتكلفته تجاوزت تكاليف مطار دبي؟، لماذا تقمع حرية المواطن ويمنع حتى من تسمية ابنه بالاسم الذي يريده؟، لماذا الجأر بالشكوى من وزارة صحة تخصصت في جلب الأمراض وقتل الناس وقريبًا سيُغيَّر مسماها ليصبح رسميًّا: "وزارة القتل"؟، لماذا الشكوى كل سنة من عدم استطاعة آلاف من خريجي الثانوية إكمال دراستهم الجامعية؟، لماذا يصل الأمر إلى حدِّ أن يتردد القول إن قضايا "اللصوص والمجرمين الكبار" التي يتستر عليها الادعاء العام يتجاوز عددها 2700 قضية؟... وقائمة لماذا لا تنتهي، والسؤال الآن: لماذا لماذا؟. والإجابة لماذا لماذا؟.
    زبانية السلطة ينتشرون في كل مكان، على الأرض وفي الفضاء. في الصحافة وسيارات الأجرة والمكاتب والإنترنت. موقع إلكتروني صمم خصيصًا لتنفيذ سياسات السلطة فيما يتعلق بالقضايا (الواجب) نشرها ومعرفتها والقضايا (الواجب) التستر عليها ومحاربتها. موقع به مدير عام ونائب مدير عام ووزير وغفير!، ويرعى أنشطة تكلف مبالغ طائلة ويتسلم مخبروه آلاف الريالات شهريًّا! كل ذلك لماذا؟ من أجل سواد عيون هذا الوطن اللُّعبة أم من أجل سواد عيون السلطة القاهرة وتحكُّمها في كل صغيرة وكبيرة، أم من أجل الكذب والدجل والتشويه، من أجل الانحطاط والتردي والبيع والشراء، من أجل إعدام الضمير والأخلاق والمبادئ واستخدام الأقنعة والمساحيق؟. وأعداد الذباب المتساقط تزيد يومًا بعد يوم، فلو حُورِب أولئك وفُضحوا وحُوسِبوا لما اتسع نفوذُهم، لكنهم وجدوا الأحضان مفتوحة والمبررات جاهزة، فكيف إذن لا يُشارَكُون في الدور العظيم الذي يقومون به خدمةً للثقافة والأدب والمجتمع؟!.
    الجميع يعرف أن كلًّا من الراشدي وود شوين أحدهما أسوأ من الآخر، وحتى قيام الساعة لن يصلح هذا ليكون وزيرًا للإعلام ولن يصلح ذاك ليكون وكيلاً للإعلام، كل منهما أشد جهلاً من الجهل نفسه، حتى في هذا الشهر "الفضيل"!، ولو ظهر أي منهما نصف ساعة أمام صحفيين وإعلاميين لم يعتادوا تلقين الصبيان لاستقال من تمثيل دور الفهم الوهمي الأجوف. هذان الموظفان مجرد آلتين تستخدمهما السلطة لإبادة الوعي وغسل الدماغ وقمع السؤال وتمجيد الجهل بكل الصور البرَّاقة في دولة الدعاية والإعلان؛ وعلى ذلك قِسْ، فمَنِ الوزيرُ الذي يمكن احترامُه في بلادنا؟، من الوزير الذي أصبح وزيرًا بسبب إمكانياته وصلاحيته وعدم مجيئه لاعتبارات أخرى يقوم عليها بنيان السلطة المتهالكة واعتباراتها التي ينخرها سوسها وصديدها ويجعلها تتآكل بفعل عوامل التعرية؟، من الوزير الذي أصبح وزيرًا ولَمْ يصبح مليونيرًا؟. القلة القليلة من الذين يمكن احترامهم، القلة القليلة من الوطنيين إما أنها مهمشة فاقدة الحيلة وإما أنها تتدرب على طرق النصب والاحتيال لتدخل نادي اللصوص بجدارة، وإما أنها تحدد الحلف الأقوى من أحلاف عصابة السلطة كي تبقى أكثر فترة ممكنة حتى تكتم أنفاس هذا الشعب كما يكتم أنفاسه أساتذتها أفراد العصابة العتيقون الشِّداد الغلاظ الذين سيفتتحون متحفًا يؤبنون فيه الشعب العُماني المنقرض الذي تعبر فوقه البغال والحمير واللصوص والأوغاد والسفلة والمجرمون، وهو، هذا الشعب -ما شاء الله عليه- يتحمل أكثر من البغال والحمير واللصوص والأوغاد والسفلة والمجرمين!، يتحمل الكثيرين منهم بشتى الصور والأشكال والألوان، وطالما أثبت هذا عبر العصور والدهور!.
      للدعاية والإعلان قوة توازي السلاح النووي لكن على طريقة الدعاية والإعلان طبعًا، والدليل هو الشعب العُماني المُطوَّر حسب وصفة النهضة المباركة. على الجميع أن يقولوا كنا نسافر عبر الجبال والوديان الوعرة على ظهور الجمال والحمير لكن يجب ألا يفكر أحد أن الحمير والجمال نفسها أصبحت تتبرأ من هذا الخطاب الركيك وتتمنى لو لم يركبها أحد!. على الجميع أن يقول إن الحكومة العظيمة بنت لنا شبكة طرق وشوارع عملاقة تغطي أرجاء البلاد كافة ووو لكن يجب ألا يقول أي أحد إن البنية التحتية مهترئة معرضة للخطر بسبب الصفقات المشبوهة وإهدار الملايين على الشارع الواحد أحيانًا مرارًا ومرارًا، وما يكلف مليونًا يكلف مئة مليون!. اللصوص يحتاطون بالتأكيد فلا أحد يستطيع إثبات أي شيء والأوراق تؤكد صدق كذبهم!، ثم إن الرقيب يحتاج إلى رقيب، وفي النهاية لن يوجد إلا اللصوص وحدهم. يجب ألا يكتب أحد عن الأرواح التي فقدت بسبب سوء التخطيط وعدم بناء الجسور في الوديان، وبسبب التخطيط الأشد رداءة الذي يقول كثير من العُمانيين إن شوارع أفريقيا في الستينيات كانت أفضل منه!. يجب ألا يكتب أحد شيئًا عن حكومة لا يثق فيها أحد، بل يجب أن ينال التكريم الفاشلين ويصفق الجميع لمسرحية جعلتهم جميعًا يتذوقون روعة أداء الممثلين. عندما يبنى شارع أو جسر فيجب أن تكتب الصحافة ويصور التلفزيون وتبقبق الإذاعة ويُدبِّج الشعراء القصائد ويرقص المواطنون ويهزجون ويقفزون فرحين بالسيوف والخناجر وتنشر الإعلانات الممجدة للأفعال العظيمة وينطق الحجر بالصنائع والروائع!. ياله من بلد لا يكل ولا يمل من لعبة تضييع الوقت فيما ينقله من سيِّئ إلى أسوأ.

09 أغسطس 2009

حملة على مقاهي إنترنت لـ مخالفتها أحكام قانون الاتصالات!

أصحاب مقاهٍ وزبائن يستنكرون العقوبات ويُطالبون بتغيير القانون


سالم آل تويّه

    تعتبر الاتصالات الهاتفية في عُمان باهظة الثمن وفوق قدرة احتمال النسبة الأكبر من الموظفين والعمال، وبالذات الأجانب منهم الذين يلجأون إلى الإنترنت كلما أرادوا الاتصال بأهلهم في أوطانهم، وأغلب هؤلاء من الهند وپاكستان وبلدان شبه القارة الهندية.
    وقد عانى أكثر هؤلاء ومستخدمون آخرون من الانقطاع المتكرر لخدمة الدردشة المربوطة ببريدي الهوتميل والياهو دون أسباب محددة.  وتتيح هذه الخدمة للمتصل التحدث بالصوت والصورة إلى المتصل في الجانب الآخر من العالم بتكاليف مالية لا تذكر مقارنة بتكلفة الهاتف.  كما حدث الانقطاع نفسه بالنسبة إلى شركات محادثة مجانية عديدة تزايد عددها وعدد المشتركين فيها خلال السنوات الأخيرة وباتت مقصد ذوي الدخول المحدودة من الموظفين والعمال الأجانب المقيمين في عُمان.
    إلا أن تطور خدمات الإنترنت المستمر أتاح الاتصال بالهواتف، وبالتالي حل مشكلة عويصة لأولئك الذين لا يمتلك أقاربهم أجهزة كمبيوتر ولا يجيدون التعامل مع الشبكة العنكبوتية في أرياف وقرى أوطانهم، فأصبح الأمر أسهل لهم عبر تمكنهم من الاتصال بهم هاتفيًّا وبتكاليف لا تقارن أبداً بتكاليف الاتصال الهاتفي المباشر.
    وبسبب الأعداد الكبيرة لهؤلاء العمال الذين يعيش أغلبهم أوضاعاً مزرية فيما يتعلق بالمسكن والغذاء والمقابل المادي لقاء الأعمال الشاقة التي يقومون بها ازداد استخدام الاتصال الهاتفي بواسطة شبكة الإنترنت.  ويبدو أن هذا الأمر سحب البساط من تحت أقدام شركات الاتصالات العمانية النهمة المشهورة بغلائها الفاحش وخدماتها السيئة وكثرة شكاوى زبائنها فقامت، بالاشتراك مع شرطة عُمان السلطانية، بحملات مداهمة على محال ومقاهي الإنترنت في مسقط وأنحاء متفرقة من البلاد، بحجة إلقاء القبض على مخالفي أحكام المادة 20 من قانون هيئة تنظيم الاتصالات.
    أسفرت الحملة عن إلقاء القبض على عشرات العمال الآسيويين الذين يديرون مقاهي الإنترنت.  وقال عدد من أصحاب تلك المقاهي العُمانيين إن أفراداً يرتدون ملابس مدنية ويحملون تراخيص من الادعاء العام قالوا إنهم من التحريات التابعة للشرطة وقاموا بمداهمة المحال وتفتيشها وإغلاقها وضبط الأجهزة واقتياد العمال للحجز على ذمة التحقيق.
    وأبدى بعض أصحاب مقاهي الإنترنت استغرابه الشديد من المادة 20 من قانون تنظيم الاتصالات التي تم إلقاء القبض على العمال واحتجازهم بسبب "مخالفتهم أحكامها".  ما المقصود بهذا القانون ومادته العشرين بالتحديد؟
    وتنص المادة 20 من قانون تنظيم الاتصالات على أنه:  "لا يجوز لأي شخص إنشاء أو تشغيل نظام اتصالات أو تقديم خدمة اتصالات إلا بعد الحصول على ترخيص طبقاً للأحكام المنصوص عليها في هذا القانون ما لم يتقرر إعفاؤه وفقاً للوائح التي تصدر لهذا الغرض".  
    ما المقصود بكلمة "اتصال" و"اتصالات" في المادة 20 هذه؟
    يرى بعض أصحاب مقاهي الإنترنت أن كلمة "اتصالات" مطاطة جداً في هذه المادة وغامضة ومعناها يحتاج إلى شرح يجنب قارئها الالتباس وعدم الفهم، فكلمة "اتصال" تستخدم للاتصال بشبكة الإنترنت والدخول إليها، كما تستخدم في رسائل البريد الإلكتروني المرسلة والمستقبلة وتستخدم في برامج الماسينجر الياهوو والهوتميل (الاتصال الدولي عن طريق الصوت، الاتصال الدولي عن طريق الصوت والصورة، الاتصال الدولي عن طريق إرسال رسائل أو برامج أو غيرها عن طريق الكتابة)، وكذلك الاتصال الدولي عن طريق الإنترنت، والاتصال الدولي عن طريق المواقع في شبكة المعلومات الدولية وهي مواقع كثيرة جدّاً.
    ويقول صاحب مقهى إنترنت:  "القانون لا يحدد بالضبط ما الاتصال المرخص وما الاتصال غير المرخص!"، "هل هناك قائمة بالاتصالات المرخصة والاتصالات غير المرخصة؟".
    ويضيف آخر:  أنواع الاتصال عن طريق الإنترنت كثيرة تجعل مواد القانون غامضة جداً، فهناك مثلاً الاتصال الدولي عن طريق الماسينجر نفسه بأي رقم هاتف دولي، وهناك أيضاً أنواع للاتصال الدولي:  من هاتف إلى كمبيوتر، ومن كمبيوتر إلى هاتف، ومن هاتف إلى هاتف، وهناك برامج الاتصال الدولي من الإنترنت عن طريق الإنترنت برقم أي دولة، الاتصال عن طريق إرسال رسائل قصيرة من الإنترنت إلى أي رقم هاتف خلوي دولي، الاتصال وإرسال فاكس عن طريق الإنترنت، الاتصال وإرسال رسالة صوتية إلى أي شخص في العالم، الاتصال عن طريق الهاتف الثابت، الاتصال عن طريق البرقيات، وهذه نفسها أصبح بالإمكان إجراؤها من خلال الإنترنت، فما المقصود بهذا القانون الغامض؟ وأين وجه مخالفته بالتحديد؟
    ويقول عدد من مستخدمي الإنترنت إن الناس يبحثون عن البدائل دائماً، يتركون الاتصالات الأغلى ويبحثون عن الأرخص، وهذا من حقهم.
    ويعلق أحد المستخدمين:  هذه الخدمة التي يعاقب عليها في السلطنة متوافرة في مملكة البحرين ودولة قطر، وتعتبر شرعية تماماً عندهم ويروج لها حتى في الشوارع!
    ويرى آخر:  نص مواد قانون تنظيم الاتصالات غامضة لذلك حتى العقوبة غامضة أيضاً وغير مفهومة!
    وتنص المادة 53 من قانون تنظيم الاتصالات على أنه:  يُعاقَب بالسجن مدة لا تزيد على سنتين، وبغرامة لا تزيد على خمسين ألف ريال عُماني، أو بإحدى هاتين العقوبتين:  كل من يقوم أو يساعد أو يحرض آخر في إنشاء أو تشغيل نظام اتصالات أو تقديم خدمة اتصالات بدون الحصول على ترخيص أو باستخدام أجهزة أو أنظمة غير معتمدة من الهيئة طبقاً لأحكام هذا القانون.  وفي جميع الأحوال تقضي المحكمة بمصادرة المضبوطات.  ونصت المادة 57 البند 1 من هذا القانون على أنه:  يعاقب بالسجن مدة لا تزيد على سنة وبغرامة لا تزيد على خمسة آلاف ريال عماني أو بإحدى هاتين العقوبتين:  كل من يحصل على خدمة اتصالات من نظام اتصالات مرخص باستعمال وسائل احتيالية أو أساليب فنية غير معتمدة من الهيئة، أو يجوز أي شي يمكن استعماله للحصول عليها، وذلك لتفادي دفع الرسوم المستحقة للخدمة المقصودة".
    وهنا لا ينتهي استغراب أصحاب مقاهي الإنترنت وزبائنهم وكل مطلع على القانون:  هل تُوازي العقوبة الجرم المرتكب؟ هل ما يستخدم مجاناً من خلال الإنترنت في العالم يتقاضون عليه مقابلاً مادياً في سلطنة عُمان؟
    "قانون غامض غير مفهوم أبداً" يقول صاحب محل إنترنت تعرض مديره الهندي الجنسية للاحتجاز، وقد يواجه مع عشرات آخرين عقوبات أشد، ناهيك عن آثار إغلاق المحل.  ويضيف صاحب المحل المغلق:  كيف تكون الغرامة 50 ألف ريال (الريال العُماني يبلغ قرابة دولارين ونصف دولار)؟ وكيف تكون 5 آلاف ريال ورأس مال مقهى الإنترنت 3 آلاف ريال؟
    ويضيف صاحب مقهى آخر:  إذن عليهم أن يعاقبوا الآلاف ممن يستخدمون هذه البرامج للاطمئنان على أقاربهم.  هذه العبارات الغامضة ليست قانوناً، إننا نحتاج إلى قانون مفهوم لا يحرمنا من استخدام الوسائل المشروعة في أرجاء العالم! أين الخطأ يا ترى؟ أين الجريمة؟ من الجاني ومن المجني عليه؟
  
    ويمكن لأي مستخدم إنترنت البحث عبر محركات البحث عن برنامج اتصالات بالهاتف، وستفرز له النتيجة برامج كثيرة جداً لكنه لن يستطيع استخدام أيٍّ منها في ظل وجود قانون تنظيم الاتصالات العُماني! علماً بأنها تستخدم في أرجاء المعمورة دون أي عقوبات أو تدخلات من شركات الاتصالات أو السلطات الأمنية إلا إذا تعلق الأمر بالإرهاب، وهذا ترجيح مستثنى في هذه الحملة التي مع ذلك يرى متابعون أن غرضها الأساسي السيطرة على المكالمات الهاتفية ومراقبتها، إذ إن استخدام برامج إنترنت للاتصال بالهواتف يجعل مراقبة المكالمات أمراً معقداً.
    "ويقول خبراء ان برنامج سكايب وغيره من برامج بروتوكول الاتصالات الصوتية عن طريق الانترنت VoIP يصعب التنصت عليها لانها تعمل بتفكيك بيانات الصوت الى حزم صغيرة ونقلها خلال آلاف من مسارات التفريع لا من خلال دائرة مستمرة بين طرفين مثلما يحدث في الاتصال التقليدي".
  
    

08 سبتمبر 2008

مذكرة تعقيب محامي آل تويه على رد الداخلية الأول 1

الرد الثاني 1

الرد الأول الصفحة 3

الرد الأول 2

الرد الأول 1

....

01 سبتمبر 2008

حملة ضد كتاب الإنترنت في عُمان.. تفاصيل جديدة في قضية الكاتب علي الزويدي

    استدعى الادعاء العام (أمس) الكاتب، ناشط الإنترنت، علي الزويدي للتحقيق على خلفية مسؤوليته عن الإشراف في منتدى سبلة عمان، وكان الزويدي قد واجه مضايقات عديدة في الفترة الأخيرة في ما يتعلق بحقوقه الوظيفية.

    والزويدي كاتب مهتم بالجوانب الاقتصادية والتنموية، وسبق أن فتح ملفات عديدة للفساد الإداري والمالي، وكعادة المتنفذين في عُمان فإنهم قاموا باختراع سببٍ لترهيب الكاتب وهو محاسبته كمشرف في قسم سياسي في منتدى على الإنترنت، ظانين بذلك أنهم ينأوون بأنفسهم عن القضية أمام الرأي العام غير أن الحقيقة مختلفة ومعروفة، فالسبب الرئيس لمطاردة علي الزويدي ومحاولة الإضرار به سببها مقال نشره في 20-3-2007 موجه لوزير المواصلات لكنه يكشف عن فساد مجموعة من المتنفذين المستفيدين مباشرة من هذا المشروع وغيره.

    وتعيش عُمان هذه الأيام حملة من التحقيقات والاستدعاءات لصحفيين وكتاب لم تتضح كافة تفاصيلها بعد، كما تعيش ارتفاعاً حاداً في وتيرة التجاهل للمطالب الشعبية يرافقه قمع بوليسي فاقد لأي بوصلة سياسية، باستثناء السير الحثيث نحو حماية الفساد والمفسدين وقمع الشعب في كل موقع ومناسبة.

  إستكمالاً للتدوينة السابقة عن التحقيق مع الكاتب علي الزويدي (بن دارس)، وردتني معلومات جديدة تؤكد ما أشرت إليه سابقاً، وتضيف تفاصيل جديدة:
قام الرئيس التنفيذي لعمانتل، وهو قادم من المكتب السلطاني أصلاً، بتقديم شكوى ضد منتدى سبلة عمان بسبب موضوع لأحد الأعضاء عن عمانتل، قام بن دارس بالسماح بنشره، واعتُبر بعض ماورد فيه إهانة وتجريح وتشهير في حق الرئيس التنفيذي.
استدعى الادعاء العام موسى الفرعي-فاكت ساوند- المشرف العام على المنتدى، ثم علي الزويدي في وقت لاحق، وتم (لفلفة ملف القضية وحفظها)، والملاحظ هنا أن الشكوى من الأساس لم تكن ضد الكاتب.

  (الخبر وتفاصيل أوفى كما هي منشورة في موقع مدونة عُماني http://omanname.blogspot.com/).

مقالة علي الزويدي

 ثوج التراب قاربت قيمته (29) مليون ريال يا وزير النقل والاتصالات

    منذ بضعة أشهر قرأنا في الصحف المحلية عن فوز شركة عمانية لتسوية أرض مطار السيب الدولي لغرض إقامة المطار الجديد عليها بكافة ملحقاته والتي تتضمن مدرج الطائرات وساحات الوقوف والمباني بكافة أنواعها. كانت المناقصة بقيمة (13) مليون و(450) ألف ريال عماني. استغرب البعض - كما استغربت شخصيا - من قيمة ذلك (التراب) المستخدم في الردم والتسوية لكن تقبلنا ذلك الرقم من أجل أن نرى مطار دوليا بكافة المقاييس سوف يستوعب أكثر من (12) مليون راكب سنويا.

    وبالفعل ما إن يعبر أحدنا الشارع البحري المتصل بشارع (18) نوفمبر إلا ويرى الشاحنات المحملة بأتربة (الكبس) لتنثر الغبار على سياراتنا وترميه على تلك المساحات الواسعة التي تم تسويتها في البداية وإزالة الحشائش، ومن ثم "كبسها" بالتراب، ومن ثم ترصينه "كومباكتنج" لارتفاع أظنه يصل إلى المتر. فاعتقدنا أنه بعد إكمال عملية الردم سوف تحصل أية شركة على مناقصة بناء المطار الدولي وملحقاته بمئات الملايين من الريالات العمانية...

أو هكذا اعتقدنا...
   بالأمس نقرأ في الصحف المحلية أنه من ضمن عشرات المناقصات هي مناقصة لـ"المرحلة الثانية" لردم أرض مطار السيب الدولي، لم نكن نعرف أن هناك "مرحلة أولى" وصلت قيمتها إلى (13) مليون و(450) ألف ريال. فقط عرفنا بالأمس أن هناك "مرحلة ثانية" بقيمة زادت بأكثر من مليوني ريال عماني على قيمة المرحلة الأولى. كيف ذلك؟

    بالطبع الصحف المحلية تناقلت خبر المناقصات (الضخمة) دون تحليل ودون تمعن في الأرقام التي لا يقبلها عاقل ولا مهندس يعرف مصطلح Value Engineering (هندسة القيمة) وهي احتساب كافة مكونات التكاليف بشكل هندسي دقيق ومن ثم إضافة الربح عليه Profit Margin. حيث لم تستطع عقولنا أن تستوعب أن أرضا يتم كبسها سوف تكلف خزانة المال العام ما يقارب (29) مليون ريال عماني تم دفعها على مرحلتين.  لم نستطع أن نعرف أن "النكالات" ولا "الشاحنات" التي تحمل الأتربة من أراضي عمانية إنما سوف تنقل ترابا بقيمة (29) مليون ريال؛ بالطبع المناقصة لا تشمل التراب فقط وإنما تسوية الأرض ونقل التراب وترصينه

    لما قرأت خبر "المرحلة الثانية" لردم أرض مطار السيب الدولي تذكرت "جحشة" جدي مسعود - طول الله عمره. كانت تلك الجحشة تحمل "الثوج" الذي اخترعه الانسان العماني في قديم الزمان فاستخدمه لحمل ونقل الأغراض والأشياء قبل أن تأتي "البيك
أب" أو "السكس ويل" أو الشاحنات أو "التريلات". الثوج - لمن لا يعرفه - هو وسيلة صنعها العماني من خوص النخيل وخاطها بخيوط من ألياف النخيل لينقل على متنها الأشياء مثل التراب أو السماد العماني أو الرطب أو التمر أو أية أغراض بحاجة إلى نقل من منطقة لأخرى.

    كانت "الجحشة" تحمل "الثوج" المحمل بالتراب عندما يتطلب الأمر نقله لغرض البناء بالطين، ذلك الثوج والذي يمكن أن يتسع لمتر مكعب من التراب كان يباع برخص التراب نفسه. ولم يكن جدي أو من عملت معهم في صغري يتقاضون أرباحا من "مناقصات" أصبحت غير معقولة. ربما يحصل جدي على ربع ريال في اليوم كاملا بدون أن يكون هو وجحشته قد نقلا كميات من التراتب تكفي لبناء "صفة" أو "غرفة" بأكملها.

    عندما ارتفعت الأسعار قالوا لنا أن هذه الأسعار هي نتيجة الغلاء المستورد من الخارج، حيث ارتفعت الأسعار بالخارج نتيجة عوامل كثيرة؛ من بينها ارتفاع أسعار النفط وقلة الانتاج في بعض الدول وزيادة الطلب على السلع وانخفاض الدولار، وغيرها من الأعذار التي نقبل بعضها ونرفض بعضها الآخر..

    لكن هل يستطيع أن يقنعنا الوزراء الموقعون على الاتفاقيات بالأمس (سواء أحمد مكي أو الدكتور خميس العلوي) بأن اتفاقيتي ردم أرضية مطار السيب الدولي والتي وصلت إلى (29) مليون ريال إنما هي بسبب ارتفاع الأسعار؟

التربة عمانية 100%..

    هذه التربة وهبها لنا المولى عز وجل، وما أكثرها.. بل أن بعضها تأتي من مخلفات الشارع الدائري الجديد الذي يتم إنشاؤه في الوقت الحالي، ناهيك على الأراضي والأودية الشاسعة بالسلطنة التي تخلف هذه الأتربة و"ببلاش"..

أم أن العذر سوف يكون في تكلفة الشاحنات وتكلفة الديزل وتكلفة قطع الغيار لنقل تراب مجاني أو رخيص؟

كيف لنا أن نستوعب أرقام هاتين المناقصتين يا وزير النقل والاتصالات لردم أرضية وتسويتها بمبلغ قارب من الـ(29) مليون ريال؟ وكما يبدو فإن سعر المتر المكعب للتراب وصل إلى (ريالين ونصف)....

ولو استخدمت "ثوج" جدي مسعود و"جحشته" لما وصل المبلغ إلى مليون ريال عماني. أقولها بكوميديا "دانتي اليغييري"، من الأدب الايطالي كما تعرف يا معالي الوزير...

http://www.omania2.net/avb/showthread.php?t=102558

* منقول من مدونة سعيد جداد/أبو عماد http://jadad.katib.org/node/68

إبداعات رمضانية يومية

بلا تعليق